الرئيسية » مقالات » المؤرخ الدكتور طالب محمد وهيم 1950 ـ 1988وتاريخ الخليج والجزيرة العربيةالحديث والمعاصر

المؤرخ الدكتور طالب محمد وهيم 1950 ـ 1988وتاريخ الخليج والجزيرة العربيةالحديث والمعاصر

مركز الدراسات الاقليمية –جامعة الموصل
مؤرخ عراقي شاب ، توفي في حادث سيارة اليم يوم 26 تشرين الثاني 1988 ، وهو لما يزل في الثامنة والثلاثين من عمره .. عندما كنت رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية في جامعة الموصل (1980ـ 1995) كان رحمه الله عضوا فيه وقد عرفته ليس مؤرخا وأستاذا وجامعيا وحسب بل وأديبا وكاتبا من الطراز الأول وكنت أتوقع له مستقبلا علميا باهرا ، إلا أن القدر لم يمهله .. كثيرا ما كنا نتحدث عن مشاريعه العلمية ومن حسن الصدف انه رافقني في رحلة علمية الى بريطانيا سنة 1978 للإطلاع على وثائق دائرة السجلات العامة Puplic Record office والمراكز العلمية والوثائقية الأخرى في لندن وكمبريدج وأكسفورد ودر هام .
ولد طالب محمد وهيم الزبيدي في جلولاء بمحافظة ديالى سنة 1950 ، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في محافظة كركوك ، حيث كان والده عسكريا انتقل في أكثر من مكان خلال سنوات طويلة من حياته حتى استقر في بغداد وبعد ان تخرج الدكتور طالب محمد وهيم في قسم التاريخ كلية الآداب ـ جامعة بغداد حاملا شهادة البكالوريوس في التاريخ ، قرر ان يستمر في الدراسة ، فالتحق بالدراسات العليا في الكلية ذاتها وحصل على شهادة الماجستير عن رسالته الموسومة : مملكة الحجاز 1916 ـ 1925 : دراسة في الأوضاع السياسية سنة 1976 وشهادة الدكتوراه عن أطروحته الموسومة : ((التنافس البريطاني ـ الأمريكي على نفط الخليج العربي وموقف العرب في الخليج منه 1928 ـ 1939 )) . سنة 1980 . وقد اشرف على رسالته الأولى الأستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف (رحمه الله ) .. أما أطروحته فكان الأستاذ الدكتور عبد الأمير محمد أمين المشرف عليها .
وبعد نيله الدكتوراه ، جاء إلى جامعة الموصل ليعين في 30 من آب 1981 مدرسا في قسم التاريخ بكلية التربية وبعد تعيينه التحق بالخدمة العسكرية ( خدمة الاحتياط ) ثم عاد إلى جامعة الموصل بعد انتهائها في 26 شباط 1983 .
وقد رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد في 10 من نيسان 1988 .
نشر رسالته للماجستير في كتاب وتولى مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة طبعها سنة 1980 ، كما تولت وزارة الثقافة والإعلام سنة (1982 ) نشر أطروحته للدكتوراه ضمن سلسلة دراسات (321) وطبع الكتاب في دار الرشيد في بغداد .
أنجز المرحوم الدكتور طالب محمد وهيم بضعة دراسات وقد نشر عدد منها وكانت ، بحق ، من الدراسات الجادة والرصينة وأتذكر ان مؤرخ الاردن الرسمي المعروف الأستاذ سليمان موسى قد أشاد بكتبه ودراساته وكان يحدثني عنه كلما التقينا سواء في عمان او بغداد . ومن البحوث التي أنجزها
1 . طبيعة الموقف القومي عن الشريف حسين بن علي 1908 ـ 1916
2 . جريدة القبلة الحجازية مصدرا لتاريخ العرب المعاصر
3 . المضامين الاقتصادية والاجتماعية في جريدة القبلة
4 . الحركة الوطنية وتأميم نفط العراق حتى عام 1952 .

كان هاجسه في كل كتبه ودراساته وبحوثه ومقالاته ، هو العودة الى الأصول التاريخية ، وخاصة الوثائق غير المنشورة لهذا فان وثائق وزارتي الخارجية والمستعمرات البريطانيتين كانتا في طليعة الوثائق التي اعتمد عليها في دراساته ولم يغفل البحث عن الوثائق العربية الرسمية ومحاضر البرلمانات والصحف والمجلات والكتب ، ولم يكن يكتفي بالإفادة من هذه المصادر ، وإنما كان يحرص على تحليلها وتقييمها وفصل الغث عن السمين .. ومما ساعده على ذلك ان لغته الإنكليزية جيدة ، وقد عمل على تطويرها منذ ان التحق بالدراسات العليا وأتذكر أنني وهو قد اجتزنا امتحان الكفاءة باللغة الإنكليزية عندما كنا طلابا في الدكتوراه في قسم التاريخ بكلية الآداب مع اثنين آخرين فقط من بين (14 ) طالبا .
كتب الدكتور طالب محمد وهيم فصلين ، هما الفصل الأول والفصل الرابع من كتاب انجزه قسم التاريخ بكلية التربية جامعة الموصل عندما كنت رئيسا للقسم . وكان عنوان الكتاب هو ( تاريخ الوطن العربي المعاصر ) ، وقد اشترك في تأليفه فضلا عن الدكتور طالب ، كل من الأستاذ الدكتور غانم محمد الحفو والأستاذ الدكتور جاسم محمد حسن العدول والأستاذ الدكتور عوني عبد الرحمن السبعاوي وكان كتابا منهجيا كبيرا تجاوزت صفحاته آل ( 500) صفحة من القطع الكبير . كما أسهم معي واثنين من الأساتذة هما الأستاذ الدكتور خليل علي مراد والأستاذ الدكتور غانم محمد الحفو في تأليف كتاب بعنوان (( قضايا عربية معاصرة )) وقد طبع الكتاب في دار ابن الأثير للطباعة والنشر التابعة لجامعة الموصل سنة 1988 ويتضمن الكتاب خمسة فصول هي على التوالي : القضية الفلسطينية ، وقضية الاحواز وقضية الاسكندرونة ،وقضية ارتيريا وقضية الجزر العربية الثلاث . والكتاب يهدف الى دراسة واحدة من المشكلات الأساسية التي خلفتها السيطرة الاستعمارية على الوطن العربي ،تلك هي مشكلة سلخ أجزاء معينة من الوطن العربي وإخضاعها لقوى لأتمت إليها بصلة . وقد كتب الدكتور طالب محمد وهيم الفصل الثالث المتعلق بقضية لواء الاسكندرونة الذي انتزعه الأتراك والفرنسيون من سوريا في سنة 1939 . وقد استعرض أولا موقع الاسكندرونة الجغرافي وتاريخها السياسي ثم تطرق الى بيان كيفية ظهور قضية الاسكندرونة على المسرح الدولي والأطماع البريطانية ـ الفرنسية ـ التركية فيها منذ الحرب العالمية الأولى حتى ضم اللواء الى تركيا واختتم الفصل ببيان ردود الفعل العربية إزاء سلخ الاسكندرونة عن سوريا .
كان الدكتور طالب محمد وهيم عضوا في جمعية المؤرخين والآثار يين ـ فرع نينوى (الموصل ) ، وعضوا في اتحاد المؤرخين العرب . وقد شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية منها الندوة العلمية الثالثة لمركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة سنة 1984 وندوة تطور الفكر القومي العربي التي عقدت ببغداد سنة 1986 بالتعاون بين المجمع العلمي العراقي واتحاد المؤرخين العرب ومركز دراسات الوحدة العربية .
يقول عنه زميله الأستاذ الدكتور هاشم خضير الجنابي الأستاذ في قسم الجغرافية بجامعة الموصل أبان الثمانينات من القرن الماضي ان الدكتور طالب وهيم ((كان مثالا للجد والإخلاص والمثابرة والجرأة في طرح الرأي وكان حنونا بارا بوالديه الى درجة كبيرة ، حيث كان يعاني من مشاق السفر بين بغداد وكركوك والموصل من اجل مراجعتهم بين آونة واخرى للاطمئنان على راحتهم وصحتهم خاصة وان والده كان يعاني المرض وقد توفي في بداية عام 1984 )) . كما كان رحمه الله ((جادا في دراساته وبحوثه حيث نالت بحوثه ودراساته درجة الأصالة في التقويم العلمي من لدن الخبراء وكانت له مشاريع علمية مهمة ، لم يمهله الزمن للأسف لإنجازها )) .
أقامت كلية التربية في جامعة الموصل يوم السبت من كانون الثاني 1989 حفلا تأبينينا أكد جميع من شارك فيه على جديته وإخلاصه وأخلاقه العالية وهدوءه ونبوغه وعمق شعوره بالمسؤولية وبواجباته تجاه المجتمع والوطن .. كما ان طلابه قالوا انه يعد مثلا أعلى ونموذجا فريدا من الأساتذة .. كان أستاذا متميزا وأبا عطوفا وأخا وفيا لطلابه .. يحترمه الجميع وقد ألقيت في الحفل ، بصفتي رئيسا لقسم التاريخ وصديقا له ، كلمة أشرت فيها الى رصانته وجديته في العمل وحبه للمعونة وعشقه للمباديء والقيم ..وكثيرا ما كان يلتمس مني بان اسمح له بأخذ الطلبة في محاضرات إضافية خارج أوقات إطار المحاضرات المعتادة ليستزيد في المنهج لطلابه ..
إن أي منصف يقرأ كتبه ودراساته وبحوثه سيجد ان الدكتور طالب محمد وهيم ،
رحمه الله ، كان مؤرخا واعدا ..
ورؤيته للتاريخ وأحداثه ترتكز على مبدأ ان المؤرخ ينبغي ان يكون صادقا وأمينا وشجاعا ومنصفا عندما يكتب التاريخ ، ولابد من كتابة أحداث التاريخ كما وقعت بالضبط وان على المؤرخ الابتعاد عن الحزبية والمذهبية والقومية والدين عند كتابة التاريخ ولابد من وضع الأحداث في ظروفها ولا يمكن تحميل النصوص التاريخية أكثر مما تحتمل .. وكنا نعلق عليه آمالا كبارا ، وكثيرا ما كنت أتحدث ويتحدث معي السيد عميد كلية التربية بجامعة الموصل آنذاك الأستاذ الدكتور خضر جاسم الدوري ( رحمه الله ) فيقول : (( إن للدكتور طالب مستقبلا باهرا ونحن سعداء بمثل هذا الأستاذ النموذج )) .
رحم الله الدكتور طالب محمد وهيم ، فقد ترك علما ينتفع به ولن يموت إنسان كان الإخلاص والجدية والصدق في العمل وحب الوطن ديدنه .
المصدر:( موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين) للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف والتي تنشرها( مجلة علوم انسانية) الالكترونية التي تصدر في هولنده ويرأس تحريرها الدكتور حميد الهاشمي .www.ulum.nl

3 تعليقات

  1. د عباس التميمي

    قد فقد المؤرخون العراقيون شابا علميا وشخصية اجتماعية برز سريعا لعلمته ونظرته الثاقبة وكان يحلم بمستقبل عراقي راقي كونه من الطبقة الفقيرة حيث ناضل بصعوبة لانجاز رسالته العلمية ولكن القدر وسوء تقدير صاحبه في السياقة اودت بحياته وهو في ريعان شبابه وباية طموحه العلمي
    لقد احبه رفاقه بسرعة وبرز مؤرخا جريئا اليك في مثواك حب اخوانك والى زوجتك الشابة العزاء

    والى الدكتور ابرهيم خليل رئيس مركز الدراسات الاقليمية افضل تحية لتوثيقه العلمي بما فيها اخوانه من المؤرخين

  2. خــال المرحــوم

    الشكر والتقدير والإمتنان للدكتور ابراهيم خليل العلاف وإن كان حقاً عليه إن يقول هذا .
    فيحق علي إن أقول : ياعزيزي , أبو بثينة , أن أمك لم تتحقق أمنيتها باللحاق بك فهي لازالت حيه بل إنها بقيت تجدد العهد بقبرك كل خميسٍ في أرض الغري لتمسح زجاج صورتك بمنديلٍ ورقيٍ وردي .. وكتبت اسمها على صخرة جوار مرقدك لتكون عنواناً لكتاب تاريخٍ أسمه “ام طالب” ..

    لروحك من صديقك وخالك وزوجته خالتك أكاليلٌ من سورة الفاتحة كلما مر عبق ذكراك وحتى الملتقى ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *