الرئيسية » مقالات » صناعة الحكاية وتوظيف الوهم في رواية جاسم الولائي.. (لعبة الشيخ)

صناعة الحكاية وتوظيف الوهم في رواية جاسم الولائي.. (لعبة الشيخ)

باريس
لم تكن سوى لعبة. صدقها الجميع، لأنهم كانوا بحاجة إلى تشكيل خيالي غير مألوف لمجرد التسلية بدل مغامرة القفز خارج السور، لكنهم اكتشفوا أن صورة اللعبة صارت أجمل من واقعها لأنهم زينوها بخيال صادق وبإخلاص ملفت، وما أن التفوا حول لعبتهم حتى جاء من يصادرها ويحولها إلى مؤسسة هائلة بقليل من الدعاية وكثير من الخرافة التي أصبحت لها سوق رائجة في زمن صار كل شيء باهتاً لولا فسحة من الخيال الحذر، يصنع فيها المرء عالمه البعيد عن العين، لأن الحروب علمتنا أن العين قاتلة، والناجي من يرى عدوه وعدوه لا يراه، بل صار الناجي من لا يلفت نظر أحد. أصل اللعبة أن شرطياً لا يملك سوى سمعة سيئة، ضربته امرأة غاضبة بجرة على رأسه وجعلته فرجة وحكاية للناس، فصار يُكنى سخرية بصويلح أبي تنقة “التنقة هنا هي الجرة باللهجة البغدادية”. حدث ذلك في بداية الستينات. بعد أربعين سنة ظهر أحد أبناء هذا الشرطي وهو يحمل رتبة عسكرية رفيعة ليتحدث عن كرامات جد له اسمه “الشيخ هيبة الدين أحمد بن عبد النعيم ذي الجرار”. شيخ واسع الخطوة جاب بلاد الله بأتباعه وجرته وحامل تلك الجرة المباركة، أصبحت حكايته ألف حكاية وحكاية وسلسلة من مغامرات ألهت الناس وأخذتهم في فسحة بعيداً عن الحرب، لكنها خدمت الحرب بعد ذلك وأدخلت الناس في صلبها من جديد. لأن لعبة الشيخ أغرت الآخرين وأغوتهم وجعلتهم يسردون حكايات جديدة عن الشيخ هيبة الدين ذي الجرار، كل حكاية تربط الشيخ وبركات جرته بأسرة أو قبيلة أو مدينة راويتها أو بأحد أجداده الأوائل. ودعت الحاجة أيضاً أن تُختلق حكايات يلعب فيها الشيخ ذو الجرار دور الخادم لهذه الحرب المقدسة. لكن سرعان ما تم توزيع تركة الشيخ على أفراد معدودين.
مؤسسة الشيخ “الخيرية” آلت ملكيتها ورأس مالها إلى الحفيد اللواء الركن سعدون صلاح الدين ذي الجرار، وهو آخر حفيد للشيخ. أما إدارة هذه المؤسسة فتولاها الشاب تحسين السهيلي أبن الصائغ الذي صنع علبة خصلة الشيخ المباركة.
أما مصنع الجرار وأوشحة الهيبة الواقع في شارع مكينة الطحين، فتولى إدارته الحاج فاضل المشهداني الحلاق وقد أوصله إلى الخراب في زمن قياسي.
وثمة امتيازات أخرى مدفوعة الثمن حصل عليها بعض الصاغة والتجار والحرفيين والمرأة الشكّاءة البكّاءة التي بهدلت الرجال عند المقهى وطالبتهم بالرقص للسيد الرئيس وأرباح قليلة نالها السيد المشهداني.
أما الذين قتلتهم أو غيبتهم الحكاية فكان على رأسهم الصحفي المأسوف على شبابه تغلب الناصري الذي كتب أول بحث صحفي ربط فيها الشجرة الجرارية بالشجرة التكريتية المباركة. كان ذلك البحث آخر ما كتبه في حياته القصيرة. كذلك السيد كامل أبو دهينة الذي مات كمداً لأن الحكاية صادرت قطعه أرض يملكها في منطقة الصالحية وسط بغداد لحساب مؤسسة الشيخ. أما الحاج سهيل الحياني الذي أقيم مصنع الجرار على أرض له في شارع المكينة، فقد هجر مدينة الوشاش واعتكف وأسرته في مكان ما بعيد خارج بغداد، ليهرب بعد ذلك وأسرته سرّاً إلى خارج البلاد. كذلك أخفت الحكاية آثار بعض الأفراد مثل الأرملة بائعة السمك، والسكير الذي كان منذ ثلاثين عاماً يعود عند الفجر ويرفع عقيرته بالغناء. كان آخر ظهور له قبل اختفائه عند مصنع الجرار.
الحفيد سعدون ذو الجرار هو من ألقى بذرة الحكاية الأولى معتمداً على ندبة على صدغه وإجاصة محفورة على خده الأيمن قال إنها إصابة حرب وعلامة جهاد، ويقول بعض الشهود أن الندبة هي أثر لجرح أحدثه أبوه والإجاصة هي أثر لحبة بغداد أصابته في طفولته فأكلت خده الأيمن، وعلى رؤيا شاهد فيها جده الولي الذي لقنه في منامه وصيته الأخيرة، وجرة قديمة. أما الصحفي المأسوف على شبابه فقد روى البذرة بحكاية ظهور الشيخ ذي الجرار في بلدة تكريت قبل قرابة سبعمائة سنة وزواجه بامرأة من تلك البلدة. صار الشيخ بعد ذلك يدعى بموحّد الجدين. وحاك الحاج شاكر السامرائي حكاية ظهور الشيخ في مدينة سامراء أيام الغليان هناك حين تمرد السوامرة على الوالي، فظهر الولي الشيخ ليهدّئ فورة الناس ويعيد الوالي إلى كرسيه بعد هروبه إلى بغداد. ثم ظهرت حكاية الشيخ في شلامجة وغسله أسلحة الجنود هناك بماء جرته المباركة.
هذه هي حكايات الشيخ في فترة ما قبل الاحتلال. أما في الأيام الأولى لدخول جيوش الاحتلال بغداد. فقد هاجت الدنيا وماجت وهاجم الناس معمل الجرار وحطموه ونُهبت محتوياته وهُرّبت إلى إيران. كل شيء من مصباح السقف حتى بلاط الأرضية وما بينهما وأصبح أثراً بعد عين. واختفى الحفيد ومؤسسته وألقيت خصلة الجد الموروثة في مياه المجاري في احتفال جماهيري حاشد. وتحول المريدون إلى أعداء صريحين ساخرين من الشيخ وجرته وصارت حكاياته أضحوكة يتندر بها القاصي والداني. وصارت المرأة الشكّاءة البكّاءة تقود حملة شعواء ضد الشيخ بعد أن كانت أول امرأة تصبح مريدة للشيخ.
وهكذا بعد أن انفض الخلق عن الشيخ ذي الجرار ظهر من يحاول أن يعيد للشيخ كرامته وهيبته، ويحاول تأهيله للمرحلة الجديدة. وقد احتاج الأمر إلى عدد أكبر من الحكايات الجديدة عن الشيخ وكراماته ورحلاته السريعة، وجيلاً جديداً من الرواة المتعلمين، واتسعت رقعة ترحاله لتشمل أفريقيا وأوروبا وبلاداً بعيده أخرى، بعد أن كانت مقتصرة على العراق وبعض بلدان الجوار.
فظهرت حكايات جديدة أخرى عن لقاء الشيخ ذي الجرار بالجد الأول لعائلة الرجال الخُرس في منطقة القفقاس، وقصة تأديب الشيخ لقبيلة من قاطعي الطريق أسمها قبيلة الرواكض، وحكايات أخرى عن ظهور الشيخ في قرى ومدن رجال العهد الجديد ونبوءاته بالمجد لهؤلاء الرجال ومباركته المبكرة لهم باستلامهم أمر الرعية في البلاد. وجند آخرون أنفسهم للبحث عن الجرة المفقودة بعد الاحتلال. وهناك من صنع تاريخاً جديداً للشيخ، وبدأ في سرد حكايات جديدة عن مصير الجرة بعد الاحتلال، ودعا الحفيد لأن يضع يده بيد المسؤولين الجدد.
إذن فقد بقي الشيخ وتبدل المريدون. هذا ما أرادت الرواية قوله. وأراد أن يقول أيضاً:
كل مدينة بحاجة إلى رمز، كائناً ما يكون ذلك الرمز. إنه مجرد هوية للمكان، يحدد اسمه وعمره وهيئته. فمن الطبيعي أن تؤسس وتُبنى مدينة على ضريح لولي صالح أو معهد علمي، أو تُبنى على واحة أو نهر أو ساقية أو أسفل واد أو على معسكر جند مهجور أو تجمع لقوم منكوبين بزلزال أو فيضان، أو أن تتخذ جنساً لشجر أو حيوان ما رمزاً لها تطبعه على رايتها ومبنى بلديتها وبريدها، كل ذلك ممكن، سوى أن يتحول الوهم إلى رمز بعد أن تُرسم له صورة مفترضة، ثم تُوضع الكذبة جسراً موصلاً إلى تراكم عماري وبشري، فذلك هو الوهم بعينه. حتى لو استطعنا توظيف ذلك الوهم، فلن يستمر في أداء وظيفته، حتى لو لفقنا له تاريخاً. لكن الوهم في لعبة الشيخ بقي رغم زوال الدولة، ووجد من يتبناه ويلمعه ويعيد ترتيبه وتأهيله وتأثيثه، ثم يقدمه من جديد. في تقنية بسيطة، من خلال رفع الرأس وإسناده بدعائم جديدة ثم سحب قاعدة المريدين القديمة وإعادة حشو الفراغ بقاعدة جديدة من المريدين ولكن من نوع آخر، عنصرها من رجال العهد الجديد. حيث يلعب الشيخ دوره السابق، سيداً وخادماً في ذات الوقت.
والوهم يحتاج إلى حكايات، وإعادة تأهيله تحتاج إلى حكايات جديدة قابلة للتصديق. بل تحتاج إلى خلق استعداد جماعي لتصديق أي حدث قبل نقل الحكاية من لسان الراوية إلى أسماع الناس.
يقول المخرج المسرحي بهجت ناجي وهو من تولى توزيع الرواية قبل طبعها على مجموعة من الصحفيين والفنانين لقراءتها من الناحية الدرامية واللغوية والتاريخية:
(استغرقت في قراءة النص الروائي “لعبة الشيخ” وحكايات ظهور الشيخ ذي الجرار هنا وهناك، فكانت الحكايات تخدعني فأصدقها، لأن شخصياتها أمثال الحاج شاكر السامرائي وفاضل الحلاق ويحيى الكعبي والحاج محسن العاني هي شخصيات موجودة في واقعنا العراقي، كذلك فإن الأماكن في الرواية مثل سامراء، تكريت، مدينة الوشاش، إسكان غربي بغداد، البصرة وغيرها من الأماكن، هي مدن وأحياء عراقية معمورة وتشكل أصولاً ثابتة في البلاد. لكن هذا التصديق لا يصل درجة الإيمان بالحكاية فأعود فأكتشف أنها مجرد حكاية لا أساس لها في الواقع ولا شهود عليها سوى كاتبها).
المفارقة هنا هي أن وازع الانتباه لدى القارئ ليس الواقع، وإنما هو الوهم الذي يسفر عن نفسه ويعيد القارئ إليه، وينتزعه من الاستغراق في الحلم. أي بمعنى أنه كان يصدق ما يقرأ، ثم يكتشف أنه مستغرق في وهم بلا قدمين.
يمنح جاسم الولائي رواة وأبطال حكاياته أسماء وملاح وطباعاً عراقية ويضعها في مدن وبيوت عراقية محاطة بأسر عراقية، يحملون التقاليد العراقية للجيران، وتعمل هذه الأسر بمهن شائعة في العراق. ثم يمنح هذه الحكايات لوسيلة النشر الشعبية ليتم تداولها بين الناس، يضيفون أو يسقطون منها ما يرون وغالباً ما يضيفون، أي أنه يُشرك الناس في صناعة حكايته. هذا الأمر يقرّب القارئ من تصديق تفاصيل تلك الحكايات لكن لغة السخرية المرة التي اعتمدها الروائي، وبعض الأحداث الخارقة تعيد القارئ إلى جادة الحقيقة، وتلفت انتباهه إلى أنه يقرأ حكاية في كتاب، مجرد حكاية.
حين يروي شاكر السامرائي حكاية نهب جند الوالي لمدينة سامراء بعد انقطاع رواتبهم وأرزاقهم، تأخذنا الرواية في وصفها إلى أرجاء تلك المدينة وتصف الأزمة وتصاعد أسعار البضائع، فيجد القارئ نفسه في زحام وصخب شديدين وكأن القيامة ستقوم، لكن القاري ينتبه فجأة إلى الحكاية حين يعرج السامرائي على حكاية أخرى حدثت مؤخراً بسبب الحصار الاقتصادي وشح حليب الأطفال في صيدليات المدينة. كذلك ينتبه القارئ إلى لقاء الشيخ الولي بالسيد الوالي في منتصف الطريق بين بغداد وسامراء، ويصف حال الوالي وأتباعه وحريمه يعود للتاريخ مجدداً ويعود للحكاية.
الحكايات عديدة ومتفرعة وثمة رابط مشترك بينها، إضافة إلى الشيخ وأتباعه وجرته التي لا يجف ماؤها. فهناك أيضاً سلسلة ذهبية تربط حكايات لعبة الشيخ في بعضها البعض، وكأنها مسبحة حكايات. يترك الروائي أيضاً المجال لكل خيال خصب أن ينسج حكايته أو أسطورته على ذات النول ويضعها في خدمة من يراه راغباً في شراء هذا النوع من الخدمة.
يمكن القول إن بين غلافي لعبة الشيخ ثمة ورشة نشطة لصناعة الحكايات.
لعبة الشيخ هي الرواية الأولى لجاسم سيف الدين الولائي، الذي عرفناه صحفياً وشاعراً عراقياً مقيماً منذ عام 1991 في السويد. صدرت منتصف عام 2007 عن دار الكلمة بدمشق. وقد بدأت صلته بالرواية بعد ترجمته رواية “سر النار” للروائي السويدي المعروف هيننغ مانكل عام 2005 إلى اللغة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *