الرئيسية » مقالات » الجلوس على الخازوق

الجلوس على الخازوق

– الحرية.. أخيرا!
أنطقها دون وعي، بانطلاقة زافرة من أعماقي و كأني أزفر معها كل ما يجوس داخلي. لم يكن بانتظاري أحد. لا بأس؛ فلم يعلم أحد بموعد خروجي.
أنظر خلفي. يتطاول الباب الصلد بشموخ و كأنه يلطمني على قفاي مستهزءا. هو الذي يعرف السر. أم ترى يعرفه الآخرون؟!
أترجل بعيدا و كأني أهرب من أشباح غير مرئية. أهرب من نفسي و محاكمتها القاسية. أشعر بنظرات الناس تنهشني. في عيونهم ظلال من السخرية أو هكذا خيل لي، كأنهم يعرفون ما حدث. أحاول الهروب من نظراتهم. أنكس رأسي غير قادر على التخلص من شعور المراقبة. أوقف عربة فينظر لي السائق مستخفا و كأنه يعرف هو الآخر كل شئ. هل فضح أمري؟! أأعيش مخذولا بهذا الشكل؟!
***
كانت جلساتنا تطول. النقاش في الأحوال السياسية و الاقتصادية المتردية يزيدنا حدة و حماسا. نشاطنا التنظيمي كان قد فاحت رائحته. ازدادت مراقبتنا دون أن ندري بعد أن تفشى أمر نشاطنا. وجدنا أنفسنا ذات أمسية محاطين بجمع من رجال الأمن. لم ندر إلا و كل منا في زنزانة منفردة.
***
تتوقف السيارة بقوة أفاقتني. يقول السائق بسخرية جعلتني أنكمش خجلا:
– وصلنا يا بيه.
أهبط متخاذلا. أمد يدي بالنقود فيأخذها هازئا. هل هو كذلك بالفعل أم أني أتوهم؟! تقابلني صغيرتي على مدخل المنزل. فرحة تجري نحوي لترتمي عليّ. أحتضنها بشوق. بتساؤل طفولي مرح تسأل:
– انت كنت قاعد فين يا بابا؟
يصدمني السؤال فيهبط عليّ كالكارثة. من أين علمت بالأمر؟ أتأمل وجهها إلا أني لا أستطيع معرفة ما يدور برأسها. أصمت و قد اكتسى وجهي بكآبة. أسألها:
– ماما فين؟
– بالداخل.
أهبطها أرضا لتسير جواري. تلح عليّ بسؤالها الذي يهبط عليّ كالسوط:
– انت كنت قاعد فين يا بابا؟
تلقاني زوجتي ببسمة مشرقة. أدقق النظر في عينيها. هل تسخر منّي هي الأخرى؟ تحتويني بعمق. تسألني عن أحوالي و صحتي و لماذا لم أعلمها بنبأ خروجي. أقول:
– كان الأمر مفاجئا بالنسبة لي أيضا.
تصمت متأملة إياي بحنانها المعهود. باشتياق وتلهف. برغبة أكيدة ألمحها في عينيها. كم أفتقدها. أرى نظرتها المفعمة بكل معاني الشوق و كأنها تسخر منّي.
***
فوجئت بباب الزنزانة يفتح بقوة و كأنه ينفجر في وجهي. دخل رجلان. أذكر أنهما كانا واقفين خلفي حينما تم استجوابي منذ قليل. أخذاني إلى غرفة وصلتها بعد المسير في دروب طويلة. فكا العصابة من حول عينيّ. رأيتني في غرفة غريبة أشبه بالزنزانة التي كنت فيها. أتأملها. كانت خالية إلا من أحد الرجال. كان ضخم الجثة، متجردا تماما من ملابسه. ألمح في عينيه نظرة قاسية لزجة بها الكثير من الشراهة و الرغبة. جردوني من ملابسي. قيدوني.
***
أشعر بها تتسلل بهدوء بعد نوم الصغيرة. حفيف ثوبها يوقظ أعصابي المفتتة. رائحة العطر تخترق خياشيمي. تستلقي جواري. تقبلني بشوق فتوقد النار داخلي. أحتويها بشوق. نهداها الفتيان يلتمعان في عينيّ فأعتصرهما بكفي. تتهالك مستسلمة للرغبة. تخلع قميصها عن جسد شمعي لدن. أتعرى لنبدأ العراك الفيزيقي الذي ينبثق منه كل معنى للحياة. تجذبني إليها فنلتحم. تزداد حرارتنا لتفوق حرارة براكين الأرض.
***
بعد صراع و دفاع مستميت للحفاظ على رجولتي التي هي على وشك الضياع أستسلم منهكا. أحاول المقاومة مرة أخرى، إلا أنهما أحكما قبضتيهما عليّ بعدما أوجعاني ضربا؛ فلم أستطع الحركة. أشعر بالرجل الضخم يخترق مؤخرتي بقسوة. أشعر بدمائي هائجة غاضبة تكاد أن تفجر شراييني. أحاول الدفاع عن ذاتي إلا أني أفشل. يزداد الرجل قسوة في العبث بمؤخرتي بينما الكثير من الكلمات الساخرة الوقحة تنطلق من أفواههم. أشعر بأنفاسي تنسحب و كأنها تهرب منيّ. يتحول الأمر و كأني أشاهد أحد المشاهد السينمائية التي لا علاقة لي بها. تتجمع الدموع في مقلتيّ. تنهمر غزيرة لأغيب مع الزمن و الخزي.
***
أراه أمامي ينظر إليّ ساخرا. أرتعد. تزوي الرغبة داخلي بينما هي تزداد تأججا. تحتويني بعنف. تريدني أن أعبث بكل زاوية من زوايا جسدها. أشعر بألم في مؤخرتي. أنظر لعينيها الشبقتين فأرى رغبتها ممتزجة بسخرية. تقول بصمت قاس:
– أهتكا عرضك؟
تأوهاتها تمزقني. رغبتها تنهشني. تريدني أن أكمل الفعل فلا أستطيع. تصل برودتي دون مستوى الصفر بينما هيئته تتجسم أمامي. تجذبني نحوها فأراهما يرغماني على الركوع. تقول بفحيح أنثوي مفعم بالرغبة:
– ماذا بك؟ أكمل.
أراهما يخرجان عضويهما طالبين منيّ لعقهما بسخرية بينما الآخر يعبث بي. أنزوي في أحد الأركان. أراها ممددة تنتظرني بينما فخذاها منفرجان على ذلك الشق الطولي فاغرا فاه و كأنه يريد ابتلاع الكون. أراه يتسع لتنسكب منه دماء غزيرة تشبه دماء مؤخرتي.
أصرخ: – ضمي ساقيك.
تنظر منزعجة. تقترب فأبعدها بخوف:
– ماذا بك؟
تنسكب دموعي بينما أنظر إليها صامتا. أشرع في ارتداء ملابسي. يتلقفني الشارع بريح غاضبة فتصفع وجهي المنصهر. سكون عجيب يسيطر على الكون، تقطعه ريح هوجاء تقلقله بغضب و لكنها سرعان ما تعود للسكون التام. أبتاع علبة سجائر. يلقيها البائع بتأفف. أرى في نظرته كل شيء. إذن فالجميع يعلمون بخزيي.
أتجه صوب سور حديدي مدبب. أقترب. يتشكل أمام عينيّ ما حدث. أصعد السور الحديدي. أفك سروالي لألقيه أرضا. يتجمع الناس أسفل السور ناظرين بدهشة إلى مؤخرتي العارية. يبصقون عليّ ساخرين. تنطلق الضحكات الهازئة لتملأ الفضاء الرحب، و على مرأى من الجميع أجلس بقوة على العود الحديدي المدبب لينغرس في أحشائي!! 

• نشرت بجريدة أخبار الأدب العدد 743
• من مجموعة “لحظات صالحة للقتل” تصدر قريبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *