الرئيسية » مقالات » المتنبي والأرمن / شكر للسيدة سهيلة بورزق

المتنبي والأرمن / شكر للسيدة سهيلة بورزق

المتنبي والأرمن

مرحباً يا صديق ! قال أهلاً ومرحباً ، ما الخبر ؟ ما هذا النداء التلفوني المبكّر ؟ لقد فززتني من نومي بعد سهرة وأمسية ثقافية كان مكانك فيها خالياً . الله لا يُخلي مكانك يا أبا الطيب . كرر السؤال مستفسراً عن الداعي لهذا التلفون الذي أزعج رقدته العميقة . توفي شاعر آخر عراقي . قال مَن ؟ سركون بولص ، هل سمعتَ بهذا الإسم ؟ قال لشديد أسفي لا أعرف الرجل ولم أسمع بإسمه قبلاً . هل هو من شعراء القافية والوزن أم أحد شعراء التفعيلة ؟ بل من جيل التفعيلة … وما أدراك ما التفعيلة والتفاعيل والفعل والفاعل والمفعول به وبها والمفعول معه والمفعول لأجله وسمفونية الفراهيدي ومسلسلها السلس المسنسل فعولون مفاعيلن ٌ فعولن مفاعلُ . قال ما هذه الفلسفة الفارغة لا صبّحك ربُك بالخير ولا ربّحك . ضحكت حتى نهرني صاحبي طالباً مني أن أدخل في الموضوع دون لف ودوران وتباريح وتحاميل وتراويح وما شابه ذلك من سجع و ( مساجيع ) … قلتُ له : مات شاعر عراقي مثلك غريباً في برلين بعيداً عن وطنه العراق . قال لكني لم أمت كما يموت باقي الناس عباد الرحمن . مت ٌ قتيلاً وغيلة كما يعلم جنابكم … قالها ساخراً ، ثم إني لم أمت غريباً مثل صاحبك ، إنما قتلني بعض العراقيين من أصحابك على أرض وطني العراق ، الفروق كبيرة وشديدة الوضوح لكل من يحمل في رأسه عينين سليمتين . [[ همستُ في سرّي : ومن أين تأتينا قوة وسلامة العيون ؟ ]] . ألا تدرك الفروق بين خاتمة رجل يقتله بعض أهله في العراق وآخر يموت حتف أنفه في واحدة من أجمل وأرقى عواصم الدنيا ؟ أضاف : أنا أتيتُ العراق قادماً من بلاد فارس ، أي أني تدحرجتُ من الأجود إلى ما هو أسوأ ، أما الشاعر سركون بولص فلقد أتى برلين الألمانية قادماً إليها من سان فرنسسكو الأمريكية ، أي إنَّ المرحوم إرتقى من الأسوأ إلى الأفضل فمات ودفن تحت التراب الأحسن والأزكى . لكنَّ سان فرنسسكو أكبر وأفضل وأرقى من مدينة برلين يا متنبي . قال هذا رأيك ولي رأيي المخالف وفي الخلاف نعمة !! آثرتُ الصمت فلا من جدوى في مجادلة المتنبي في بعض قناعاته الغريبة . سألني ، وبعد ، ماذا لديك وماذا تريد أن تضيف وقد حرمتني من لذيذ نومة الفجر ؟ متى تزورني أو أزورك فالحديث المباشر معك أفضل وأكثر متعة وفائدةً . تعالَ اليوم لنواصل الحديث فلديَّ الكثير مما سأقول لك ولديَّ الكثير مما سأسألك . قال بل غداً يكون اللقاء ، اليوم مشغول بالكثير من أموري الخاصة وسيزورني ضيوف بعد الظهر . قلت موافق شرط أن تخبرني بموعد زيارتك تلفونياً بخطك الأحمر الساخن أو برسالة قصيرة عَبرَ الإنترت . غاب صوته فعدتُ لنفسي أجهز السؤال الذي طالما شغل بالي حول موضوعة طرأت حديثاً وضعتها أمام عيني مقالة طريفة لسيدة جزائرية ـ أمريكية نشرتها أمس في موقع صوت العراق … قرأتها فأثارت في نفسي أكثر من ذكرى وشجن .

جاء المتنبي حسب الموعد الذي حدد لي تلفونياً . آثر كعادته أن نبقى في بيتي ففيه كل ما نبغي ونشتهي ونروم . فيه طعامنا وشرابنا وفيه راحتنا وحريتنا . خلع سترته وقال هيا حضِّر شايك وباقي (( الحباشات العراقية المعروفة )) … ثم أعدَّ سؤالك إعداداً جيداً ولا تتعبني فقد فالقلب غدا مني ضعيفاً وقد ورطته في مغامرة صبيانية جديدة ما كانت في البال ولا في الخاطر ولا أعرف كيف الخلاص منها أو في الأقل تخفيف حدتها ووقعها العنيف عليَّ . [[ همستُ مع نفسي : يابو بشتْ ليش إبلشتْ … يابو بشت بيش بلشت ؟ ]] … قامت في عونك الدنيا يا متنبي ووفقتك أقدارك .
مرَّ وقتٌ وشاي يختفي وشاي يبرد وآخر يتجدد حتى قال قل ْ ، قل وإسالْ ما بدا لك . يا متنبي ، هل عرفتَ في حياتك الشعب الأرمني وهل عاشرت أو صادقت أحداً من هذا الشعب العريق الطيب ؟ وسّع حدقتي عينيه ورفع حاجبيه الكثين وران عليه صمت عميق . غاب يفكر في أمر . ملأ له كأس شاي وولّع سيجارة ( كنت أمريكية ) … بلع أكثر دخانها ولم ينفث منه إلا النزر اليسير . بدّل من وضع مجلسه ثم بدأ الحديث فقال :
قد عرفت الكثير من الأرمن مقاتلين وقتلى وأسرى وسبايا أثناء حروب سيف الدولة مع الروم . كانوا مقاتلين شجعانَ وكنا نأسر من نأسر ونقتل من نقتل ونحتفظ بالصبيات والصبيان سبايا . أردت أن أقاطعه فأسأل لكنه أمرني بالسكوت . واصل حديثه الذي وجد نفسه منسجماً معه غاية الإنسجام … ذكريات عزيزة نادرة الوقوع في حياة بعض الرجال . كان نصيبه في إحدى الغزوات من بين السبايا صبياً أرمنياً جميلاً إسمه
{ جورج أشقر } وصبية أرمنية رائعة الحسن إسمها { عايدة } . كان جورج يفهم العربية ويتكلمها بطريقة غير سليمة لكنها مفهومة . وكان يقوم بدور الترجمان بيني وبين الطفلة عايدة . تجرأتُ أن أسأل صاحبي : وكيف عرف الطفل جورج اللغة العربية وهو أرمني من مدينة يرفان الأرمنية وتربى مع ذويه في بلاد الروم؟ سؤال وجيه يا صاحب الضيافة واللياقة والعرافة … سؤال جيد. كانت أم جورج سورية وعربية الأصل من حلب ، بينما والد جورج أرمني أصيل قح أسلافه من يرفان منذ أقدم العصور . ولعلمك ، أضاف المتنبي ، كان جورج النبيه يتقن اللغة الرومية والأرمنية فضلاً عن معرفته المحدودة بالعربية . وماذا عن الصبية
( عايدة ) ؟ إنها أرمنية بنت أرمني وأمها كذلك من الأرمن العريقين . سرحتُ تاركاَ ضيفي يسيح هنا وهناك في أحاديثَ متصلة لكني كنت غائباً عنها وعنه . سرحتُ فرجعت بيَ الذكرى لأيام وسنيِّ الدراسة في جامعة موسكو للأعوام ( 1962 ـ 1968 ) . هناك وفي ظروف الدراسة الشاقة والغربة والثلوج وما جرى في العراق من إنقلاب دموي مشؤوم في شهر شباط عام 1963 … هناك ساقت لي أقداري كلا من ( جورج أشقر ) و الشابة ( عايدة ) .

أولا ً / جورج أشقر

دخلتُ أحد مختبرات كلية الكيمياء لأمر يخص بحثي . لفتَ نظري شاب وسيم فاحم الشعر والعينين كان منشغلاً في ترتيب بعض أجهزة البحث التي إستعصى أمرها عليه فكانت إحدى الباحثات الروسيات تُهرع بين وقت وآخر لمساعدته وكانت في غاية اللطف معه . كان يسترق النظر لي بين الفينة والفينة حتى تجرأت ُ فسألته : هل الأخ عربي أو يفهم العربية ؟ يا سلام ! ما ألطف إبتسامته وما أكرم وجهه إذ توجه إليَّ بكل قلبه وصادق عواطفه فأجاب بلهجة لبنانية حبيبة : نعم ، أنا عربي من لبنان لكني أعيش مع أهلي ووالديَّ وباقي إخوتي في العاصمة الأرمنية يرفان . لبناني يعيش في يرفان ؟ إستوقفني أمر هذا الشاب . لم أساله توضيحاً . إقترحت عليه أن يزورني في القسم الداخلي مساءً بعد أن علمتُ منه أنه يقيم في عين الداخلي حيث أعيش … بناية من تسعة طوابق مخصصة لطلبة كلية الكيمياء من كلا الجنسين . زارني في الوقت المحدد حسب الإتفاق فتبادلنا شتى الأحاديث ومنه علمتُ أموراً ما كنتُ أعرفها أو حتى أفكر بها . توثقت عُرى الصداقة بيننا لما لمستُ فيه من عفوية وصدق ونبل وركم خُلق فصرنا لا نفترق خاصة ً في الأماسي أزوره في غرفته في القسم الداخلي ويزورني في غرفتي . ونلتقي أحياناً خلال ساعات تناول طعام العشاء في المطعم المخصص لأساتذة الجامعة وطلبة الأبحاث والدراسات العليا . ما كان يعاني من أية مشكلة في بادئ الأمر ، ثم أخذت زوجه الأرمنية الشابة تزوره وتمكث معه تشاركه غرفته الصغيرة وتعدُّ له طعامه فكانا في الأوج من السعادة . كرّت الأعوام فشرعت سماء الصديق ( جورج أشقر ) بالتلبد بسود الغيوم . إستدعاه يوماً مكتب شرطة الأمن في الجامعة وطلبوا منه الكف عن الإختلاط بالطلبة الأجانب وما كان يختلط إلا بالطلبة العرب وما كان أكثرهم في جامعة موسكو . قال لهم بوضوح وجرأة نادرة : كيف لا أختلط بهم وأنا عربي من لبنان … أمي عربية سورية الأصل وأنا أنتمي لأمي وليس لأبي الأرمني ؟ جُنَّ جنونهم فأضمروا له الشر وكل الشر . تعرّقلت أبحاثه وساء سياق مسارها وإنحرف عن وضعه الطبيعي . لم يتبقَ من الوقت الذي منحته له مؤسسته في يرفان لإجراء وإنجاز أبحاثه وكتابة رسالة الدكتوراه إلا النزر اليسير من الوقت . أنهى بحثه على عجل وعكف يكتب الرسالة ويعدّها للمناقشة أمام اللجنة العلمية المختصة . إنتهى من كتابتها وطبعها على الآلة الكاتبة بخمس نسخ ٍ حسب ظروف تلكم الحقبة من عمر البشر . قدمها لسكرتارية اللجنة العلمية للبت في صلاحيتها والسماح له بمناقشتها في موعد تحدده هذه السكرتارية . مر وقت ليس بالطويل فكانت مفاجأة لم تذهله قدر ما صعقتني !! تمَّ رفض الرسالة بحجة إستسخفها جورج وسخر من أمرها !! قالوا له إنَّ لغتها الروسية ضعيفة !! ردَّ جورج أشقر على الفور : هذا مقدار علمي بالروسية وأنتم تقولون لي بأني رجل أرمني فمن حقي أن أكتبها وأن أناقشها باللغة الأرمنية !! ثم إني رجل كيمياوي ولست طالب لغة روسية فعليكم الحكم على نتائج أبحاثي في هذا العلم وليس التدقيق في لغة الرسالة . أعطوه آذاناً صمّاء وطلبوا منه مغادرة جامعة موسكو على عجل !! مفاجأة أخرى كانت في إنتظاره هناك في يرفان : كان يرأس أحد أقسام مؤسسة صناعية كبيرة قبل تورطه وطموحه في إكمال دراساته العليا في موسكو. أعفته مؤسسته من رئاسة القسم فإنخفض تبعاً لذلك مدخوله الشهري كثيراً .
ما كان يُخفي تذمره ونزعته العارمة في الهجرة من الإتحاد السوفياتي يومذاك والعودة إلى لبنان حيث كانت فيه له شقيقة متزوجة من لبناني أرمني ثري ولها العديد من الأولاد والبنات . زرتها في دارهم في منطقة
( برج حمّود ) من بيروت بطلب منه حين زرت بيروت في تموز ـ آب عام 1965 لألتقي بالمرحومة والدتي وقد كانت أبواب العراق حينذاك موصدة في وجه أمثالي .
في حجرته في القسم الداخلي فتح لي سراً كبيراً في حياته إذ عرض أمامي أصلَ براءة إختراع مذهل مسجل بإسمه لم يتقاضَ عنه سوى مائتي روبل من باب المكافئة والتقدير !! لا أستطيع كشف طبيعة هذا الإختراع وقد إئتمنني (( الصديق جورج أشقر على سرّه وخطورته العسكرية )) .
أين جورج أشقر اليوم وبعد حدوث الزلزال الأكبر الذي ضرب موسكو وباقي المنظومة الإشتراكية ؟ هل رجع إلى بيروت أم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكانت إحدى أمانيه أن يعيش ويعمل ويتطور علماً ومالاً هناك ؟ لا أدري … فلقد إنقطعت صلتي به بعد أن أكملتُ دراستي وغادرت موسكو أوائل شهر أيلول من عام 1968 ؟
هل تسمعني أيها الصديق العزيز جورج ؟ هل تقرأ كلامي هذا وكنتَ عاشقاً للغة أمك العربية رغم أنك لم تتقنها جيداً بعد أن توزعتَ منذ نعومة أظفارك بين العديد من اللغات : العربية اللبنانية والفرنسية والإنجليزية في مدارس بيروت الخاصة بالأرمن ، والأرمنية في بيتك ثم الروسية في المدارس والمعاهد السوفياتية في يرفان . شدّما أتمنى أن ألتقيك يا جورج وأن أسمع منك نكاتك الساخرة تسوقها لي بالعديد من اللغات كي تيسّر لي فهم محتواها … العربية ثم الروسية ثم الإنجليزية ثم … تعجز في بعض الأحيان عن شرح هذه النكات …

ثانياً / الأرمنية الأصلية عايدة

خلاف صديقي الأرمني المهاجر جورج أشقر ، كانت ( عايدة ) أرمنية أصلية أباً عن جد عن جد عن …. ثم لم تكن معايدة للنظام السوفياتي القائم يومذاك . ما كانت متحمسة للسياسة لكنها لم تبدِ أية علامة تذمر أو شكوى حول أوضاع المجتمع المختلفة أبداً . اما إذا تحمّست للإفتخار بأمر ما فإنها كانت شديدة الحب والغيرة والعشق لوطنها الأصل أرمينيا وكانت ـ كغيرها من عموم الأرمن ـ شديدة الحساسية تجاه تركيا وما قامت به من مجازر هولوكوست ضد الأرمن في مطالع القرن العشرين . ثم كانت شديدة الإندفاع والحض على أهمية إسترجاع بعض الأراضي الجبلية الحدودية بين أرمينيا وتركيا وخاصة في مناطق جيال آرارات .
ما كنتُ أعرف مّن هو أبوها المتوفي ولا كانت هي تميل للحديث عنه . ربما كان رجلَ دولة أو قائداً في الحزب الشيوعي أو شخصية إجتماعية نقابية أو غير ذلك . كانت تعيش في العاصمة الأرمنية ( يرفان ) مع والدتها في بيت كبير متين الأركان ذي طابقين . كيف تعرّفتُ عليها ؟ كانت أواسط ستينيات القرن الماضي باحثةً علمية في جامعة يرفان / قسم الجيولوجي . وكانت تأتي جامعة موسكو مرتين أو ثلاث مرات في العام الواحد بل وحتى خلال العطلة الصيفية أحياناً . تزور جامعة موسكو لإنجاز مهمات علمية ومتابعات في مجال البحث . كانت جارتي في القسم الداخلي حجرتها ليست ببعيدة عن حجرتي فتم التعارف بيننا أثناء لقاءاتنا شبه اليومية في الممر أو في المطبخ أو في أحد مصاعد البناية . توثقت العلاقات فيما بيننا وتعمقت تدريجاً فتشابكت العواطف والمشاعر ونما نوعٌ من الهوى المتبادل وأخذ بالزيادة في النمو والإتساع فلم تعد تفارقني في الأماسي بعد الرجوع من الجامعة . وكنا نقضي عطل نهاية الأسبوع
( السبت والأحد ) دائماً معاً تقريباً . كانت تفضِّل أن أزورها أنا بدل أن تزورني في حجرتي … كانت شديدة التحفظ من معارفها وزملائها الأرمن في الجامعة وكانت تتحاشاهم حين تكون معي ولا أعرف السر . فتاة في السادسة والعشرين عالية الخلق نبيلة المعشر شديدة الوفاء جميلة الوجه فتّانة العينين السوداوين ثم كرم اليد فضلاً عن كرم اللسان . كانت تستلم بإنتظام مع القادمين إلى موسكو من مدينة يرفان مختلف أنواع الأطعمة والمشروبات : صناديق الكونياك الأرمني الفاخر والنادر ذي النجوم السبع والفاكهة الطرية والمجففة حسب الموسم , بل ـ ويا للدهشة !! ـ دعتني ذات أمسية لتناول طعام العشاء في حجرتها في القسم الداخلي معا ً . فوجئتُ !! ما هذا يا عايدة ؟ شاشليك ، شاشليك لحم غنم طري ( تازة ) أرمني من يرفان … قالت !! تأيتها من أمها وذويها إلى موسكو حتى اللحوم الطرية . قامت عايدة بحضوري بشي أسياخ الشاشليك في أفران المطبخ وقد زهدنا في تناول أغلبه لكثرته رغم روعة الطعم ودقة إعداده من قبل والدتها هناك في العاصمة الأرمنية يرفان . أما [[ الباسطرمة ]] الأرمنية الشهيرة فحدِّث عنها ولا حرج . كانت تلفظ الإسم بلهجة أرمنية حلوة فتقول { باسطُرما } مشددةً على المقطع الأخير ( ما ) .
حملت لها أواخر صيف عام 1965 بعض الهدايا البسيطة حين زرتُ بيروت ودمشق للقاء الأهل هناك . تأثرتْ عايدة كثيراً حين رأت الهدايا . بكت هدوء وكتمت الكثير في صدرها . سألتني : ما هذا ؟ هذه هدايا من بيروت لك يا عايدة جان ( جان تعني بالأرمني عزيزي أو عزيزتي ) . بكت ثانيةً ثم قالت وما المناسبة ؟ أُرتجَّ عليَّ … معها حق ، ما المناسبة ؟ لم أفكر بمناسبة أو بإجاد تبرير معقول لتقديم بعض الملابس البيروتية لصديقة أرمنية عزيزة أحبها وأجلُ مقامها في القلب والروح . تعثرت فأنقذتُ نفسي بالقول : بيعيها إذا لم تعجبكِ . كفّت عن البكاء … حمّلقت فيَّ بعتب تحول سريعاً إلى غضب مشتعلٍ بين أجفانها … وضعت سبابة كفها الأيمن على صدرها بالقرب من قلبها ثم قالت بإستهجان وحنق رافض : أنا ، أنا عايدة أبيع قضايا تأتيني من عدنان كهدايا ؟ إحمرّت عيناها وإزداد السواد فيهما سواداً ولمعاناً فوددتُ لو أقبلها في عينيها وأمسح عينيَّ بدمع عينيها . تاثرتُ عميقاً بهذا الموقف غير المسبوق بالنسبة لي . بعد مرور وقت ليس بالطويل على هذه الحادثة المؤثرة سألتني : هل لديك رغبة في البقاء معي في يرفان ؟ توضّح الأمر بلا إلتباس . كانت تعرض الزواج عليَّ والحياة معها في بلدها . أطرقتُ طويلاً مفكراً كيف أجيب . تململتُ وجمعت بقايا ما فيَّ من قوة وجَلَد فقلت : لشديد أسفي يا عايدة ولم أستطع إتمام الجملة … إختنقت العَبرة في صدري . شجعتني على مواصلة الكلام حيث (( عمّرتْ )) لي كأس كونياك كبير تناولته جرعةً واحدةً عسايَ أتخلص من الحرج واللعثمة والتردد فأقول لها الحقيقة عاريةً كما هي . دبّت نار جهنم سريعاً في جسدي ووصلت رأسي قبل باقي الأعضاء وإلتهب ( أبو لَهب ٍ ) في وجهي ففقدتُ صبري وكياستي … نهضتُ من مجلسي ومددتُ لها ذراعيَّ لتنهض معي …قرّبتها بشئ من العنف إلى صدري فإلتصقنا نقبّل بعضنا بعضاً دون حساب . حين بردنا قليلاً أساءت تفسير ما حدث . فرحت كثيراً به وإعتبرته علامة قبولي لما عرضت … الزواج منها والبقاء معها في يرفان . كيف سأوضح لها حقيقة أمري من هذا الموضوع . لذتُ بجانب الصمت العميق ثانيةً فأترعت كأس كونياك آخر مماثلاً لسابقه لكني تمنّعتُ ولم أقرّبه من فمي خوفاً مما قد يأتي بعده . أمسكت الكأس البللور الصافي بكفي بقوة وبدأت أتكلم وهي تصغي بلهفة وترقب وأمل . تكلمتُ ببطء وحذر فقلت لها : يا عايدة وأنت أعزُّ ما لديَّ في حياتي هنا … أتمنى البقاء معك حتى لو في الجحيم ولكن . قرّبت جسدها مني وأصخت السمع فأكملتُ … لكني لا أستطيع البقاء هنا ولا الزواج من أجنبية …أنا مرتبط بعقد مع حكومتي يمنعني من كليهما فلا الزواج منك ممكن ولا البقاء . إنكمشت على نفسها ولاذت بالصمت ثم قالت يبدو أنك متعب من بحثك في المختبر هذا اليوم وما عرض علينا من أمور في هذه الساعة … قبّلتها بحرارة وودعتها على أن نلتقي مساء الغد حوالي الثامنة مساءً . ثمة من ميزة نادرة أخرى في عايدة . ما كانت تغار أو تتشاجر معي حين تراني مع طالبات روسيات سواها . بالعكس ، كنت أعتذر لأوضح لها طبيعة المناسبة لكنها كانت هي التي تخترع ليّ المبررات المقبولة من قبيل {{ لا تعتذرْ … أنت بحاجة لممارسة الجنس مع شابة روسية أخرى تعجبك . أنا ممنوعة عليك ولا أمارس الجنس معك إلا بالزواج }} . ما أروع هذه الفتاة وما أكبرها .
أين أنتِ يا عايدة في هذا اليوم ؟ أما زلتِ على قيد الحياة أستاذة في جامعة يرفان ؟ أعربُ لك عن ندمي وإعتذاري أني لم أبقَ معك بالزواج منك . !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *