الرئيسية » مقالات » تربية حقوق الانسان أم التربية القومية الاشتراكية ؟

تربية حقوق الانسان أم التربية القومية الاشتراكية ؟

يمكن تعريف حقوق الانسان : انها المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس من دونها أن يعيشوا بكرامة ، فحقوق الانسان هي أساس الحرية والعدالة والسلام ومن شأن احترام هذه الحقوق أن يتيح إمكانية تنمية الفرد والمجتمع تنمية كاملة .
وان حقوق الانسان لا تشترى ولا تكتسب ولا تورث فهي ببساطة ملك للبشرية فحقوق الانسان متأصلة في كل فرد ، وواحدة لكافة البشر أي عالمية وثابتة وغير قابلة للتصرف أي لا يمكن انتزاعها، فليس من حق احد أن يحرم من حقوقه غير قابلة للتجزأة ليعيش الانسان بكرامة . فيحق لهم أن يتمتعوا بالحرية والأمن وبمستويات لائقة .
وان مادة التربية القومية الاشتراكية التي تدرس في المدارس والجامعات السورية ماهي إلا أدبيات ومنطلقات حزب البعث العربي الاشتراكي وسيرة الرئيس السوري ومديح له ويعتبر مؤلفي هذه المادة من شعراء المديح في القصور أوكُتاب المديح ، ويلقنون التلاميذ والطلبة مفاهيم حزب البعث و أوصاف القبضة الحديدية للنظام الحاكم ومن خلال قراءة القوانين السورية نلاحظ بأن كثيرمن القوانين تتعارض مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهدين الدوليين وعدم إدراج بعض الحقوق فيها وبذلك تؤدي إلى التقليل من الحقوق وبالتالي إلى الاضرار بكرامة المواطن السوري وتقليل من القيمة الانسانية وبالتالي إلى إنتهاكات حقوق الانسان كالتعذيب والتمييز بين مكونات وأطياف المجتمع السوري من عرب وكورد والآثوريين والأقليات الأخرى .
لاشك ان موضوع ثقافة حقوق الانسان لاسيما في الآونة الأخيرة يشكل إحدى أهم المواضيع التي لابد من العمل على توسيعها وتعريف الناس بها والقيام بنشرها وتعميمها على كافة المستويات وبين مختلف فئات وصنوف الشعب ، لأن موضوع حقوق الانسان لم يعد مقتصراً أو من المفترض أن لا يقتصرعلى النخب السياسية أو الثقافية وغيرهم بل لابد من تعريف المواطن العادي بها وذلك من خلال إدخالها كمادة خاصة وهامة في مناهج التعليم بكافة مستوياتها وحتى أعلاها في الجامعات والتعليم العالي .
حقوق الانسان كمبادئ وثقافة يبقى موضوعاً حديثاً بالنسبة إلينا نحن شعوب الشرق دون إستثناء رغم وجود تمايز هنا وهناك ، وعلينا من هذا المنطلق الاستفادة من تجارب الشعوب المتقدمة والمتطورة . فرغم ان الحضارة الغربية لها جوانب سلبية إلى جانب الايجابية ومن الممكن ان الجوانب السلبية أكثر لكن لا ضير بل من الضروري الاستفادة من تجربة الحضارة الغربية وأخذ الجوانب الايجابية منها ، وموضوعة حقوق الانسان ومبادئها وثقافتها من أهم وعلى الاطلاق .
وفي هذا الصدد من الضرورة بمكان التعريف في المناهج لاسيما الصفوف الأولية- كون التعليم في الصغر كالنقش في الحجر- بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الانسان 10/12/1948 وشرح تفصيلي عن موادها وبخاصة لأن قضايا كثيرة عالقة وردت في الاعلان المشار إليه وما زالت بحاجة إلى الحل في مجتمعاتنا ومنها على سبيل المثال لا الحصر : حرية الرأي والتعبير ، وحق التنظيم وقضية المرأة والبطالة والانتخابات …….الخ
ولابد من التذكير بأن مجتمعاتنا بحاجة فعلية إلى الالتزام بهذه المفاهيم والمبادئ وتعزيزها وبالتالي تطبيقها على أرض الواقع وذلك من خلال الإعلان العالمي لحقوق الانسان الأنف الذكر والعهدين الدوليين بالحقوق المدنية والسياسية ، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادرين عام 1966 .
ان انتهاكات حقوق الانسان هو سمة مميزة لمجتمعاتنا ، رغم كل هذه المواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية والتطور الحاصل في هذا الميدان على صعيد العالم ، فسجوننا ما زالت تشهد حفلات تعذيب يومية ، ومحاكمنا مازالت تصدر الاحكام الجائرة بحق المواطنين بتهم واهية لا أساس لها من الصحة .
ومازالت النساء يتعرضن للإهانة والضرب والقتل بذريعة الدافع الشريف ، وما زالت الانتخابات بغالبيتها زائفة.
أذكر هنا ان النظام السوري كنموذج للأنظمة التي لا تعير أي اهتمام لحقوق الانسان يتحجج في كثير من المسائل بالاستقواء بالخارج والحديث عن حقوق الانسان (( بدعة غربية )) لا تلائم المجتمع السوري وإنما تصلح للمجتمعات الغربية فقط .
لا يحتاج المرء للكثير من الجهد في تفنيد هذه الحجج وغيرها من بدع النظام السوري الفاسد ، فان ثقافة ومبادئ حقوق الانسان لا تقتصرعلى مجتمع واحد أو شعب محدد أو أمة معينة ، وإنما تصلح لكافة البشر في كل مكان وزمان ، فما الذي يخالف طبيعة مجتمعنا من الاعلان العالمي لحقوق الانسان وتنص المادة الأولى منه: (( يولد جميع الناس أحراراً متساوون في الكرامة والحقوق وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء )) ان المغزى واضح فالاعلان يخاطب (( جميع الناس )) وليس بعضهم أو قسماً محدداً منهم !!
بل ان الكثير من مبادئ الاعلان يتوائم مع عاداتنا وتراثنا وتقاليدنا ، ولا يختلف مع مبادئ الأديان السماوية حيث التركيز على المساواة والمحبة والاحترام المتبادل فيما بين البشر . وأعتقد ان نقاط الإلتقاء بين الاعلان وتعاليم الأديان السماوية أكثر من نقاط الإختلاف – إذا وجدت – وبالتالي الاستمرار في إهانة البشر والتمييز ضد المرأة وعمل كل الموبقات بحجة ان مفاهيم حقوق الانسان بضاعة غربية هي لعمري حجة لم تعد تنطلي على أحد .
نقطة أخيرة أود الإشارة إليها وهي العلاقة بين السياسة وحقوق الانسان فهناك توجهات في هذا المجال فالبعض يرى ان من الأفضل تسييس حقوق الانسان لأنها برأيهم لا تنفصل عنها بل تصبان في نفس المجرى ألا وهو التغيير الديمقراطي ومعارضة النظم المستبدة ، والرأي أو التوجه الآخر هو إبعاد الساسة عن حقوق الانسان وعدم الخلط بينهما . برأي أن لا شيء في عالمنا الثالث بعيد عن السياسة وذلك لبقاء المشاكل الموجودة دون حل حتى الآن .
لذا فان الوسطية ستكون هنا أيضاً أفضل الحلول ، أي عدم تحول منظمات حقوق الانسان إلى أحزاب سياسية ولكن لابد من وجود عامل يقوم بالتغيير وإنجاز مهمة الحقيقة الديمقراطية في المجتمع .
في النهاية أعود لأقول بأنني من جهتي أرى ان إدخال مادة حقوق الانسان في مناهج التعليم لدينا حاجة ضرورية ولا بد من العمل على ذلك بأسرع وقت ممكن .
وان الله كرم وجهي بأنني لم أسجد لصنم بعثي طوعاً او قسراً ؟
يوسف شيخ موسى سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *