الرئيسية » مقالات » مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الحلقة الثالثة

مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الحلقة الثالثة

هل هي صحوة دينية أم انتكاسة حضارية أم ماذا؟
حقق المجتمع البشري تطوراً هائلاً في القرن العشرين ولكن بشكل خاص في منجزات الثورة العملية والتقنية التي ترافقت مع تطور سريع في مسيرة العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والحقوقية …الخ. ولكن هذا التطور الارتقائي كحصيلة عامة للمجتمع البشري على الصعيد الدولي لم يقترن بالضرورة بنفس وجهة ومضمون التطور في هذه المنطقة الجغرافية أو تلك من العالم أو في هذه الدولة أو تلك. فالتاريخ يؤكد لنا إلى احتمال حصول حركات زگزاگية أو تراجعية أو انتكاسات حضارية في هذه المنطقة أو تلك وفي هذا البلد أو ذاك, كما تؤكدها حالة الكثير من دول الشرق الأوسط, خاصة إذا كانت التحولات التي تحصل في فترات معينة وفي كل منها لا تتكرس وتتعزز قواعدها في واقع ووعي الفرد والمجتمع, إذ عندها تكون عرضة للتراجع, وهذا ما تجلى بوضوح في ما أطلق عليه بـ “الصحوة الدينية” التي جرى الحديث عنها في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي, في حين أنها لم تكن سوى انتكاسة حضارية مريرة وعودة إلى الماضي السحيق, رغم استخدام أصحاب هذه “الصحوة الدينية” البائسة التقنيات الحديثة لمنجزات الحضارة البشرية المعاصرة.
شاركت الصديق الدكتور الجميل نقده للثورة الإيرانية دون أن نكون قد التقينا أو تعارفنا قبل ذاك, وسلطت, كما سلط, الضوء على سرقة هذه الثورة من قبل المؤسسة الدينية في قم بشكل خاص والتي دفعت بالبلاد إلى المتاهات الدينية الراهنة لا في إيران فحسب , بل وتسببت في ما أطلق عليه بمحاولة تصدير الثورة الإسلامية الشيعية الصفوية إلى دول أخرى ذات أكثرية سكانية مسلمة, وسيادة الفوضى والإرهاب الديني الإسلامي السياسي في بلدان كثيرة بسبب تلك الصحوة المشوهة.
لم تكن المرحلة مقتصرة على عواقب الثورة وهيمنة أصحاب العمائم على الحكم في إيران, بل اقترنت أيضاً بالاجتياح السوفييتي المنسق مع الحكومة الأفغانية حينذاك لأفغانستان وما أثاره ذلك من احتجاجات وتداعيات في الدول العربية وغير العربية ونشوء تحالف سياسي مكون بالأساس من ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة السعودية وباكستان مع قوى إسلامية سياسية تشكلت بمساعدة هذه الدول لخوض الصراع والنزاع مع السوفييت على الأرض الأفغانية وبدعم كبير من الدول الأوروبية والكثير من الدول العربية وتطوع الكثير من العرب والمسلمين من دول أخرى في القوات الأفغانية. وقد بدأت لأول مرة هناك العمليات التي أطلق عليها بالجهادية. وكان الممول والموجه الفكري الديني هي الدولة السعودية والمدرب لقوات مقاومة السوفييت هي باكستان والمجهز بالمعلومات والأسلحة وبقية المساعدات اللوجستية هي الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تقتصر هذه العملية على أفغانستان بل امتد تأثيرها وبالاقتران مع الثورة الإيرانية في العام 1979 إلى الدول العربية والكثير من الدول ذات الأكثرية المسلمة وإلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وساهم خروج السوفييت وانهيار الاتحاد السوفييتي على انتعاش كبير في هذه الحركة الإسلامية السياسية الأصولية والمتطرفة في أساليب عملها وشدة عنفها وبشاعة جرائمها. وعاد العرب وغير العرب من أفغانستان إلى بلدانهم وشكلوا القوى التي عرفت فيما بعد بالقاعدة واتخذت من أفغانستان طالبان مكاناً لها بعد أن كانت لها قواعد في السودان والسعودية وباكستان, وبعد أن نشطت قوى أصولية مرتبطة بالإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا واليمن, إضافة على الدول المغاربية.
تواجه المنطقة العربية حركات إسلامية سياسية باتجاهين, وأن كان تأثير الاتجاهين في المحصلة واحد على شعوب هذه البلدان, إنه البؤس الفكري والفاقة الذهنية وخراب الوعي والنزاعات الطائفية والعداء للديانات الأخرى. يتمثل التيار الإسلامي السياسي الأول بالإخوان المسلمين في مصر وتفاعل وتشابك مع الحركة الوهابية ليشكلا حركة سلفية متخلفة وعدوانية موجهة ضد الأديان والمذاهب الأخرى, مع وجود بعض المعتدلين الذين لا يؤثرون كثيراً على الاتجاه العام. ويتمثل التيار الثاني بالأحزاب السياسية الشيعية التي ظهرت في إيران والعراق في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والتي تتسم بالسلفية الجامحة ورفض المذاهب الأخرى عملياً, رغم الادعاء بغير ذلك, مع وجود أقلية معتدلة غير مؤثرة. وكلا التيارين ينشر العنف والشمولية والرغبة في الهيمنة ورفض العقل والحضارة الجديدة. وقد علمتنا التجربة بأن أي حزب سياسي إسلامي ينشأ في أي بلد من البلدان ذات الأكثرية المسلمة لا يمكن أن يكون إلا حزباً سياسياً يقوم على أساس مذهب معين ويمارس سياسة طائفية مقيتة وبعدوانية كبيرة. وما يطلق عليها بالعمليات الجهادية التي يجري الحديث عنها وتنفذ في الكثير من بلدان العالم (العمليات الانتحارية والمفخخات), سواء أكان ذلك من قبل الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية أم السنية, فهي ليست سوى التعبير عن تلك الذهنية الدينية السلفية المقيتة والعنف والشمولية ورفض الأخر بل العمل من أجل استئصاله فكراً وجسداً.
يشير الأستاذ الجميلي إلى فكرة مهمة ترد في المقتطف التالي من نهاية الحلقة الثانية في معرض حديثه عن حاجتنا للمنهج النقدي:
“.. إنني أرى أن هناك جملة هائلة من الأسباب والمسببات التي تقف حائلا وعائقا أمام التحول الديمقراطي في منطقتنا كلها والعالم الإسلامي برمته .. ولكنني كنت قد ركّزت تماما في العديد من دراساتي وكتبي على إشكاليات الوعي وزحمة التناقضات .. وكنت ولم أزل أطالب بمناهج تربوية جديدة تنسف كل التفكير السائد منذ مئة سنة .. ( راجع كتابي : التحولات العربية : إشكاليات الوعي وتحليل التناقضات وخطاب المستقبل ، 1997 )”. جميل جداً ما يذكره الدكتور هنا وأؤيد وجهته. ولكن لا بد من تسجيل الملاحظة التالية, بعد أن استميح الزميل العزيز عذراً: أننا سنبقى نطالب بذلك دون فائدة وسنبقى ندور في حلقة مفرغة, إذ أن من يضع المناهج الجديدة ليس بأفضل ممن وضع المناهج السابقة ما لم يجر تغيير العقلية والوعي وطريقة التفكير لدى الذين يضعون تلك المناهج, وهذا لا يتم في الحاضنة الاجتماعية الراهنة في الدول العربية, الحاضنة الدينية والعشائرية, الحاضنة الريفية الأمية المتخلفة, وليست الحاضنة البرجوازية حاملة التحول الاجتماعي في المجتمع العراقي أو الطبقة الوسطى وجمهرة المثقفين الديمقراطيين. ليس تغيير المناهج مسألة إرادية نقول “كوني فتكون”, ولا هي مجرد دعوة مهما كانت نبيلة ومخلصة كدعوة الصديق الجميل, بل هي عملية طويلة ومعقدة ومركبة في آن, وهي مقترنة بالتحولات الاجتماعية التي يفترض النضال في سبيلها, والتي هي متعددة الجوانب, أي أنها عملية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في آن. أتفق تماماً حين يؤكد بأن علينا أن لا نلج غرفة مغلقة واحدة ونفتح شبابيكها وندع الرياح تغير الهواء الفاسد فيها, بل علينا فتح جميع الغرف وفتح أبوابها الموصدة ونوافذها المغلقة والولوج إلى أعماقها والتحري عن الروابط في ما بين جميع تلك الغرف.
علمانية تركيا
فرض مصطفى أتاتورك العلمانية على تركيا. ولكن لم يقتنع بها الشعب التركي, واصبح فرضها يتم عبر العسكر لا غير. وكلما حاول البعض التجاوز على العلمانية الشكلية, قام العسكر بانقلاب أو هددوا به. تركيا علمانية بالاسم وببعض الممارسات, ولكن تركيا لا تعرف الديمقراطية, وكما قلت يا صديقي العزيز , فالديمقراطية ليست عملية انتخابية فقط, بل أكثر من ذلك بكثير, وكنت محقاً في تشخيص هذا الأمر. تبذل تركيا جهوداً كبيرة للدخول في الاتحاد الأوروبي, وهي عضو في حلف شمال الأطلسي. ولكن هناك عوامل كثيرة لرفض الاتحاد الأوروبي قبول تركيا فيه. ولكن واحدة من ابرز تلك القضايا, رغم العلمانية التي تحدثت عنها, هي غياب الديمقراطية والشوفينية التركية ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الكردي. ورفض الاعتراف بالمجاز التي ارتكبتها تركيا بحق الأرمن في العام 1915. والوضع في تركيا يختلف عن الوضع في الهند والذي أشرت إليها في الحلقة الثانية من هذه المقالة. لا أتصور العلمانية مجرد فصل الدين عن الدولة على أهميته وحيويته وأسبقيته, ولكن العلمانية دون الديمقراطية لا تعني شيئاً حقاً. أجد مفيداً العودة لمن يرغب بالإطلاع على موضوعة العلمانية أن يقرأ كتابات الأستاذ الدكتور عزيز العظمة والأستاذ الدكتور جلال العظم وكتابات الأستاذ الدكتور برهان غليون على سبيل المثال لا الحصر.
أما في إيران, فالنظام السائد ثيوقراطي شمولي متخلف حيث يفتقد فيه الفرد حريته والمجتمع قدرته على التعبير عن إرادته, وحيث تمارس مئات المؤسسات الدينية والمدرسية تشويه الوعي وتعطيل العقل والسجون مليئة بسجناء الفكر والعقيدة ومن يطلق عليهم بالتوابين الذين تفرض عليهم التوبة من الفكر الذي يحملونه, وه يذكرنا بمبدأ البراءة الذي مورس ضد أصحاب الفكر في أوروبا قديماً أو الذي مارسه نوري السعيد في العام 1955 إلى حين سقوط الملكية.
كلنا يعرف بأن قوى الإسلام السياسي الشيعية الصفوية في إيران منذ سنوات “الثورة الإيرانية والصحوة الدينية!” صادرت بإرهاب منقطع النظير المظاهر القليلة للحرية الفردية ومظاهر من الديمقراطية الشكلية للنظام الشاهنشاهي, صادرت حقوق الإنسان وحقوق القوميات وزجت بالآلاف المؤلفة في السجون ومارست اشد أنواع التعذيب ضدهم, ويمكن لرواية الراحل عبد الرحمن منيف “الشرق الأوسط ثانية” أن تسلط الضوء على أساليب تعذيب أجهزة القمع الإيرانية الإسلامية المتوحشة. في إيران يعيش الإنسان كما قال أحد الإيرانيين في طهران بصدق وعفوية “عشينا موت تدريجي” [زينديگی ما مرگ تدریجی].
الحضارة والوعي الديمقراطي لا ينزلان علينا من السماء ولا يخرجان إلينا من تحت الأرض ولا يجلبهما لنا الوحي, ولا النداءات الإنسانية الطيبة والسليمة التي نطلقها ولا المطالبة وحدها بتغيير المناهج, بل هما نتاج تاريخي ينشآن بفعل عملية تغيير طويلة في واقع المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والبنية الاجتماعية والثقافية للإنسان الفرد والمجتمع. وكم هو سليم وصادق رأي الدكتور الجميل حين يقول: إن الوعي الاجتماعي الحديث لا ينشأ ويتبلور إلا بوعي علمي وفكر مستنير .. ولا يمكن لذلك الوعي أن يقترن بوعي ديني جديد أكثر تنورا ووعيا بدور الدين ودور الدولة والفاصل بينهما”.
ولكن السؤال العادل هنا هو: كيف نقيم الوعي العلمي والفكر المستنير؟ ليس طريق أوروبا هو الذي أريده, ولكن ما هو الطريق الذي يفترض السير عليه لكي يتحقق الوعي العلمي والفكر المستنير؟ هل وفق الحاضنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة أم وفق حاضنة جديدة تفسح في المجال لنشوء وعي عليم وفكر مستنير؟ هذا ما حاولت أن أوضحه في الحلقتين السابقتين وهذه الحلقة والحلقة الرابعة والأخيرة القادمة. كيف يمكننا إقناع دعاة الدين أن يساهموا في إبعاد الدين عن السياسة؟ لا يمكن ذلك بشكل واسع, بل يمكن كسب البعض القليل لهذه الدعوة. ولكن يمكن كسب الكثيرين حين تتوفر مستلزمات معينة وموازين قوى أخرى قادرة على تحقيق ما يدعو إليه الأستاذ الجميل. يقول الأستاذ الجميل “المثقفون لا يستطيعون أن يكونوا وعاة الدين , كما لا يمكن أن يكونوا دعاته”, هذا صحيح, ولكن في مقدورهم أن يكونوا وعاة ثقافة حرة وديمقراطية تتصدى للثقافة الدينية الصفراء التي أغرقت بلادنا بالصراع الديني والطائفي المقيت وكلفت المجتمع الكثير والكثير جداً من الضحايا والخسائر المادية. وستكون مهمتهم أسهل لو توفرت الأرضية الخصبة والمناسبة لقبول هذا الفكر الديمقراطي الحر.
أدرك دور البطل في التاريخ, ولكن التحولات الاجتماعية لا تبنى على أساس المغامرة والشجاعة الفردية, رغم أهمية دور البطل في التاريخ. ولكن هذا البطل التاريخي أو المغامر الشجاع لا يمكن أن يُخلق ما لم تتوفر له مستلزمات ظهوره وتأثيره ودوره, وإلا ستكون ولادته سابقة لأوانها. التاريخ لا يبنى على الإرادات الفردية رغم أهميتها, والقوانين الموضوعية لا تعمل وفق إرادتنا ورغباتنا الذاتية, بل يفترض فينا أن نفهمها ونعي فعلها ونستفيد منها لتحقيق التحولات المنشودة.
6/11/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *