الرئيسية » مقالات » صعوبة الحوار والتفاهم مع الأتراك

صعوبة الحوار والتفاهم مع الأتراك

أن صعوبة الوصول إلى أي اتفاق مع الأتراك بالحوار والتفاهم ينبع من أن العقلية التركية المتحجرة التي لا تعي من ألف باء السياسة غير لغة الغطرسة والاستعلاء الفارغة، ويعتمد السياسيين والعسكريين الأتراك في تغطية مشاريعهم العنصرية على الماكنة الإعلامية التركية التي هي بدورها أكثر عنصرية وشوفينية من الرموز الكمالية على الساحة السياسية التركية، فما أن يدق أحد جنرالات الجيش التركي طبول الحرب ضد أعداء وهميين استجابة لنزعات شوفينية مرضية حتى يبادر الإعلام التركي المرتبط بالمؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن والمخابرات بالتمهيد للعدوان وشحن عواطف الشعب التركي والضرب على وتر أمجاد الأمة التركية الزائل .
المتابع للأزمة المفتعلة من جانب الأتراك بما يسمى ” محاربة إرهاب حزب العمال الكوردستاني ” يرى بوضوح دور هذا الإعلام العنصري البغيض في التصعيد، وفي تناغم مبرمج مع طموحات العسكر والسياسيين الأتراك من خريجي المدرسة الكمالية الشوفينية التي ترى في العنصر التركي السيد الآوحد في تركيا وما دونهم خدم وعبيد … ومدونات التاريخ والصحافة التركية مليئة بتصريحات من هذا القبيل .
تعتبر اليوم تركيا آخر دولة عنصرية في العالم بعد نظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا، لكن الملفت للنظر هو تعاطي بعض الدول الأوربية وأميركا مع هذا النظام بشكل إيجابي مما يدل على عمالة تركيا للغرب والولايات المتحدة الأمريكية على مدى العقود الماضية، والتي كانت تركيا فيها بمثابة مخالب القط للانقضاض على الأصوات والحركات اليسارية والديمقراطية سواء في تركيا أو خارجها، ولهذا لم تصدر أصوات رد فعل عكسية من قبل العالم المتحضر الديمقراطي !! على جميع انقلابات العسكر على الحكومات التركية المنتخبة في تركيا أبان الحرب الباردة، بل وحتى لم تأخذ هذه الدول موقفاً صارماً من الاحتلال التركي للشطر الجنوبي من جزيرة قبرص تحت ذريعة حماية القبارصة الأتراك .
أما اليوم وبعد أنتهاء الحرب الباردة وهيمنة القطب الواحد على مقاليد السياسة الإقتصادية بالدرجة الأولى في العالم تحتفظ أميركا والعالم الغربي بعلاقات مع تركيا، وذلك لاستعداد تركيا الدائم لأخذ دور الشرطي والمعبر لضرب قوى إقليمية، وفتح مجالها الجوي للطائرات الإسرائيلية لتسرح وتمرح على هواها شريطة أن تتغاضى أوربا وأميركا عن سياساتها الشوفينية ضد الحقوق المشروعة للأمة الكوردية سواء في كوردستان الشمالية، وما الزيارات المكوكية ” والتحالفات الاستراتيجية ” لضرب الحركة التحررية الكوردستانية بين دول طوق الخنق الكوردي وتركيا سوى تحالفات وقتية تنتهي بوصول تركيا إلى مآربها في العدوان والتدمير والأبتزاز وخاصة ما يتعلق بالعراق وإقليم كوردستان العراقية .
تركيا ومنذ هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وتشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 كانت ولا تزال إحدى المعوقات الأساسية أمام أي تطور مدني وديمقراطي في العراق، فأصابع تركيا العنصرية واضحة في مجمل تاريخ العراق الحديث والمعاصر، فهي التي دعمت وبشكل كبير نظام الحكم الطائفي والعنصري على مختلف مراحل الحكم في العراق، فهي كانت تساعد الحكومات العراقية لضرب الحركة التحررية الكوردية من جهة، وتساعدها في تثبيت حكم اللون الطائفي الواحد على حساب شيعة العراق انطلاقاً من تاريخها الدموي على مدى قرون مع إيران الصفوية الشيعية، وتركيا ساهمت بشكل فعال في المؤامرة على ثورة الرابع عشر من تموز وإغتيال قائدها الشهيد عبدالكريم قاسم .
أن اتخاذ ذريعة أستئصال حزب العمال الكوردستاني لإجتياح أراضي إقليم كوردستان العراق حجة واهية لا تقنع حتى مجنوناً عارياً يتسكع في الشوارع .
أن فوبيا الكورد صنعتها العقول العسكرية التركية الشوفينية المتعفنة، ورسخها الإعلام التركي العنصري في عقول العامة من الشعب التركي، حتى باتت القضية الكوردية في تركيا هاجس الأتراك المخيف الذي سيقضي على مستقبلهم وطموحاتهم وأجيالهم اللاحقة، وما عليهم غير مجابهتها بالقوة والغزو، وكأن الغول الكوردي واقف على عتبة باب كل تركي فاغراً فمه ليبتلعهم واحد تلو الآخر.
القضية الكوردية في تركيا ليست وليدة اليوم، ولا هي من نتاج حزب العمال الكوردستاني المناضل، بل هي الامتداد الطبيعي للثورات والانتفاضات الكوردية بوجه الحكم العثماني البغيض، وحصولها على نوع من الاستقلال الذاتي ضمن الأمارات الكوردية القوية ما جعل أركان الإمبراطورية العثمانية متينة نوع ما، جاء الكماليون بعد تأسيس الدولة التركية الحديثة على أنقاض حكم السلطان عبد الحميد الثاني، لتضرب جميع الأصوات غير التركية المنادية بالأخوة والمساواة والموطنة الحقة وعلى رأسهم الكورد، وقد استطاعوا ولو إلى حين أخماد ثورة الشيخ سعيد بيران وأعدام قادتها عام 1925، وأنتفاضة جبل آغري بقيادة الجنرال أحسان نوري باشا في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ، وكذلك أنتفاضة ديرسيم، وغيرها، إلى أن جاء تأسيس حزب العامل الكوردستاني في منتصف السبعينيات من القرن العشرين ليواصل ما بدأه الأسلاف، ومنذ ذلك التاريخ وتركيا لم تترك وسيلة مهما كانت دنيئة وخسيسة إلا وأتبعتها لإخماد الصوت الكوردي المنادي بحقوقه المغتصبة دون فائدة، فالسياسية التركية الشوفينية حصدت على مدى الثلاثة عقود المنصرمة أرواح عشرات الآلاف من الوطنيين الكورد، كما دمرت آلاف القرى الكوردية في قتالها ضد حزب العمال الكوردستاني من جهة، وتدمير وأزاحة آلاف القرى الكوردية الأخرى تنفيذاً لمشروع الغاب، وأكبر سدودها هو سد أتاتورك على الأرض الكوردية لحبس مياه نهري دجلة والفرات وأستغلاله ” أقتصادياً ” ولإبتزاز كل من سوريا والعراق مستقبلاً، ولهذا لم تجلس تركيا لليوم مع تلكم الدولتين للتفاوض بشكل جدي لتقسيم المياه .
كما ألقت تركيا بخيرة الشباب والشابات الكورديات في السجون المعتقلات، وتدفع ملايين الدولارات لبعض المرتزقة والجحوش الكورد لمقاتلة بيشمركة حزب العمال الكوردستاني، وفي عملية قرصنة دولية بإشراف مباشر من المخابرات الأميركية ألقي القبض على الزعيم الوطني الأسير حالياً في السجون التركية السيد عبدالله أوجلان، وهي لا تزال لليوم تمارس سياسة الأرض المحروقة في كوردستان دون أن تستطيع أن تخمد شعلة الوعي القومي الكوردي المتصاعد، أو القضاء على حزب العمال الكوردستاني الذي يستمد قوته من ملايين الكورد في الشمال الكوردستاني والأجزاء الأخرى في كوردستان .
فما الجديد أذن في القضية الكوردية في تركيا كي يرفع ساسة وجنرالات الأتراك حماقاتهم بهذا الشكل السافر وكأن حزب العمال الكوردستاني من صنيعة الاحزاب الكوردستانية في العراق ؟؟؟
أرى من الصعوبة بمكان أن يستمع الجنرالات الأتراك للأصوات المتعقلة المنادية لحل هذه الأزمة المفتعلة بالحوار والتفاهم، لأن الطاغي على مسامع الأتراك هو صوت الحرب والقوة والعجرفة ولا شئ غير ذلك .
لكن الأكيد على مر التاريخ أن القوة لا تنفع مع الكورد أبداً، وليجرب الجنرالات حظوظهم هذه المرة أيضاً ولنرى من يضحك في الأخير رغم مرارة الموقف المخزي لدول طوق الخنق الكوردي . 

السويد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *