الرئيسية » مقالات » نوايا الزعامات المتطرفة.. تختطف المصالح الإستراتيجية للشعوب؟!

نوايا الزعامات المتطرفة.. تختطف المصالح الإستراتيجية للشعوب؟!

كانت الدولة السوفييتية منهمكة بالاستعدادات للمؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وآلاف الاجتماعات (الاستعراضية) تعقد في طول البلاد وعرضها ، وفي تلك الآونة وصلت أخبار سارة!..(انتصار الثورة الانغولية بقيادة الشاعر الأفريقي د. اغسطينو نيتو )، واستمعنا يومها إلى خطاب حماسي القته البلشفية المخضرمة وأستاذة الخبرة التاريخية للحركة الثورية العالمية في معهد علوم الشرق وبطلة العمل الاشتراكي أربع مرات والنصيرة المتميزة أيام المقاومة ضد النازية البروفسورة(ايكاروفا) التي تتباهى في كل مناسبة بان من تلاميذها: يوسف سلمان فهد ، وعبد الخالق محجوب ، وخالد بكداش ، وسلام عادل..وآخرين..وكان خطابها يقاطع لمرات عديدة بالتصفيق الحماسي..والى جوارها كان يقف بعض قادة حركة يونيتا(حركة التحرر في انغولا)..فيما كنت جالسا إلى يسار البروفسور (خوداكورموف) بطل العمل الاشتراكي وأستاذ الاقتصاد السياسي في ذات المعهد والمتخصص باقتصاديات أوربا الغربية..كان الرجل بخلاف معظم الحاضرين يصفق بسأم ويقلب وجهه باندهاش محبط في وجوه الحاضرين ، وبعد انتهاء المهرجان الأرجواني تركنا القاعة إلى مقهى صغير في الطابق تحت الأرضي..ولكوني احد مستمعيه المواظبين على حضور ندواته ومحاضراته.. جلست إلى جواره .. وليس معنا سوى المستشرقة د. لاريسا،أستاذة الفلسفة المعاصرة في المعهد المذكور، والذي تربطه بها علاقة حوارية علمية ملفتة ، كونها كانت إحدى تلميذاته..

ودونما منمقات لفظية سألت البروفسور خوداكورموف باقتضاب ومباشرة ، عن مصدر ذلك الغبار الذي اجتاح روحه وطفح إلى ملامح وجهه عندما كان يستمع إلى خطب (النصر) الحماسية ..

لم يجبني ..

بل اكتفى بابتسامة مازحة وشد على كتفي وهو يغادرنا قائلا:

الجواب عند لاريسا..

وبعد أحاديث متشعبة لا تخلو من المس بالصنمية العقائدية الشائعة يومذاك..

و بِلَوْعَةِ المُدرك للحقائق..

قالت.. ما معناه:

· في الوقت الذي نحتفل فيه بانتصارات (ثورية ) مسلحة في بلدان ذات بيئة اقتصادية بدائية ، وتقودها حركات مشوشة الآفاق وخاوية من البرامج الاجتماعية الواقعية.. تتراكم هزائم في قلب مجتمعنا السوفييتي وتنخر في جسده أوبئة فتاكة ، تفتت حصانته الذاتية نتيجة استنزاف جزء أساسي من طاقة وجوده لتمويل هذه (الحروب التحررية) ، مما زجنا في صراع استنزافي متزايد الجبهات ، وفتح كل ابواب الشر على شعبنا وبلادنا،ودونما أن تفتح تلك الحروب أو انتصاراتها آفاق عيش رغيد لتلك الشعوب التي نغذي جيوشها التحررية من مصادر مناعتنا الذاتية..فتجارب البلدان التي جاءت فيها أنظمة (ما بعد الثورات الثورية المسلحة والانقلابات العسكرية الثورية) تشير إلى انزلاق تلك البلدان نحو هاوية الدكتاتورية وزيادة حرمان الفئات المسحوقة من السكان في تلك البلدان من ابسط حقوقها الإنسانية.. فيما نواصل نحن إنفاق المليارات على آلة الحرب الباردة التي وقودها حاضرنا ومستقبلنا ودماء الملايين من اصدقائنا وشعوبهم في العالم..ونمهد الطريق لأنظمة (ثورية) تطيح بالأنظمة العميلة والمستبدة والفاسدة وتقيم في أعقابها أنظمة دموية وفاسدة..أنهم يضحون بمصالحنا الإستراتيجية ويهددون وجودنا من اجل انتصارات تكتيكية في الصراع مع الغرب الرأسمالي ..

· كان هذا الحديث قبل اكثر من ثلاثين عاما..

· وبعد ان اختفى الاتحاد السوفييتي من جغرافية التاريخ..وتنكر له حتى اولئك الذين كانوا يقتاتون على عافيته..دون ان يفصح – العارفون الحريصون – عن الاسباب الموضوعية والذاتية لتفتت هذه القوة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس لسبعة عقود من الزمن الساخن والشديد الاضطراب ..ولكن المتوازن..

لاستنباط العبر من هذه التجربة الغنية بنشأتها ومسيرتها واختفائها؟!

إن مصالح الشعوب هي الغاية، وحمايتها هي الحصانة لحاضر تلك الشعوب ومستقبلها ، والضمانة لبقاء الدول حرة والشعوب رغيدة، أما المتاجرة بدماء وثروات الشعوب كـ(مشاريع استشهاد وفناء من اجل ان تبقى الشعارات خفاقة الى الابد!!) وتسخير مصائرملايين الناس:

· كأدوات للصراع الداخلي من اجل ترسيخ زعامات مرحلية صنمية على حساب قيادات صنمية معارضة لها في ذات الحلبة النفعية.

· اوكأدوات للصراع الإقليمي الذي يعبر عن تطاحن المطامع الاقليمية بجسد الوطن ومصير المواطن ، ومن اجل حماية مصالح المجموعات السياسية الضعيفة التي لا تقوى على البقاء في قمة الهرم دون خوازيق إقليمية تسند قامتها،وتمسخ ارادتها!.

· او كأدوات للصراع الدولي الذي تقاسم ماضي وطننا وحاضره ويستميت لاختطاف مستقبله، وتراهن هذه الكتلة السياسية المحلية الهشة أو تلك على سيوف وبنوك الطغاة ووعودهم ووعيدهم ، كي تبقى في قمة السلطة لاطول برهة من زمن التعسف النازف والفاسد.

ان هذا النهج المتطرف سوف لن يؤدي إلا إلى :

1. اهتراء وانفضاح تلك الشعارات المتطرفة التي تهدر وتسترخص دماء الناس وثرواتهم ومصالحهم ومستقبلهم بل ووجودهم باسم (التضامن الاممي أو القومي أو الديني أو الطائفي أو العقائدي).

لان الأمم المنخورة لا تستطيع أن تنتشل نفسها من هاوية التردي المتفاقم..فكيف لها أن تُنْجِد الأقربون أو تدعم الأبعدون؟!.

2. إفلاس المحتمين بالأجنبي أي كان لونه أو عرقه أو دينه أو طائفته أو عقيدته، لان الأوطان ليست جغرافيا وتضاريس ..بل هي ملاذ الروح من تعسف الاغتراب بكل أصنافه.

3. تفجر التناقضات في صفوفهم حال احتدام الصراع مع القوى الخارجية الأطول باعا والأقوى ذراعا،لان مشروعهم المتطرف المدبج بالشعارات البراقة والمجوف المضامين والضيق الافق ، سوف يتهاوى عند اندلاع الحريق بحياة الناس اليومية وتبدد الأمان في بيوتهم وشوارعهم ومدنهم.

4. تسببهم بكوارث جماعية للشعوب التي يدعون الدفاع عن مصالحها، مما يفجر حراكا واصطفافا يعزل تلك القوى المتطرفة التي أقحمت الناس في أتون الموت والخراب بدل زجهم في مشاريع التنمية والرخاء .

إن المرحلة الدقيقة التي يمر بها شعبنا ووطننا وتصاعد دخان التعصب والتطرف الكثيف في بلادنا وحولها وعبر المحيطات..وتخبط المحتلين وحلفائهم وخصومهم في احشاء وطننا ..تتطلب الخروج من خنادق التطرف والتعصب الطائفية والقومية والعقائدية والدينية ، والالتقاء في فضاء المشتركات الوطنية ، ووضع مصالح المواطن العراقي أينما يكون فوق كل اعتبار ومعيار ، وإدراك إن الامتيازات التي ينعم بها البعض نتيجة التخندق الفئوي الضيق لا تقوى على مقاومة حركة التاريخ التي تجرف في طريقها كل أشكال السواتر المصطنعة بين مكونات الشعب ، وتبدد الذرائع المفتعلة لتفتيت المصالح الوطنية الموضوعية التي توحد النسيج العراقي المتعدد والمتنوع الالوان باسم المصالح الفئوية الضيقة.

وسوف لن تنفع التحالفات التكتيكية مع الأطراف الدولية والإقليمية لحماية المشاريع النفعية الظرفية ، بل إن السبيل القويم هو في الالتفاف حول المصالح الوطنية العليا من اجل:

1. التحرر من الاحتلال وتطهير الوطن من تداعياته.

2. تصفية جذور وممارسات وتداعيات وثقافة الإرهاب والتطرف بكل أشكالها.

3. الالتزام برؤية تعتمد على ردم الفجوة التي تفصل الإنسان والوطن العراقي عن الأمم والبلدان الأكثر تطورا، باستثمار (الانسان +التقنيات الحديثة+الثقافة التنموية).

4. الإطاحة الدستورية بالقوى (التشريعية والتنظيمية والإدارية والسياسية ) التي تحرم العراقيين من ثرواتهم.

5. إطلاق مشاريع التنمية الشاملة والمستديمة.

6. انتهاج سياسة خارجية سلمية ترتكز على مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للبلدان.

إن هذه الخطوات هي وحدها الكفيلة بكبح نوايا الطامعين ببلادنا، وتجهض الفتن الداخلية.

إن عصرنا هو عصر الإنسان المتحرر من كل أشكال التخلف والتطرف، والأمم والشعوب التي تتخبط بالتخلف و تياراتها السياسية التي تتغنى بالتطرف وضيق الافق سوف تجد نفسها في أتون صراع دموي وعبثي مع قوى تشابهها في التطرف وتتناقض معا في النوايا ، فتخوض معها حربا دموية..وقودها الناس والحجارة ..وتنتهي – ولو بعد حين – الى : شعب مقبور تحت الثرى او فوقه ، وزعامات مهزومة ،وأمراء حرب يلوذون إلى الجحور الرطبة ، أو إلى المنافي الباردة .. طالبين اللجوء المتخاذل (خوفا من تطرفهم الذي أوقد وأجج نار الإرهاب !!!).

ولكي لا يتوهمن احد بأننا نتنكر لمبادئ وقيم التضامن ودعم المضطهدين في كل مكان..او نغفل ان العدو هو المحتل وصنيعته الارهاب ، او نبرر للمتطرفين من حولنا وعيدهم باحباط مصائرنا..نوضح ما يلي:

لكي تستطيع أن تنتصر لأخيك الإنسان يجب أن تحمي نفسك أولا من الفناء، ولكي تستطيع أن تنقذ جارك من الحريق يجب أن تؤهل نفسك على مهارات إخماد الحريق..لا أن تكون وقودا للنار!!..

تلك واحدة من العبر التي تركها لنا الطوفان الجليدي الذي اغرق اكبر قوة في القرن العشرين واخمد شعاراتها الساخنة في ايام معدودة (واعني الاتحاد السوفييتي)!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *