الرئيسية » مقالات » القضية الكوردية والآفاق المستقبلية

القضية الكوردية والآفاق المستقبلية

ليس خافياً على أحد بأن القضية الكوردية، وخاصةً في كل من إقليمي كوردستان (العراق وتركيا)، باتت من القضايا الأساسية المركزية إن كان على صعيد تلك الدول التي تقتسم كوردستان فيما بينها أو الصعيدين الإقليمي والدولي، وإن هذا الاهتمام – الدولي والإقليمي – بالقضية الكوردية يزداد يوماً بعد آخر وذلك كنتيجة حتمية للمناخ الفكري والسياسي العام السائد في العالم بضرورة تغيير الشرق الأوسط وحل مشاكله وقضاياه العرقية والمذهبية الطائفية والاقتصادية، وذلك بهدف تجفيف منابع الإرهاب، وكذلك للدور النشط والفعال والذي تلعبه حكومة إقليم كوردستان (العراق). وهكذا بات بالإمكان القول: بأن القضية الكوردية خرجت من إطار كونها قضية أمنية داخلية لهذه البلدان وعلى أنها تتعلق بمجموعة من (العصاة والمتمردين على القانون) لتصبح واحدة من القضايا الدولية المركزية في رسم سياساتها وتحديداً بالنسبة إلى الشرق الأوسط الجديد. وبالتالي فإن تدويل القضية الكوردية في كل من الإقليمين الكوردستانيين (تركيا والعراق) أعطى دفعاً قوياً للكورد عموماً – في الداخل والمهجر – بأن يتحركوا مرةً أخرى، ومنهم كان كورد (سوريا)؛ حيث وجدنا في السنوات الأخيرة بأن الحركة الكوردية، السياسية منها والثقافية، باتت تعيد عافيتها – إلى حدٍ ما – من جديد وذلك بعد سنوات من الركود وحالة الموات والسبات العميقين.

وهكذا أصبحت القضية الكوردية، وفي الأقاليم الكوردستانية الأربعة، ونتيجةً لعوامل وأسباب عدة – لسنا بصدد البحث فيها وتفصيلها – تحت الأضواء، وبالتالي تستقطب آراء كافة التيارات السياسية، المتحالفة والمتخالفة معها، وتحاول (أي هذه الكتل والقوى السياسية ومنها تلك القابعة على سلطة الدول التي تقتسم كوردستان فيما بينها) أن تجد مخارج وحلول لها؛ لأزماتها ومشاكلها والقضايا التي تؤرقها، وبالتالي لهذه القضية التي تشغل الرأي العام الإقليمي والدولي وذلك على الرغم من ادعاء تلك الدول – وفي أكثر الأحيان، وإن خفت هذه الاسطوانة المشروخة هذه الأيام – بأنه ليس لديها (مشكلة) كوردية، بل وكما أسلفنا سابقاً بأن (هناك بعض العصاة الخارجون عن القانون ويجب محاسبتهم)، كما كانت (تركيا) تدعي بخصوص القضية الكوردية في أوسع إقليم كوردستاني تحتله، بل إنها – وإلى الأمس القريب – كانت تصرٌّ على تسمية الكورد بـ(أتراك الجبال) في محاولة يائسة منها لطمس الهوية والوجود الكوردي هناك، وقد نجحت في مسعاها ذاك إلى حدٍ ما؛ حيث كانت الهوية والثقافة الكوردية – قبل تفجير الأوضاع من قبل حزب العمال الكوردستاني – في حالة خطر حقيقي.

إذاً وبعد تدويل القضية الكوردية، على أنها هي قضية أرضٍ وشعب تعرض للتقسيم والتشتيت ضمن أجندة واتفاقات دولية؛ (من سايكس – بيكو ولوزان وغيرها) ووفق مصالح تلك القوى والدول آنذاك، وأنه من المستحيل أن تستقر الأوضاع في الشرق الأوسط والعالم عموماً من دون حل حقيقي وعادل لهذه القضية وفي الأجزاء والدول الأربعة التي تقتسم كوردستان فيما بينها.. نعم، ومن بعد ما وصلت إليها الحالة الكوردية اليوم، فإنه يحق لنا أن نتساءل: إلى أين تتجه المسألة والقضية الكوردية عموماً؟ وما هي الأفاق المستقبلية لها؟ وهل هي؛ (أي الملف الكوردي) أوراق ضغط بيد القوى الدولية، وكذلك الإقليمية، تحركها وفق ما تشاء وساعة ما تشاء، كما تدعيه بعض التيارات السياسية في المنطقة وخاصةً القومية والإسلامية وترغبه بعض القوى – وكل الدول – الإقليمية؟ وما هي البرامج والحلول التي تُرسم لها من قبل تلك الدوائر الإقليمية والدولية؟ وكذلك ما هو دور ونشاط وفاعلية الحركة السياسية الكوردية والشعب الكوردي عموماً في وضع الأجندة والبرامج السياسية وإيجاد المخارج والحلول الواقعية لقضية شعبه والتي تنسجم مع روح العصر من جهة وتلبي طموح الشعب الكوردي في حياة حرة وكريمة من جهةٍ أخرى.

إننا ومن خلال متابعاتنا لمجمل الوضع السياسي الدولي والإقليمي وتطورات المسألة الكوردية في الأقاليم الأربعة وانعكاساتها في السياسة الدولية، وكذلك من خلال ملاحظتنا للدور النشط والفعال والتي تلعبها الدبلوماسية الكوردية عموماً وخاصةً لإقليم كوردستان (العراق) ولرئيسها (كاك مسعود بارزاني) ولما للإقليم من وزن سياسي في هذه المرحلة، وكذلك الدور المميز للجالية الكوردية في المهجر والشتات من خلال الضغط والدعاية الإعلامية والسياسية في الشارع الأوربي على وجه الخصوص وغيرها من عوامل الحراك السياسي للقضية الكوردية والتي تُفعِلها الفعاليات الكوردية عموماً وعلى الأخص منها الحركة السياسية الكوردية بمختلف أطيافها وتياراتها وأخيراً وليس آخراً الدور النشط والقوي للحركة الثقافية والفكرية الكوردية ودور المثقفين والمفكرين الكورد في تعريف العالم بعدالة قضيتهم وضرورة إيجاد الحلول لها لينعم الجميع بالسلام والحرية والعيش الذي يليق بالإنسان وكرامته.. نعم، من خلال متابعتنا لمجمل العوامل والدوافع والمحركات السابقة، وكذلك لتقاطع القضية الكوردية مع أجندة ومصالح قوى دولية، فإننا نجد بأنها؛ (أي القضية الكوردية) تتحرك نحو مخارج وآفاق تضمن للشعب الكوردي بعضاً من حقوقه القومية والديمقراطية وذلك من خلال أنماط وحلول سياسية تحددها مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية تتعلق بالمسألة الكوردية، وإنه يمكن تحديد تلك الحلول والمخارج ضمن الأطر التالية:

– إما الإبقاء والحفاظ على الدولة المركزية ولكن بمنح وإعطاء الكورد بعضاً من الحقوق القومية والديمقراطية ضمن هذه البلدان والدول التي تقتسم خريطة وشعب كوردستان؛ أي من خلال التحولات الديمقراطية السلمية التدرجية للوصول إلى الدولة المدنية الدستورية، كما تعلنها بعض القوى والتيارات السياسية المتحالفة، ومنها قوى (إعلان دمشق) وهذه تعتبر خطوة على الطريق الصحيح وليس الحل الناجع للقضية الكوردية. وبالتالي فيمكن اعتبار أن هذا الحل يقلل من حالة الاحتقان والمشاكل في الداخل ويمهد الطريق لإيجاد الحلول لمشاكلنا من دون سفك المزيد من الدماء على هذا الطريق الشائك والوعر؛ حيث بات من المستحيل تقبل الأوضاع كما هي وبأن يقبل الكورد أن يبقوا على الهامش وفي الظل وحالة إنكار الوجود والهوية الحضارية التاريخية لشعبٍ عريق يعيش على أرضه ووطنه وبالتالي أن يرضوا ببعض (المكاسب) الصغيرة من مسائل التجنيس والمواطنة المنقوصة الحقوق.

– أو يكون التوافق والاتفاق على مبدأ الفدرالية وإقامة الأقاليم التي تتمتع بقانونٍ خاصٍ لكل إقليم وذلك حسب المكون الاجتماعي لكل إقليم، وبحيث تجمع تلك الأقاليم حكومة فيدرالية في المركز لها صلاحيات محددة وفق دستورٍ فيدرالي متفق عليه. وبالتالي يكون حالة الاتحاد بين تلك الأقاليم والمكونات الاجتماعية والعرقية والدينية المذهبية والطائفية هو اتحاد اختياري غير قسري يتمتع في ظله الأقاليم بصلاحيات واسعة. وهكذا يمكن تجاوز حالة العنف وتحقيق التوافق السياسي بين مختلف الأعراق والقوميات والمذاهب وكذلك الكتل السياسية إلى أن نصل إلى الحالة المدنية الدستورية ونبني بالتالي مجتمعاتنا وفق مبادئ الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

– وإما فإن حالة التقسيم على أساس العرق والطائفة سيكون البديل وبالتالي فإن مجتمعاتنا سوف تمر بما مرت بها الدول والشعوب الأوربية من حروبٍ طاحنة وعلى أسسٍ عرقية ومذهبية بحيث تحصد أرواح الملايين كما حصلت في الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي راحت ضحية الحرب العالمية الثانية فقط ما يزيد على مليوني قتيل، ما عدا الخراب الذي دمر البشر والحجر والتي ما زالت بعض المجتمعات الأوربية تعاني منها، ناهيك عن تدمير البنية التحتية والأموال الطائلة والتي ما زالت تصرف على التسليح والأعتدة. وأخيراً ومن بعد أن ينال الخراب والدمار كل مجتمعاتنا وبعد أن نستنزف قوى بعضنا نأتي إلى طاولة المفاوضات لنتوافق على قضايانا الإشكالية، كما مرت بها أوروبا؛ حيث لا يمكن للعنف ووفق مبدأ القوة والهيمنة أن تحل بها قضايا الشعوب والأمم، بل وأي قضية حقوقية إنسانية، لذلك لا بد من التوافق والاتفاق على حل قضايانا الخلافية.

وفي النهاية نود أن نقول كلمة أخيرة لا بد منها: إن كانت هناك بعض القوى والدول ما زالت تؤمن إنها تستطيع عن طريق الإبادة الجماعية والجينوسايد وحملات الأنفال والسبي والغزو وتهجير الكورد القسري أو (الطوعي) وتحت الحاجة والعوز والرعب إلى خارج حدود أقاليم كوردستان، وكذلك عن طريق نفي الوجود والهوية الكوردية ومحاولات الصهر من قبل تلك الحكومات؛ إما عن تهميش وطمس الثقافة واللغة الكورديتين والمنع والحجز عليهما أو بجلب بعض العشائر والعائلات العربية إلى المناطق الكوردية وذلك بهدف تغيير التركيبة الديموغرافية لتلك المناطق أو عن طريق غيرها من الإجراءات و(المشاريع) الشوفينية والعنصرية بحق الشعب والجغرافية الكورديتين، فإننا نقول لهؤلاء ولكل غلاة العنصرية والتطرف: بأن أزمنة الأمة الواحدة والقومية الواحدة والحزب الواحد والرئيس الأوحد قد ولى دون رجعة، ولكم في تجربة كل من الدول الاشتراكية وتحديداً الإتحاد السوفيتي السابق والتي حاولت صهر كل الأمم والشعوب والقوميات في مفهومٍ واحد وشامل عرفت بـ(الأممية الشيوعية) وكذلك في تجربة بلدان الظلام والطغيان من (صدام) إلى (طالبان) مثال وموعظة، بل يجب أن تُكوّن وتشكل لدينا – تلك التجارب المريرة في حياة الشعوب والأمم – نوع من عوامل الردع والمراجعة من أن نستمر في خوض تلك التجارب لحلول قضايانا ومشاكلنا وهكذا فلا بد من العودة إلى طاولة المفاوضات والبحث عن حلول توافقية ترضينا جميعاً و إلا فإن العنف والإرهاب سيكون (سيد الأحكام).
جندريسه-2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *