الرئيسية » مقالات » مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل (الحلقة الأولى)

مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل (الحلقة الأولى)

المدخل
كانت المبادرة بيد الأخ الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل حين طرح موضوع “هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية” للتثقيف والنقاش. وكان جهداً محموداً, كما عبر العرض عن مستوى رفيع في طرح الأفكار وصياغتها. وجدت نفسي متفقاً معه في الكثير من القضايا السليمة والجريئة التي طرحها في عمل جاد لوضع اليد على الجرح النازف في مجتمعاتنا ودولنا العربية. وقد شجعني ذلك على البدء بنقاش مع تلك الأفكار ومحاولة طرح جوانب أخرى من الموضوع التي وجدت مفيداً استكمالها أو مناقشة أراء أخرى في ذات الموضوع لكتاب آخرين لهم وجهات نظر أخرى. وبعد إرسالي المادة إلى الصديق الأستاذ الجميل ونشرها , وعد بمناقشة ما طرحته في مقالي الموسوم ” نقاش مع أفكار الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في مقاله : هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية؟”. وأوفى بوعده حين نشر أربع حلقات في نقاش جاد وموضوعي ورصين تحت عنوان “الديمقراطية – في مجتمعاتنا …!! جادة نقاش بيني وبين الأستاذ الدكتور كاظم حبيب”. وقد قرأت الحلقات الأربع, التي نشرت في موقع الحوار المتمدن ابتداءً من 22/10 وانتهت في 31/10/2007, بشغف كبير واغتنيت بها كثيراً وتكونت لدي صورة أفضل عن المنطلقات الفكرية النظرية والعملية للأستاذ الدكتور الجميل. وقد أوعدته برسالة خاصة مناقشة ما ورد في الحلقات الأربع من أفكار مهمة وجديدة حال الانتهاء من دراستها وفي حالة شعوري بضرورة ذلك. وبعد القراءة المتمعنة سعدت كثيراً بأسلوب الحوار والعمق الفكري لدى الدكتور الجميل , بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول هذه المسألة أو تلك. والنقاش الموضوعي والهادف والنقد الفكري البناء هو الطريق الوحيد الذي يسهم بتقديم الفائدة للمتحاورين وللجميع , ويغني موضوعات النقاش. وربما سيساعد هذا الأسلوب في النقاش مساعدة البعض عن الكف عن المهاترات التي لا تغني ولا تسمن , بل تضعف من يمارسها.
من المفيد حقاً أن يغتني النقاش بأفكار أخرى , تماماً كما دعا إلى ذلك الأستاذ الدكتور الجميل في المقال الأول الذي نشر في هذا الصدد , فالاختلاف في زوايا الرؤية والمنطلقات والمناهج المستخدمة في البحث هي التي تساهم في إضاءة الموضوع من جوانب وزوايا كثيرة , وبالتالي تسمح برؤية أكثر شمولية وأعمق مضموناً وقرباً من الواقع.
بما أن الموضوع مس بالأساس الديمقراطية والمجتمعات العربية , فسأقتصر في نقاشي حوله أيضاً , مع الأخذ بالاعتبار الرؤية الپانورامية التي طرحها الزميل العزيز فی مناقشته الأخيرة. سأبدأ بالنقاش من حيث انتهى إليه الزميل الفاضل.
الاستعارة الماركسية؟
كتب الصديق الدكتور الجميل ما يلي: “في كلامك أيها الصديق عند النقطة الثامنة نفس التفكير الماركسي ولم تزل تلتزمه …”. يشعر الإنسان إزاء هذا النص وكأن تبني الماركسية تهمة, كان عليًّ كاظم حبيب أن يتخلص منها , خاصة حين يقول “ولم تزل تلتزمه”. الماركسية يا صديقي الفاضل, وأنت العارف بالأمور حقاً , ليست نظرية جامدة وغير قابلة للتطوير والتغيير والإغناء, كما عرضها علينا قادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ولا كما تبنتها كثرة من الأحزاب الشيوعية والقوى والشخصيات اليسارية في العالم, لفترة غير قصيرة بل طويلة ومنهكة. يمكن وضع عنوان أخر للماركسية, باعتبارها منهج علمي لا غير, إنها المنهج المادي الجدلي, نصفه لهيگل ونصفه لماركس مع مشاركة واسعة وعميقة لما كان قبلهم ومن جاء بعدهم من الفلاسفة والعلماء والباحثين. لقد ولى عهد التشبث بالمقولات والاستعارة التاريخية الخاطئة والمناطحة بها, إذ أن الماركسية منهج علمي لدراسة وتحليل الواقع القائم والعمل على تغييره, أو النظر في الماضي والحاضر والمستقبل, هذه هي الأبعاد الثلاثة التي يبحث فيها المنهج من زاوية القضايا وتعتمد التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق. وحين نبحث موضوع “المجتمعات العربية والديمقراطية”, فهو بحث في الماضي والحاضر والمستقبل في آن.
في جميع كتاباتي , حين كانت الإشارة ضرورية, كنت أشير إلى أن المنهج الذي أعتمده في دراساتي وتحليلاتي للظواهر واستنتاجاتي هو المنهج المادي الديالكتيكي أو المنهج الماركسي , أو المنهج العلمي , بغض النظر عما إذا كنت استخدمه بشكل سليم ,أو ربما ارتكبت أحياناً بعض الأخطاءً بطريقة استخدامه وبالتالي توصلت إلى تحليلات واستناجات خاطئة , هي ما أشرت إليها في أكثر من كتاب ومقال. وهنا أؤكد بأن العيب لا يكمن في المنهج , بل في أسلوب أو طريقة فهمه واستخدامه من هذا الشخص أو الحزب أو ذاك أو عدم السعي إلى إغناء المنهج بالتقنيات والمعارف الحديثة. المنهج المادي قابل للتطوير والإغناء والتفاعل مع تطور العلوم والتقنيات الحديثة التي يمكن وضعها في خدمة مستخدم المنهج. وتبني المنهج المادي الديالكتيكي لا يحرم الإنسان حق تبني اللبرالية ما دامت النظام السياسي والاقتصادي الذي تستوجبه طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع , كما لا يحرم الباحث حق استخدام المناهج الأخرى في التحليل. لكن المنهج العلمي المادي الجدلي يساعد الإنسان على اكتشاف العيوب الجدية الموجودة في طبيعة النظام الرأسمالي أو في ممارسات الدول الرأسمالية العالمية والعواقب الوخيمة حين لا تفرض الرقابة والتضبيط وسن التشريعات في هذا النظام بحيث تمنع من تفاقم التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية التي يمكن أن تقود , كما قادت في السابق , إلى صراعات ونزاعات دموية وإلى انتفاضات وثورات. والمنهج يساعدنا على التمييز مثلاً بين العولمة كعملية موضوعية لا خلاف عليها ولا بد منها من جهة , وبين السياسات العولمية التي تمارسها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية أو الموقف غير العقلاني الذي تتخذه الكثير من الدول والقوى السياسية من العولمة كعملية موضوعية مثلاً وعدم تمييزها بين العملية الموضوعية والسياسة المنتهجة. والمنهج هو الذي ساعد على تحديد الاختلالات الفعلية في طبيعة ومسيرة الدول الاشتراكية أيضاً التي تبنت المنهج ولم تمارسه فعلياً , ولكنها رفضت الانصياع للباحثين العلميين في الاتحاد السوفييتي الذين أشاروا إلى مواطن الخلل وخاصة في غياب الحرية والديمقراطية والسياسات الستالينية الدموية والإجرامية التي مارسها على امتداد فتره حكه البلاد, بل قام صدام بقتل الكثير من هؤلاء, ومن بينهم العلامة السوفييتي الشهير كوندراتيف, صاحب نظرية الموجات الطويلة, أو ما حصل في بقية الدول الاشتراكية.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية عاد مفكرو العالم الرأسمالي يعيدون دراسة ماركس على نحو خاص , وخاصة كتاب رأس المال, الذي استخدم ماركي في دراسته للرأسمالية المنهج المادي الديالكتيكي من أجل تحليل وفهم طبيعة وبنية وآليات وقوانين النظام الرأسمالي, وهو سفر رفيع المستوى لمن يريد أن يفهم الرأسمالية بكل جوانبها في إطار المرحلة التي كان يبحث فيها ماركس واتجاهات تطور الرأسمالية على المستوى الدولي. ولم يكن العيب في المنهج حين تم الادعاء باستخدامه في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية, بل أن ما جرى هناك هو التجاوز الفظ على المنهج المادي والتاريخي لصالح الرغبات والإرادات الذاتية, كما تم التجاوز على القوانين الاقتصادية وقوانين التحول الاجتماعي الموضوعية مما أدى إلى الانهيار الذي عرفناه في تلك الدول , إضافة إلى أن تلك المجتمعات لم تكن نضوج أصلاً لذلك التحول والتي لم تكن الرأسمالية فيها قد تطورت, بل كانت لا تزال مجتمعات إقطاعية شبه رأسمالية.
إن في مقدور الباحث العلمي أن يعتمد هذا المنهج في دراسة المجتمع الرأسمالي المتقدم أو المجتمع الريفي المتخلف , أن يعتمد خطوات التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق لصياغة المقولات الأساسية لاتجاهات التطور في هذا المجتمع أو ذاك وبشكل ملموس وليس بعيداً عن الواقع المعاش. وبودي أن أشير بأني لم ادع يوماً بأني تخليت عن هذا المنهج أو الفكر الماركسي. للم تكن الماركسية أو المنهج عقيدة أو إيمان, بل كانت وستبقى أداة للدراسة والتحليل والاستنتاج. وهذا لا يعني إهمال المناهج الأخرى أو عدم الاستفادة منها. كما أن الزميل لم يطلع على دراساتي والكتب التي أصدرتها والتي أشير فيها إلى الأخطاء التي ارتكبتها في حياتي الفكرية والسياسية, ولم يكن تبني المنهج العلمي أو الماركسي أحد تلك الأخطاء, بل الأخطاء التي وقعت فيها ناتجة عن تحليلات خاطئة وذاتية مارستها في عملي الفكري والسياسي, وربما جاء بسبب عدم استيعابي الكافي حينذاك للمنهج العلمي ذاته. العمل الفكري لا يقوم على الانتقائية, بل اعتماد منهج معين أولاً, ولكن يمكن الاستعانة بالمناهج الأخرى للمقارنة أو الاستفادة لرؤية القضية الخاضعة للدراسة والتحليل من زوايا مختلفة وبأدوات تحليلية مختلفة بما يسهم في التيقن مما خلص إليه الباحث من نتائج أثناء الدراسة والتحليل.
ليس صحيحاً ما يقال بأن ليس هناك من القوى والشخصيات الفكرية والسياسية من لم يعترف بالأخطاء التي ارتكبها ويسعى إلى تجاوزها, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الصديق والكاتب المتميز الأستاذ كريم مروة, أو الأستاذ والصديق الراحل الدكتور فؤاد مرسي, أو ما يساهم به بعض الكتاب البارزين حالياً من كتابات تاركين خلفهم بعض ما توصلوا إليه سابقاً ويساهمن بفعالية كبيرة في بحوثهم العلمية, ومنهم الصديق الدكتور فالح عبد الجبار على سبيل المثال لا الحصر.
أتفق مع الصديق الجميل بأن قوى سياسية من مختلف الإيديولوجيات, وخاصة القوى القومية واليسارية, ومنها بعض الأحزاب الشيوعية, وليس كلها, لم تمارس النقد والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها على صعيد المجتمعات العربية أو على صعيد الفكر والسياسة.
ما هي طبيعة العلاقات الإنتاجية؟
إن قراءتي للمجتمع العربي ليست استعارة ماركسية بأي حال, بل هي تنطلق, في ضوء المنهج المادي, من واقع هذه المجتمعات والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة فيها, ومن واقع النظم السياسية الحاكمة فيها. لم أشر في مناقشتي مع السيد الدكتور الجميل إلى المجتمع الإقطاعي في الدول العربية, بل أشرت إلى ما اصطلح عليه بالعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ذات الطبيعة الآسيوية. وهناك فارق كبير بين أوروبا ونظامها الإقطاعي وبين الدول العربية ونظامها شبه الإقطاعي الشرقي أو الآسيوي, ولا يمكن أن يرتكب في هذا الأمر أي خطأ. ولكن أليست هناك نقاط التقاء في إطار تلك العلاقات الاستغلالية؟ هنا تكمن القضية. نعم هناك نقاط التقاء رغم الفارق الكبير بين المسألتين.
لنأخذ العراق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وليس في فترة مدحت باشا التي عرفت الإصلاحات المهمة, كما ولنتابع أيضاً السياسات التي مارستها قوانين أرنست داوسن التي أصدرتها الحكومة العراقية في العام 1932 في قضية الأرض الزراعية في العراق لتعرفنا على مسألتين مهمتين, وهما:
1. تميزت الفترة الأولى بانتزاع المزيد من الأراضي الزراعية من صغار الفلاحين والمنتجين ومن الأراضي التابعة للديرة في فترة العلاقات الأبوية أو التي رقبتها للدولة, التي بحث فيها الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري بعمق كبير في كتابه القيم حول تاريخ العراق الاقتصادي, أو الأراضي التابعة للدولة , وفق حكم الخليفة عمر بن الخطاب حين قرر, بعد استشارة الصحابة. “أن رقبة الأرض في العراق تعود للدولة”, كما بحثتها في كتابي الموسوم “الإصلاح والتعاون الزراعي في العراق ” في العام 1976, التي تم تسجيلها باسم السلطان عبد الحميد “الأراضي السنية”, ومن ثم وفق قوانين دواسن (اللزمة والتفويض بالطابو) في الفترة الثانية التي تم تسجيلها باسم شيوخ العشائر والميسورين وجمهرة من التجار الأغنياء, حيث واصل الفلاحون الفقراء والمنزوعة أرضهم يعملون في تلك الأراضي الزراعية التي أصبحت عائدة ملكيتها أو حق التصرف بها لأولئك الشيوخ أو هربوا إلى المدن حيث البطالة والعوز والحرمان. أورد هنا إحصائية واحدة لكي يمكن أن نعرف طبيعة العلاقات التي سادت الريف العراقي في فترة العهد الملكي على الأقل وقبل صدور قانون الإصلاح الزراعي الأول رقم 130 لسنة 1958 أو القانون رقم 117 لسنة 1970 أو القانون الخاص بكُردستان العراق رقم 90 لسنة 1975. (راجع: حنا بطاطو. العراقز الكتاب الأول. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. ترجمة عفيف الرزاز. 1990. ص 76).

ويستدل من هذا الجدول على أن 0,98 % فقط من مالكي الأرض أو المستحوذين عليها قد سيطروا على 55,1 % من الأراضي الزراعية , في حين أن 72,81 % من فقراء وصغار الفلاحين لم يكن تحت تصرفهم سوى 6,28 % من مجموع مساحات الأراضي الزراعية, إضافة إلى وجود نسبة مهمة من الفلاحين المعدمين دون أرض زراعية. كم أتمنى على الصديق الدكتور الجميل أن يعود إلى كتاب بطاطو في الجزء الأول منه ليرى طبيعة تلك العلاقات ويرى ملكية بعض العوائل العراقية حينذاك مثل عائلة السعدون وربيعة والعطية …الخ. هل يمكن القول بأن علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية لم تكن موجودة في ريف العراق؟ لا أرى ذلك طبعاً, ولكنها لم تكن على نمط العلاقات الإقطاعية التقليدية التي سادت ريف الدول الأوروبية, وليس في هذا أي استعارة ماركسية, ولكن وبغض النظر عن تلك العلاقات فأن التخلف والعلاقات العشائرية والعلاقات الريعية النفطية وغير النفطية هي التي تهيمن اليوم على الكثير من ريف واقتصاد الدول العربية, وأن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وخاصة الصناعية, لم تلجها كفاية بما يساهم في كسر حلقة التخلف. أينما وجد التخلف الاقتصادي وجد بجواره التخلف الاجتماعي والديني والوعي المشوه والثقافة المتخلفة بشكل عام, والوعي انعكاس للواقع وليس العكس, وليس الحديث هنا عن نخبة صغيرة من خيرة مثقفي الدول العربية من مختلف القوميات.
لقد استطاع قانون الإصلاح الزراعي الأول وكذلك القانون رقم 117 لسنة 1970 في العراق مثلاً أن يبدأ بكسر شوكة الإقطاع والتحول التدريجي صوب الرأسمالية, إلا أن طبيعة وسياسات النظم التي سادت العراق منذ العام 1961, ولكن بشكل خاص في فترة النظام ألصدامي الاستبدادي والحرب العراقية الإيرانية حيث أعيدت العجلة إلى الوراء وأعيدت الأرض بصيغ مختلفة لشيوخ العشائر والإقطاعيين. لقد أعيد لهم ما اقتطع منهم قبل ذاك وفق القانون من أرض زراعية وعاد لهم وضعهم الاقتصادي والاجتماعي والسيطرة الفعلية على الفلاحين, وخاصة الفقراء والمعدمين وصغار المزارعين منهم. وفي مثل هذه الأجواء تنمو الطائفية بأبشع أشكالها المقيتة أيضاً. نحن بحاجة إلى كسر حلقة التخلف في المجتمع وفي وعي المجتمع , فكيف يتم ذلك؟ هذه المشكلة التي سوف أعالجها في الحلقة الثانية. في العام 1956 ألقى نوري السعيد خطاباً سياسياً ختمه بـ”دار السيد مأمونة”, وكنت حينذاك أستمع إليه من بدرة مدينة المبعدين السياسيين, تحدثت فيه عن سبل مكافحة الإقطاع والتخلص منه , فقال ما مضمونه: يمتلك شيخ العشيرة وصاحب الأرض عدداً كبيراً من الأولاد بسبب تعدد زوجاته. وحين يموت ستتوزع الأرض على أبنائه, وهم شيوخ أيضاً, وهم كثيرو الأولاد بسبب تعدد زوجاتهم, وعند موتهم ستوزع الأرض على أبنائهم أيضاً, وهكذا تتقلص المساحات التي بحوزتهم وتحل مشكلة الأرض في العراق عبر عدة أجيال! إلا أن نوري السعيد السياسي البارع والحاذق والباشا المخضرم اعترف بوجود علاقات إقطاعية, والتي هي في حقيقة الأمر شبه إقطاعية.
لقد درست مادة اقتصاديات العراق والوطن العربي في الجامعة المستنصرية ودرست الاقتصاد الزراعي والمسألة الزراعية في الدول العربية ولدي معلومات وافية عن التحولات التي جرت في ريف هذه الدول, سواء المشرقية, كما لدي معلومات عن الدول المغاربية الأربع, رغم التباين الموجود بين الدول المغربية والدول المشرقية, يوجد تباين أيضاً في كل من دول هاتين المجموعتين, ولكن هنا اتجاه عام في التطور هو الذي يفترض أن نمسك بخيوطه ونتبين طبيعة العلاقات الإنتاجية التي كانت أو لا تزال تسود فيها وتجليات ذلك في الواقع الاجتماعي والثقافي والوعي لدى الفرد أيضاً. لا أبغي هنا العودة إلى ماضي الدول العربية في المشرق العربي وفي ظل الدولة العباسية أو الدولة العثمانية, ولكن بشكل خاص في ظل الدول العثمانية, التي ساهمت كتابات الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في توضيح الكثير من معالمها, وبذلت جهداً من جانبي في توضيح الجانب الاقتصادي من هذه الفترة في العراق على نحو خاص في الكتاب الذي سيصدر قريباً في جزء واحد من مجموعة المجلدات العشرة التي أكتب فيها في كتابي الموسوم “لمحات من عراق القرن العشرين”. ففي الدولة العثمانية سيطر في فترات معينة الإقطاع العسكري وإقطاع النخب الحاكمة والميسورين من جهة, والتعصب الديني والمذهبي من جهة أخرى, والتمييز القومي من جهة ثالثة, إضافة إلى العشائرية ودور شيوخ الدين الرجعي, على حياة البلاد العربية في ظل هذه الدولة الثيوقراطية المتخلفة. ورغم مرور ما يقرب من تسعة عقود على انتهاء تلك الفترة المظلمة التي دامت قرابة أربعة عقود, ورغم محاولات التحديث والتجديد, فأن آثارها وبصماتها الفكرية والسياسية لا تزال فاعلة في العقلية العربية وفي السلوك السياسي العربي.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية
4/11/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *