الرئيسية » مقالات » من تأريخ الحلة النقابي والسياسي / الجزء الثاني

من تأريخ الحلة النقابي والسياسي / الجزء الثاني

ثانياً : إنتخابات عام 1962 / شباط 1962
قبل موعد الإنتخابات بحوالي ثلاثة أو أربعة شهور ( تشرين الأول أو تشرين الثاني )، عُدتُ إلى التنظيم مع تكليفي بالإشراف وقيادة الحملة الإنتخابية بإعتباري قد أصبحتُ خبيراً ومُحنّكاً بهذا الشأن. على رأس المهمات إعداد قائمة أولية بأسماء مرشحي القائمة المهنية الديموقراطية. يتطلب هذا الأمر التعرف جيداً على كافة أعضاء الهيئة التعليمية في مدينة الحلة وأطرافها وتوابعها الإدارية من أقضية ونواحٍ وقصبات. من معنا ومن ضدنا ؟ من هم المستقلون ؟ ما هي العناصر الثابتة وما هي العناصر القلقة وما هي العناصر الإنتهازية ذات الوجهين ؟ من هم الشجعان في صفوفنا ومن هم الضعفاء ؟ وُضِعت تنظيمات وكافة هيئات الحزب أمام هدف واحد لا غير : مسألة إنتخابات نقابة المعلمين. وكُلِفت جميعاً أن تنشط في هذا الإتجاه وأن تُعدَ الإجابات الدقيقة عن الأسئلة السالفة، فالوقت أمامنا يمر بسرعة فائقة، وتجربة العام الماضي ما زالت حيّةً أمامنا، وعلينا إستخلاص العِبر والإتعاظ بالدروس. كانت المهمة جدَّ شاقة، فالوضع السياسي كما قلت كان ينحدر بوتائر متسارعة نحو الأسوأ. وكانت الجبهة القومية على عموم القطر تتقدم الصفوف وتستولي على المواقع الهامة سواء في الجيش أوالشرطة وبقية مراكز الدولة من وزارات وسفارات وسواها. وإغتيالات الموصل وبغداد ما زالت طرية ماثلة للأذهان. لم يبقَ لعبد الكريم قاسم خارج العاصمة بغداد شيءٌ من جمهورية الرابع عشر من تموز. كانت المواقع الهامة في الدولة تتساقط تباعاً في أيدي الجبهة القومية. وبانت ملامح الصورة المرعبة لمستقبل العراق لكل ذي عينين وبصيرة سوية. كما أخذت هذه الجبهة جرعة قويةً بإخلاء سبيل عبد السلام عارف بعد صدور قرار عبد الكريم قاسم بالعفو عنه وإلغاء حكم الإعدام الصادر بحقه من قِبل محكمة الشعب، محكمة إبن خالة الزعيم عبد الكريم، فاضل عباس المهداوي. لقد قاد عبد السلام كما هو معروف إنقلاب شباط 1963 وكان شاهد عيان مقتل عبد الكريم في مبنى الإذاعة والتلفويون في بغداد. عفا الله عمّا سَلَف !!!! ؟؟؟؟ لم يعفُ عبد السلام عن عبد الكريم كما عفا عبد الكريم عنه.
كنتُ مُكلّفاً بالقيام بحملة إشراف واسعة النطاق على لجان الحزب الفرعية وخلايا الأعضاء والمرشحين لإستطلاع الآراء وتفحص وضع عناصر هذه التنظيمات وتبادل الرأي حول الموقفين السياسي والمهني – النقابي، والخروج بحصيلة مقترحاتهم ووجهات نظرهم بشكل تقارير أرفعها إلى الهيئات واللجان الأعلى.
شرعت أجهزة الجبهة القومية المنوعة ببث الشائعات المسمومة على نطاق واسع خاصة بين صفوف أعضاء الهيئات التدريسية، من قبيل أنَّ القائمة المهنية الديموقراطية سوف لن تخوض إنتخابات هذا العام (شباط 1962 ) لأنها غير قادرة – كما كانت تزعم
الشائعات – على تجهيز قائمة بأسماء ممثلي المدرسين والمعلمين على عموم اللواء (المحافظة )
والبالغة يومذاك سبعة عشر عضواً وثلاثة أعضاء إحتياط، على ما أتذكر. مع تقدم الشتاء وإزدياد حدّة البرد إرتفعت حمّى التآمر علينا وعلى قائمتنا إذ نزل حلبة الصراع متصرف لواء الحلة ( المحافظ ) العقيد المتقاعد خيري الحافظ. حوّل مقر مكتبه في متصرفية اللواء إلى وكر للدس والتأليب ومكتب شبه دائم لإجتماعات كبار تجّار الحبوب والإقطاعيين وبعض المحسوبين على عهود النظام الملكي. كان هذا المتصرف المتآمر يقوم بفرض أتاوات عالية على عناصر هذه التجمعات كتبرعات لمكافحة الشيوعية والشيوعيين في لواء الحلة. لكنه إبتنى من هذه الأموال داراً فاخرةً في بغداد. لقد أفاد هذا المتصرف، السيء التصرفات، إلى الحد الأقصى من فتوى السيد محسن الحكيم القاضية بتكفير وتحريم الشيوعية (( الشيوعية كفرٌ وإلحاد !! )). من مشاهير المتبرعين والناشطين في التآمر أساساً على جمهورية الرابع عشر من تموز: تاجر الحبوب كاظم عبد الأخوة وقريبه محمد عناد والأقطاعي الساقط
( بلاي بوي ) عبد الجبار أسعد قاضي جبران ( شقيق عبد القادر، رئيس بلدية الحلة يومذاك ). هذا ما كان يجري وراء الأبواب المُغلقة، أما في العّلَن…فلقد كانت مقهى السيد شاكر الشلاه المقابلة لمركز شرطة الحلة الرئيس، ضاجةً بالنشاطات المحمومة المعادية علناً لعبد الكريم قاسم والنظام الجمهوري. من روادها المعروفين بتطرفهم في هذا العداء ضابط الإعاشة هادي وتوت وقريبه الضابط المتقاعد جواد السيد مولى وتوت. كما نشط نشاطاً مسعوراً ضابط الإنضباط إياه الملازم البعثي شريف صبيح ( أصبح في أواسط سبعينيات القرن الماضي عضو المكتب العسكري لحزب البعث ) والمجرم الشقي ناجي الدليمي، الظاهر – المختفي. إرتفعت شعبية الجبهة القومية تحت هذه الأجواء وكسب البعثيون بشكل خاص العديد من الأصدقاء والمؤيدين والأنصار وربما بعض الأعضاء في حزب البعث.كما عزز من وزنهم وقدراتهم على المناورة والحركة البعثيون المبعدون من مدن عراقية شتى. كان من أبرز عناصر البعث في أوساط المعلمين من الحلة : مدرس الكيمياء صلاح محمد توفيق والمعلم فاهم كامل الصحاف ثم عبد الأمير محمد أمين
( أشرف بعثي عرفته في حياتي ) وهادي حليحل ومرهون حسين وربما صاحب حميد ومعلما الرسم وهاب كريم رمضان ( وهاب الأعور / قُتل في سيارة الحزب الهولدن السوداء قريباً من آثار بابل خريف عام 1969 بعد لقاء له في بغداد مع كل من البكر وصدام… !! ؟؟ ) وسلام علي السلطان وجاسم حمّود هجول وسليم عبد وسليم داوود الصفّار.كما نشط بشكل إستفزازي مدرس الرياضة المحسوب على القوميين طه عناد ومدرس الكيمياء حسن علي الناجي والمدرس القومي عبد الرضا الفلوجي وقريبه مدير ثانوية الحلة للبنين المُخضرم والمثلّث المواهب والنزعات عبد المجيد الفلوجي ( شرطي – مَلَكي – قومي ). أما المعلم غفار كاظم المعروف فقد كان معروفاً بولائه وتمثيله للشرطة والنظام الملكي. كان غفار هذا وشقيقه محمد كاظم المعروف موظفين في مقرحزب نوري السعيد المسمى ( حزب الإتحاد الدستوري ). أما نشطاء البعث غير الحليين فكان أبرزهم زميلي في متوسطة الحلة للبنين المدرس عبد الوهاب السامرائي ( شقيق أو قريب عضو القيادتين عبد الخالق السامرائي الذي أعدمه صدام حسين في مجزرة صيف 1979 ) والمدرس يونس السامرائي وموسى السوداني ( نجفي ) وحميد خلخال ( من قرية جناجة / قضاء الهندية ) والمعلم المسعور مختار الكبيسي. كما كان مدير متوسطة الحلة للبنين السيد رشيد الجبوري محسوباً على تشكيلة الجبهة القومية. أما خارج صفوف الهيئات التدريسية، فمن بين نشطاء البعث جندي سلاح الجو ياسين عناد وخليل العزاوي وعامل السينما حبيب الأسود والسائق حسين علي عجام والسائق خليل إبراهيم المطيري ( شقيق البعثي كريم إبراهيم ) وبعض الفتيان من طلاب المدارس مثل حسن إبراهيم المطيري ( أصبح بعد إنقلاب 1968 معاوناً لمدير الأمن العام ناظم كزار. ثم أُعدِما معاً عام 1973 إثر محاولة إنقلابية فاشلة قاما بها ضد البكر وصدام حسين. كما أُعدِم معهما الشقي والمجرم ناجي الدليمي ) وطارق كاظم عبد الأخوة وأشقّاء المدرس البعثي صلاح محمد توفيق وأبناء عم وأقارب البعثي فاهم كامل الصحّاف (كان إبنُ عمّه محمد سعيد الصحاف، أبو العلوج، يومذاك ما زال طالباً في كلية التربية في بغداد ). ومن بين أكثر المشحونين بالعداوة والبغضاء للشيوعيين الطبيب عبد الغني عبود البيرماني والمنحرف المجهول المهنة حبيب العزاوي والمتفسخ خُلقياً عبد الجبار أسعد قاضي جبران ثم المشبوه المُضمّد محمد الياسين
( زوجته يهودية، وإنه خال مدرس اللغة الإنجليزية محمود المرجاني ). أما ناشطات الجبهة القومية من المعلمات فكانت من أكثرهن نشاطاً الست صبيحة نظيف الشاوي وزوجة المعلم مختار الكبيسي ثم المفتشة التربوية الست عوّاشة.
لم يبعد نظام قاسم المعلمين البعثيين فقط، إنما كانت حصة الشيوعيين أكبر بكثير. فلقد جاءت الحلة مجموعة كبيرة من الموظفين والأساتذة الأفاضل المبعدين من مدن عراقية
شتّى : من لواء الناصرية ( الشطرة خاصةً ) ومن عانة والرمادي ومن هيت بشكل أخص.كانت معهم فئة من الشيوعيين لا علاقة لها بالتعليم : موظفون في دوائر الدولة وحرفيون. كانت هذه المجموعة موضع رعاية كوادر وهيئات التنظيم الشيوعي في الحلة.كما أُبعِد إلى الحلة كلٌّ من الشاعر المسيحي يوسف الصائغ والشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد ( شاعر صدام وعدي فيما بعد !! ). كذلك جاء الحلة عدد قليل من الأخوة الكرد الذين أُبعدوا من بعض مدن إقليم كردستان.
ما كان البعثيون والقوميون وأنصارهم إلاّ قلّة في أوساط المعلمين والمدرسين وخاصة بين معلمي القصبات والقرى والأرياف. أما الأقضية… فكان مركز قضاء المسيب في أيدي اليمين والإقطاعيين وبعض الشيوخ. ومركز قضاء الهندية ( طويريج ) بين بين.
هكذا كان الوضع السياسي والنقابي عشية الإنتخابات. وهكذا كانت خارطة موازين القوى. الشرطة مع جماعة قائمة الجبهة القومية المتحدة والجيش ممثلاً بالملازم شريف
صبيح، وكان معهم متصرف اللواء وكانت تحت تصرفهم أموال تجار الحبوب وبعض أثرياء الحلة، ثم الشُقاة وأولاد الشوارع. كانت المعركة بالدرجة الأول معركة سياسية : أنصار الجمهورية وعبد الكريم قاسم في جبهة ( جبهة القائمة المهنية التقدمية ) تقف أمامها وتعارضها ( الجبهة القومية ).كانت كل أجهزة الدولة تحت تصرفهم فكانوا يشكلون دولة داخل دولة. أما عبد الكريم قاسم فكان معزولاً في مقر وزارة الدفاع في بغداد لا يعرف حقيقة ما يجري خارجها ولا يشغله أمر إلاّ سلامته الشخصية بعد أن أمطرته زمرة الرُماة من قادة البعثيين في شهر أيلول 1959 بوابلٍ من الرصاص في شارع الرشيد وسط العاصمة بغداد، فكان الموت منه قاب قوسين أو أدنى. وكيف له أن يعرف وكل أجهزة الدولة تعمل ضده، السرية منها والعلنية، الأمن والشرطة والمخابرات العسكرية وقائد الفرقة الأولى نفسه كان مع الجبهة القومية.
مبادرة تكتيكية، ومحاولة للإئتلاف مع البعثيين
أعرف أنَّ السياسة لا تعرف المستحيل. طرحت على بعض عناصر هيئة الطواريء فكرة غريبة وغير متوقعة على الإطلاق : التفاوض مع البعثيين البارزين ومحاولة إقناعهم بخوض الإنتخابات معنا في قائمة موحدّة. كنت أعرف جيداً أن هنالك خلافات حادة وعميقة بين البعثيين والقوميين ولديهم تحفظات جدية حول بعض عناصر الجبهة القومية وخاصة العناصر الملكية منها واليمينية المتطرفة. كنت على علم تام بذلك فكانت مبادرتي تقوم أساساً على فرضية النجاح في شق الجبهة القومية وعزل البعثيين عن بقية العناصر والأطراف الداخلة فيها. خلافاً لما كنتُ أتوقع، أُعطيتُ الضوء الأخضر فتحركت على الفور ولكن… زرت الشيخ جواد الخياط ( أبو حميد ) مُعتَمد الحزب الوطني الديموقراطي في الحلة ( التابع لكامل الجادرجي ). طرحت عليه فكرة إقناع أعضاء هذا الحزب ( وما كانوا إلاّ بضعة أنفار ) للإنضمام إلينا وخوض الحملة معنا وتحت إسم قائمتنا. فكّر الرجل طويلاً ويداه مشغولتان : واحدة بمعالجة مقص التفصيل والأخرى تمسك بسيجارة. أخذ نَفَساً عميقاً وواصل قص قطعة القماش المطروحة أمامه على طاولة التفصيل ثم قال بهدوئه المعروف عنه : لا مانعَ لدينا لكنْ، بشرط : أن تأتلفوا أولا مع البعثيين !! سنلتحق عندذاك بكم جميعاً. مناورة ذكية وعلى درجة عالية من الحَنَكة السياسية. كنتُ أعرف جيداً أن بعض عناصر حزب البعث تظاهروا ( كعادتهم في التلون والقدرة على التكيف ) بالإنتماء إلى الحزب الوطني الديموقراطي فأصبح محل خياطة الشيخ جواد مركزاً لتجمعاتهم العلنية. فلا غرابة إنْ تزاحمت صفوف الألبسة الجاهزة ونصف الجاهزة المعلّقة على جدران المحل نتيجة طبيعية للإقبال على محل الخياطة، فتحسنت كثيراً أحوال الشيخ المادية. إذن لديَّ الآن بابٌ مُشرَع وبعض أمل في مشروع مغامرتي شبه المستحيلة. شجّعني موقف الشيخ جواد الذكي أكثر لأنْ أمضي قُدُماً نحو هدفي الثاني المدروس جيداً. قررتُ أن أُجري أول إتصال بشأن مبادرتي بزميلي في المدرسة المتوسطة المدرس البعثي عبد الوهاب السامرائي. لم تكن علاقاتنا حميمة لكنها لم تكن متوترة شأنها مع غالبية البعثيين. وكنا منفتحين سياسياً على بعضنا نناقش الأمور الساخنة خلال فترات الإستراحة القصيرة ما بين حصة دراسية وأخرى.كان الرجل مؤدباً ولم يكن إستفزازياً كبعض رفاقه الموتورين والحاقدين والمنغلقين. عرضت عليه فكرة أن نخوض الإنتخابات بقائمة واحدة لكي نقطع الطريق معاً أمام العناصر الرجعية واليمينية والمشبوهة.لم يرفض الرجلُ الفكرةَ على الفوركما كنتُ متوقعاً. فكّر السامرائي قليلاً ثم قال : سأعطيك الجواب غداً. جاء الغد وكنت مشوقاً أن أسمع الرد والجواب. قابلني الزميل ببعض الود والبشاشة ثم قال بكل هدوء : نأتلف معكم بشرط : أن تتخلوا عن عبد الكريم قاسم !!
شكرته مقترحاً أن نبقى كما كنا زملاء وأصدقاء وأن يبقى الحوار بيننا مفتوحاً.
ماذا يعني التخلي عن عبد الكريم قاسم ؟ يعني أولاً التخلي عن جمهورية الرابع عشر من تموز. ويعني ثانياً ترك قاسم وحيداً في الميدان البالغ السخونة وضعيفاً وعاجزاً أمام مد
الجبهة القومية الطاغي والشديد الخطورة. وأخيراً يعني الإستفراد بنا وعزلنا عن نظام ظل محتفظاً حتى يومذاك بطبيعة شبه ديموقراطية. كانت هناك على الساحة نقابات وإنتخابات وأحزاب معترف بها من قبل الحكومة. ثم كان هناك حزب شيوعي مُعتَرف به ومُجاز يقوده السيد داوود الصائغ !! وأجهزة الأمن والشرطة لا تطارد ولا تُقاضي ولا تسجن الشيوعيين بسبب إنتمائهم العقائدي. بلى، كانت هذه الأجهزة وأجهزة أخرى سواها تلّفق التهم وتزج بالشيوعيين في المعتقلات وغياهب السجون وتقلب الأبيض أسوداً والأسود أبيضاً وتفبرك التهم. بإختصار كانت هذه الأجهزة تمثّل القطّاع الضارب في فيالق الساعين لقلب نظام الحكم وإنتزاع السلطة بقوة السلاح. كانوا قوة ضاربة وكانت الدولة تحت تصرفهم. ما كانوا يمثلون جوهر وسياسة قاسم ولا طبيعة ثورة الرابع عشر من تموز.
كانت في مخططي صورة عنصر بعثي آخر من قدماء البعثيين في الحلة، جار المحلّة وزميل الدراسة الثانوية والجامعية. ينتمي إلى عائلة فقيرة مستورة الحال هو مدرس الكيمياء صلاح محمد توفيق. تعمّدت اللقاء معه لجس النبض وقراءة رد فعله على ما سأعرض عليه. إلتقيته عصر أحد الأيام في أحد شوارع الحلّة. تبادلنا تحية مقتضبة ثم عرضتُ عليه مشروع مبادرتي. ما أنْ سمع كلامي حتى فتح عينيه الضعيفتين وقال بعصبية وإستنكار : تُقطع اليد التي تمتد إلى الشيوعيين !! بالفعل… لم يكذب الرجل !! قطعوا الرؤوس والأيدي إثر إنقلابهم الدموي المشؤوم يوم الرابع عشر من شهر شباط عام 1963.
غرفة طواريء
لم يكن تحت تصرفنا مركز لقيادة وتوجيه حملتنا الإنتخابية، فلقد مُنعت إدارات المدارس كافة من فرصة منحنا مثل هذا المركز،كما جرت العادة في إنتخابات السنوات المنصرمة.
لذا، ولغرض المتابعة السريعة وإدارة وتركيز النشاط التمهيدي للإنتخابات تمَّ تشكيل هيئة طواريء متنقلة يجتمع أعضاؤها يومياً مثنىً وثلاثاً أو أكثر أحياناً في البيوت أو الشوارع أو المقاهي للتشاور والتنسيق. كان من أبرز هذه العناصر عدنان أحمد دنان وقحطان جعفر المعروف وعبد الوهاب غني القاضي وأمين قاسم خليل وجعفر حمّود الهجول ووهاب ناجي الخفاجي ( شقيق محسن ناجي البصبوص الذي قتله ناظم كزار عام 1970 في قصر النهاية ) وصبري مصلح الدين صالح الدراجي وإقبال حميد الهندي وإبراهيم عبد المنعم وحمزة حسن وسُعاد سعيد ( من كركوك ) وعبد القادر النعيمي ( من البصرة ) وحمد الحاج حسين وبعض الأساتذة من المبعدين إلى الحلة ( أتذكر منهم خليل إبراهيم وجميل العاني وصبحي وعبد الرزاق…) ثم كاتب هذه السطور والصديقان حسين صالح وشوكت عباس، حيث كانت سيارتي الموسكوفيج تحت تصرف هذه الهيئة. شكّل أغلب هؤلاء الأشخاص العمود الفقري لمرشحي القائمة المهنية. كان البرد يشتد وكان نشاطنا لا يكل… ليلاً ونهاراً … إجتماعات… قرارات… توصيات… كونفرنسات موسّعة ومختصرة… رفاق يحضرون من باقي المدن والأرياف، من ريف الحلة وحزامها الأحمر. جُنَّ جنون جبهة اليمين مما كان يصلهم من معلومات حول نشاط أنصار القائمة المهنية التقدمية. فأجهزة الشرطة وعناصر الأمن ونشطاء البعثيين كانت تقدم لهذا اليمين المعلومات اليومية الدقيقة عن تفصيلات نشاطنا ومتانة جبهتنا وإصرارنا على خوض الإنتخابات بأي ثمن.
كنت بين الحين والحين أزور مقر حملتنا الإنتخابية المركزي في منطقة البتاويين في وسط بغداد. هناك كنت ألتقي بالدكتور صفاء الحافظ ومتي الشيخ والنقيب السابق نجيب محيي الدين وغيرهم من شخصيات القائمة المهنية البارزين.كنت أنقل لهم دقائق ما يجري على الساحة في مدينة الحلة. أخبرتهم بنشاط متصرف اللواء المعادي وغير المحايد، ثم أنشطة ملازم الإنضباط المشبوهة وما يبيته لنا بعض الشقاة والخارجين على القانون من محترفي القتل والإعتداء على عناصرنا. كما زرت مقر نقابة المعلمين، المركز، وقابلتُ النقيب الدكتور محمد الناصر ( أحد الأساتذة الذين درسوني في دار المعلمين العالية. أصبح بعد إنقلاب شباط 1963 وزيراً ثم سفيراً في موسكو ). شرحت له حقيقة ما يجري في الحلة من إستفزازات وأنشطة لا أخلاقية ولا قانونية بحق أنصار القائمة المهنية. طلبتُ منه أن يسعى – كنقيب لكل المعلمين – إلى ضمان حياد السلطات. وعدني خيراً ولم يزد.كان هو نفسه من ألد أعداء الشيوعين !!
زيارة مفاجئة غريبة :
إنتهجت قيادة الحملة الإنتخابية المركزية في بغداد نهجاً جديداً غير مألوف : شرعت بإرسال بعض أساتذة الجامعات من مرشحينا وأنصار قائمتنا إلى مراكز المحافظات لإجراء مقابلات ودية مع المتصرفين ( المحافظين ) والإطمئنان على سلامة ما يجري ثم التأكيد على حيادية الجيش والسلطات. أُخبِرتُ مساء أحد أيام شهر كانون الأول الأخيرة أنَّ وفداً من أساتذة جامعة بغداد سيزور الحلة ظهراليوم التالي. وإنَّ عليَّ الإلتقاء بهذا الوفد في نادي المعلمين الواقع في الجانب الصغير على نهر الفرات من مدينة الحلة. ذهبت في اليوم التالي وفي الوقت المحدد إلى نادي المعلمين فرأيت أربعة من ضيوفنا، جالساً غير بعيد عنهم المعلم – الشرطي غفار كاظم المعروف ( كيف عرف هذا الشرطي بمجيء الوفد وكيف عرف مكان إلتقائنا ؟؟ ). أخذتهم بسيارتي إلى المتصرفية فدخلنا غرفة سكرتير المتصرف. رحب بنا وسأل عن سبب هذه الزيارة المفاجئة. طلب منه الأساتذة مقابلة المتصرف. تركنا مُسرعاً ثم عاد وأحضر ورقةً طالباً منا تسجيل أسمائنا حسب أمر السيد المتصرف. حمل قائمة الأسماء إليه ثم عاد بعد قليل فقال : متأسف… لقد شطب المتصرف إسم عدنان الظاهر !!؟؟ قاد الضيوف إلى مكتب خيري الحافظ. بعد ما يقرب من النصف ساعة لا أكثر،خرج الأساتذة من المقابلة بإنطباع جيد عن المتصرف.
قلتُ آنفاً أن شائعات اليمين والمنافسين وأنصارهم اليومية كانت تؤكد أننا سوف لن نستطيعَ خوض الإنتخابات ولن نستطيع إتمام العدد المطلوب من ممثلي المعلمين. وكرد على هذه الشائعات ودحضها عملياً سافرتُ إلى بغداد عصر أحد الأيام وإتجهت على الفور إلى مقر حملتنا الإنتخابية المركزي في البتاويين. عبأتُ سيارتي بالملصقات الجدارية التي تحمل إسم قائمتنا وقفلت راجعاً إلى الحلة قبيل الفجر… تجنباً لإحتمال تفتيش سيارتي من قبل شرطة الأمن ومصادرة ما فيها من مطبوعات. وُزِعت الملصقات على أعضاء الحزب والأصدقاء فشكلوا فرقاً صغيرة تولت مسؤولية إلصاقها على جدران الشوارع والمحلات العامة والأزقة الضيقة. وفي نفس الوقت تمت كتابة لافتات القماش وتم تعليقها وسط الشوارع بين أعمدة التلفون والكهرباء. كان المعلم حمزة حسن أنشط من قام بحملة تعليق لافتات القماش التي تحمل شعارنا وبعض برامج حملتنا الإنتخابية. كان يتسلق الأعمدة بقامته القصيرة وعضلاته المفتولة دون سلالم. عاونه بالطبع الكثير من نشطاء المعلمين. جُن جنون السلطة وإمبراطورية الجبهة القومية : كيف يتجاسر الشيوعيون على تحديهم ويمزقون طوق الحصار المضروب حولهم ؟ كيف يبلغ بهم التحدي حدَّ تعليق الملصقات الورقية ولافتات القماش الواسعة وفي وضح النهار ؟ من أين أتتهم وكيف وصلتهم كل هذه الملصقات الجدارية التي ملأت شوارع وجدران وأزقة مدينة الحلة ؟؟؟
إتصل بي صديقي المحامي عبد الجليل عبد العظيم الماشطة وقال لي والأسى يغطي وجهه الناصع البياض : كنْ حَذِراً … أقصى درجات الحذر. لقد خصص وجمع متصرف اللواء مبلع ألف دينارٍ ثمناً لقتلك !! كن حذراً ولقد أُعذِر من أنذر !! طمأنتُ صديقي عبد الجليل مستهيناً بقوة اليمين والمنافسين والخصوم. قلتُ له ليس في الحلة من يجرأ على الإعتداء عليَّ. ظهر لاحقاً أنَّ تقديري للموقف كان خاطئاً !! بنيت إجتهادي على أساس نظري أخلاقي مؤداه أني ما عاديتُ أحداً من أهل الحلة.لم أعتدِ في حياتي على أحد. لم أدخل في أيما خصومة مع أحد. النظرية شيء والواقع العملي شيء آخر !!
أخذ أنصار الجبهة القومية وأتباعها يبثون الشائعات من أني أحمل معي مسدساً أينما
ذهبتُ ، ليلاً ونهاراً !! الحقيقة أنَّ الحزب منعني من حمل أي سلاح لأنني كنت عُرضةً للتفتيش في أية لحظة. إقترحت مرّةً على عدنان أحمد دنان أن أقوم بقتل متصرف اللواء بسبب إنحيازه للآخرين ووقوفه علانيةً ضدنا. قلت له : سأغيّر تأريخ الحلة ووجها السياسي إنْ قتلت هذا الثعلب الماكر.لم تحصل الموافقة على مقترحي، فتعرّضتُ أنا لمحاولة قتل صممها وخطط لها خيري الحافظ نفسه كما سنرى بعد قليل.
دعوة مشبوهة
أثناء ساعات الدوام المعتاد،فاجأني ظهر أحد الأيام مدير مدرستنا السيد رشيد الجبوري
( أحد مرشحي الجبهة القومية ) بأمر غريب : قال لي إنَّ السيد المتصرف يروم مقابلتك الآن، إسرع رجاءً. المتصرف يريد مقابلتي هذا اليوم وقد سبق له وأن رفض أن يقابلني قبل بضعة أيام مع وفد أساتذة جامعة بغداد !!؟؟ تركت المدرسة وإتجهت نحو المتصرفية.
دخلت على المتصرف من الباب الرسمي المخصص لدخوله وخروجه وليس من خلال غرفة سكرتيره. حدث ذلك بفضل مبادرة ” تكريمية “من حارسه الشخصي نائب العريف حمدان، فقدكنتُ أعرفه منذ فترة طويلة. وجدته مشغولاً بكتابة شيء ما. رفع رأسه ثم قال مندهشاً : خيراً ؟ ماذا تُريد ؟ ومن أنتَ ؟ أجبته إنك أنتَ من طلب مقابلتي كما أخبرني مدير المدرسة. أنكر ذلك ثم طلب مدير التحرير، وحين حضر هذا الرجل سأله : هل طلبتُ أنا مقابلة هذا الرجل ؟ حصلت أمام عينيَّ مفاجأة مُدهشة حين أجاب مدير التحرير بكل ثقة ورباطة جأش : نعم، أنتَ طلبتَ مني إستدعاء هذا الرجل فإتصلتُ بمدير مدرسته لكي يبلّغه بأمر طلبك.لم يظهر على وجه المتصرف أي أثر لإرتباك أو إحراج أو بعض خجل. وكان رده المباشر أن طلب من مدير التحرير مغادرة الغرفة ثم أشار إليَّ بالإنصراف.
ما كانت هناك مقابلة، إنما أعدَّ المتصرف بالتنسيق مع الجبهة المعادية للجمهورية فخاً للإعتداء عليَّ بعد مغادرتي المدرسة أو بعد خروجي من المقابلة المزعومة. فشل مخطط خيري الحافظ لكنه لم يقبل الهزيمة وهو الضابط المصلاوي المتآمر فأضمر أمراً أكثر خطورة
بعد أن إنكشفت لعبته الخبيثة.
لم يبقَ على موعد الإنتخابات إلاّ بضعة أيام. وكان علينا أن نُعِد البيان الإنتخابي مطبوعاً وأن نبين فيه خلاصة منهجنا وأهدافنا فأين نطبع هذا البيان ؟ كان القرار الأولي أن يجري طبع البيان في النجف، لكنْ ما كان أمامنا الوقت الكافي للسفر بين الحلة والنجف والظرف شديد الإستثنائية والسخونة، فإقترحت أن أقوم أنا بالمهمة. زرتُ السيد صاحب، صاحب مكتبة ومطبعة الفرات أو الفيحاء وعرضت عليه الأمر فوافق الرجل. سلّمته أصل البيان الذي كتبته بخط يدي بالتنسيق مع بعض عناصر غرفة الطواريء. إتفقنا على أن يطبع لنا ألف نسخة من البيان مقابل أحد عشرَ ديناراً. إتصلَّ صاحب المطبعة بي تلفونياً بعد ظهر اليوم التالي ورجاني الحضور لتصحيح نسخة النص المطبوع.
ساحة ومشهد الجريمة :
أحطتُ بعض أعضاء غرفة العمليات والطواريء علماً بالموضوع وحددت لهم إتجاه حركتي وموعد وصولي إلى المكتبة – فخ الموت. أصطحبتُ معي الصديق الغيور وإبن الحلة البار الأستاذ حسين صالح ( أبو مها ) أحد أبرز مرشحي قائمتنا. ركنتُ سيارتي على رصيف المقهى المقابل للمكتبة والمطبعة. خامرني شعور بأنَّ الجو ليس إعتيادياً بل وكان ظاهر التوتر. رأيت على تخوت تلكم المقهى بعض العناصر من القوميين وممثلي الإقطاع والعهد الملكي وهم : جاسم محمد الحسون وعمران مصطفى أغا الحيكانية وقاريء المقاييس حسين عناد. ثم رأيتُ الملكي والقومي المتطرف عبد المجيد الفلوجي واقفاً في باب محل الخياط عبد الحسين عبد الكريم. تركت صديقي حسين صالح في هذه المقهى وإجتزت الشارع بإتجاه المكتبة فإعترضني شقيق حسين عناد، وهوخياط أخرس.لم أعره أي إهتمام، فلقد كان واضحاً أن المطلوب من هذا العنصر الأخرس أن يستفزني وأن يجرني للعراك. وجدت في مُدخل المكتبة المعلم البعثي سلام علي السلطان ( سلام الأقجم ). ومدرس الرياضة الإستفزازي طه عناد الذي إدّعى أن أنصار قائمتنا يمزقون ملصقات قائمتهم. ما كان ذلك إلاّ فرية وكذبة عارية. ثم رأيت في وسط المكتبة جالساً المعلم – الشرطي غفاركاظم المعروف !! تمّت ملامح الصورة في رأسي : إنها مؤامرة وفخ تمَّ إستدراجي إليه بالتعاون مع صاحب المكتبة والمطبعة. قمت بتصحيح نسخة البيان الأولى وتركت المكتبة على أن ينتهي السيد صاحب من طباعة البيان في غضون يومين. إتجهتُ نحو المقهى المقابل للمكتبة تماماً لكي ألتحق بالصديق حسين صالح. هبَّ فجأة ثالوث جاسم الحسون وعمران مصطفى وحسين عناد فلطم عمرانُ مصطفى الصديقَ حسين على وجهه ووجّه له عبارات نابية. أما حسين عناد فقد أمسك بشكل هيستيري طرف معطفي الذي كان مُلقىً على كتفيَّ ولم يزدْ. بقي الشخص الثالث ساكناً دون حراك. قررنا ترك المقهى فهاجمني الأخرس وأهوى على رأسي بقاعدة نارجيلة زجاجية سميكة إنتزعها بالعنف من يد أحد رواد المقهى.كانت الإصابة بالغة فإشتد نزف دمي وغطى وجهي وملابسي.ثم قفز من فوق أحد تخوت المقهى شاب ما رأيته من قبلُ وأهوى بكل ثقل جسمه عليَّ فأصاب رأسي بآلة حديد ( بوكس حديد ) كانت في كفه. عرفتُ فيما بعد أنه عبد الجبار الفلوجي، شقيق المدرس القومي عبد الرضا الفلوجي. صحوتُ من المفاجأة فأخذت أقاوم هجومهما وضرباتهما المتكررة فإصطدما ببعضهما وجُرِح الأخرس ووقع الفلوجي على الأرض. لكنهما عاودا الهجوم بشراسة أكبر حتى جاء رجلٌ من بين رواد المقهى ووضع نفسه حاجزاً بيننا ثم صرخ بأعلى صوته : كفى كفى… ألا تخافون الله يا ظلاّم. عرفت فيما بعد أنَّ هذا الرجل الشهم هو والد المعلم الصديق طالب كُمر من سَكَنة محلّة ” السنية ” الواقعة في وسط مدينة الحلة.
رفعت معطفي الغارق بالدم من الأرض، وما أن تحركتُ خطوة واحدة بإتجاه مركز الشرطة الرئيس الذي لم يكن يبعد عن مسرح الجريمة إلاّ بأقل من خمسين متراً … حتى إقترب مني ضابط الإنضباط الملازم شريف صبيح فبادرني بالقول (( تستاهل !! )).كان معه جندي الإنضباط نفسه الذي شهد في المحكمة زوراً ضدي بعد إنتخابات العام الماضي.
سرت في الشارع الرئيس قاصداً مركز الشرطة ففوجئتُ بمتصرف اللواء راكباً سيارته الأمريكية الصنع، فورد صفراء. وقفتُ وسط الشارع مُعترضاً مسير السيارة فتوقفتْ … وخاطبت المتصرف مُشيراً إلى رأسي النازف وملابسي الغارقة بالدم قائلاً : أيعجبك هذا ؟ هزَّ رأسه الضخم بعلامة الرضا والشماتة.
هل يحتاج الأمر إلى فلسفة وتفسيرات ؟ كان الكل حاضراً مسرح الجريمة : متصرف اللواء وممثل الجيش ومندوبو القوميين والملكيين والإقطاعيين والبعثيين. لقد صدق الصديق عبد الجليل الماشطة حين قال لي ولم أصدّقه : خذ حذرك يا عدنان، فإنَّ رأسك مطلوب، وإنَّ المتصرف هو على رأس المخططين والمتآمرين على قتلك !! هكذا كان حال الحكومة والدولة آواخر سني عبد الكريم قاسم.

أمام الشرطة وفي المستشفى الجمهوري :

دخلتُ مركز الشرطة فقادني مأمور المركز أبو سامي ( أحد طلاّبي في المدرسة ) إلى غرفة تُطل على ساحة المركز العريضة فوجدت هناك ثلاثة من ضباط الشرطة الشباب ( معاونو شرطة، حسب الألقاب القديمة ) فشرعوا على الفور في تسجيل شكواي وما الذي وقع ومن هم الجُناة. دخل الغرفة طه عناد فكال لي الشتائم مُدعياً أنني أنا الذي إعتديتُ على شقيقه الأخرس المسكين !!! لم يردعه أحد من ضباط الشرطة.لم يطلبوا منه مغادرة الغرفة، لكأنَّ الأمر كله كان مسرحية دموية أُعِدت فصولها بإحكام ودقة. إنتهى التحقيق فغادرت المركز محاولاً إيجاد عربة أو من ينقلني إلى المستشفى. توقفت سيارة فيات إيطالية بجانبي فعرفت صاحبها : زميل الدراستين المتوسطة والثانوية الطبيب نعمة محمد العكّام. فتحت باب السيارة الأمامي وطلبت منه أن ينقلني إلى المستشفى الجمهوري الواقع في بداية منطقة باب المشهد. كنتُ ما زلتُ أنزف. أخذني الدكتور نعمة إلى غرفة العمليات
ففوجئت بطبيب من أهالي الناصرية أعرفه منذ زمن طويل هو الدكتور علي عبد الحسين مبارك ( غادر العراق بعد ذلك وعمل في المستشفى الأميري في دولة الكويت ). أجرى عملية التخدير الموضعي، شرع يقصُّ بعض شعر رأسي وينظف الجروح ثم بدأ عملية خياطة هذه الجروح. بين الصاحي والمُخَّدر سمعت صوت شقيقتي ( نجاة ) تبكي وتصرخ بصوت عالٍ : نجح الفاشيست أخيراً في قتل أخي !! رجوت الدكتور علي أن يفتح باب غرفة العمليات وأن يسمح لشقيقتي أن تراني جريحاً وليس قتيلاً. لطمت وجهها وناحت وبكت كأي إمرأة عراقية. رجوتها أن ترجع إلى البيت فإني بخير. ما أن غادرت شقيقتي غرفة العمليات حتى دخلها صهري الأستاذ عبد الجبار عبيد السلطاني. نقلوني إلى إحدى الغرف الخاصةّ بسريرين حسب طلبي. بعد فترة قصيرة جاء والدي كي يمضّي الليل معي لعلني أحتاج شيئاً هاماً. كان المُضمّد المشبوه محمد الياسين دائب الحركة، لا يكاد يغادر الغرفة حتى يأتيها ثانية. مرة بحجة قياس نبض القلب وأُخرى يسأل هل أحتاج إلى شيء. لقد فاجأه وجود والدي معي في نفس الغرفة. لعله كان يُبيّتُ لي شراً، يُكمِل به ما لم تستطع العصابة المجرمة من إنجازه : قتلي بالسم أو بإبرة أو خنقاً.
أيقظني منتصف الليل صوت رجل عرفته إذ فتحت عينيَّ : نائب الحاكم فاروق محمد السامي. قرأ في ورقة شيئاً لم أفهمه ثم أفاد أنني موقوف لأنني إعتديتُ على شخص بريء مسكين هو الأخرس إبن عناد ( نسيت إسمه ). وضع الشرطي الذي كان برفقته قيود الحديد في معصم يدي اليمنى وقادني بسلسلة طويلة طالباً مني أن أتبعه إلى موقف المستشفى. ما كنت أقوى على المشي بصورة طبيعية فطلبت منه أن يترفق بي ولا يسحبني كما يسحب خروفاً. كان رده فظاً : إمشِ إمشِ سريعاً… هذه أوامر حكومة. ترك والدي المستشفى عائداً إلى دارنا بينما أدخلني الشرطي إلى غرفة صغيرة تقع بالقرب من مدخل المستشفى الرئيس. كان فيها ثلاثة أو أربعة أسرّة. خصص الشرطي لي أحدَ هذه الأسرّة. ربط طرف سلسلة الحديد بإحدى قوائم السرير وظلَّ الطرف الآخر ( الكُبُول، الكلبجة ) في معصم يدي. أطفأ مصباح الغرفة ومضى. إذن أنا المعتدي وأنا المتهم وأنا الموقوف خلافاً لتعليمات الحاكم العسكري أحمد صالح العبدي القاضية بمنع توقيف أيٍّ من أعضاء الهيئات التدريسية في فترة إنتخابات نقابة المعلمين.
نمتُ الليلة جيداً لأستيقظ فجراً على صوت والدتي تطلب من الشرطي حارس الموقف أن يسمح لها بالدخول لرؤية ولدها الجريح. إمتنع الشرطي باديء الأمر ثم لانَ فوافق بعد أن إرتفع صوت الوالدة. دخلت والدتي وكانت شقيقتي نجاة بصحبتها، جاءتا لعيادتي تحملان
لي شاي الصباح والفطور. بكت نجاة لكنَّ أُمّي لم تبكي. كانت شجاعة مقدامة كعهدي بها أبداً. رفعت بيدها سلسلة الحديد الطويلة التي تربط يدي بالسريرثم قالت : جريح ويخشونك ؟؟ (( مصوّبْ يُمّة عدنان ويخافون منك… مزنجليك بالحديد ؟؟ )). قرأت لها شعر الجواهري :

سلامٌ على مُثقَلٍ بالقيودِ
ويشمخُ كالقائد الظافرِ

كأنَّ القيودَ على معصميهِ
مفاتيحُ مستقبلٍ زاهرِ

أخرج الشرطي والدتي وشقيقتي فدخل الحاكم خليل ( الذي حاكمني وأفرج عني في إنتخابات العام الماضي ). كان مجيئه غريباً، لكنه لم يُطلْ وكان حاسماً إذ قال على عجل : أنا آسف، حصل خطأ في أمر توقيفك !! سألته ومن المسؤول عن هذا الخطأ ؟ أجاب بصلف وعنجهية : أنا المسؤول. لم يكد يخرج الحاكم من غرفة التوقيف حتى دخلها شقيقي الملازم قحطان. جاء الحلة من بغداد على عَجل، بعد أن كلّمته شقيقتي بالتلفون خلافاً لرجائي أن لا تفعل ذلك. طلبتُ إرجاعي إلى الغرفة التي حجزت لمكوثي فيها لحين شفائي. جاءني أحد موظفي المستشفى ( من آل وتوت ) بعربة دفع المرضى وشرع بدفعي نحو مختبر الفحص بأشعة أكس. أخذوا صوراً عديدة لرأسي ومواضع الإصابات ثم نقلوني إلى الغرفة. في الطريق نحو هذه الغرفة مرّت الطبيبة زينب توفيق الراوي التي كانت تعرفني وتعرف أهلي فحيتني بتحية الصباح ومضت إلى شأنها.
لم يمضِ الكثير من الوقت حتى جاءت وفود المعلمين تزورني وتطمئن وتُهنيء بسلامتي. خلال ذلك الجو الصميمي الحار الذي خفف عني كثيراً دخل الغرفة مدير المستشفى الدكتور عدنان القيسي. جلس على حافة سريري.كان واضحاً أنه جاء ليقولَ شيئاً هامّاً.
جال ببصره في أرجاء الغرفة وتطّلع في وجوه الزائرين ثم قال بصوت خفيض : أخي عدنان، أعرف أنك فقدت الكثير من دمك، لكني أهنيك لأنَّ الجمجمة سليمة.لم تُظهر صور الأشعة كسوراً في عظام رأسك. أريد أن أُخبرك بأمر: لقد إتصل بي متصرف اللواء قبل قليل من الوقت وطلب مني إخراجك من المستشفى !! ثم واصل كلامه بأسى ولوعة قائلاً : إذهب إلى بغداد وإرفعْ شكوى لدى المسؤولين الكبار هناك وسأكون شاهداً على ما جرى وسأكشف بكل جرأة ومسؤولية موقف المتصرف. غادرت مستشفى الحلة الجمهوري ولكن إلى بغداد. طلبتُ من أخي أخذي إلى مقر حملتنا الإنتخابية المركزي في منطقة البتاويين في بغداد. أوقفنا سيارتنا أمام المقر حيث إحتشدت جموعٌ كبيرة من المعلمين من أنصار قائمتنا. أخبر أحدهم المقر بأمري فجاء إلىَّ أحد مرشحينا وطلب نقلي إلى مستشفى فيضي الخاص. عالجني في هذا المستشفى الطبيب الجراح المعروف الدكتور رافد صبحي أديب. فضلاً عن أهلي وأخوتي،لم يفارقني الصديق الدكتور حسن عبد الرزاق الكفيشي. لقد زارني الكثير من أنصارنا خلال فترة رقودي في هذا المستشفى. ذهب وفد منهم إلى وزارة الدفاع وقابلوا آمر الإنضباط العسكري الزعيم عبد الكريم الجدّة. قصّوا له ما جرى لي في الحلة. لم يصدّق – أو لعله تظاهر إنه لم يُصّدق – روايتهم ثم قال : هل يحدث مثل هذا ويسكت المقدّم عبد الجبار؟؟ المقدم عبد الجبار هو شقيقي الأكبر.كان قبل قبل أن أحال نفسه على التقاعد مساعداً لعبد الكريم الجدّة وآمرَ سرية إنضباط الرصافة. ثم إنه أحد الضباط الأحرار وقائد إنتفاضة اللواء الأول في حامية المسيب فجر يوم الرابع عشر من تموز 1958. وكانت علاقته بعبد الكريم قاسم حميمة، الأمر الذي أغضب عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر، رفيقيه في تنظيمات الضباط الأحرار.
رفع الدكتور رافد صبحي خيوط الجروح من رأسي وإقترح عليَّ الذهاب إلى أحد حمّامات شارع الكفاح الشعبية والتمتع بالماء الحار وتدليك المدلّكين ثم شرب شاي الدارسين، ففعلتُ.

مشهد خلفي/ الطبيبان أمام المتصرف
[[ بعد معركة إنتخابات نقابة المعلمين ومحاولة قتلي ببضعة أسابيع إلتقيت صدفةً بالطبيبين نعمة محمد العكّام وعلي عبد الحسين مبارك كُلاًّ على إنفراد فقصّا عليَّ ما جرى لهما مع متصرف لواء الحلة ]] :
بعد إخراجي من مستشفى الحلة الجمهوري مباشرة، أرسل المتصرف المجرم خيري الحافظ يطلب مقابلة الدكتور نعمة محمد العكّام، الطبيب الذي تفضّل بنقلي بسيارته نازفاً من أمام مركز الشرطة إلى المستشفى. قال لي صديقي وزميل الدراسة وسليل عائلة العكّام المعروفة في الجانب الصغير من مدينة الحلة : طلب المتصرف مقابلتي، ذهبتُ إليه في مقره في المتصرفية فأخذ يعاتبني وأغلظ لي القول مؤنباً إياي قائلاً : كيف تجرأتَ على نقل هذا الرجل بسيارتك إلى المستشفى ؟ قال له صديقي الطبيب : قبل وبعد كل شيء أنا طبيب. وواجبي الإنساني والطبي يقتضيان مني أن أُساعد المرضى وأن أُسعف الجرحى، ولقد أقسمتُ على ذلك كما يفعل كافة الأطباء. كنتُ بمحض الصدفة ماراً بسيارتي في الشارع
فتوقفت لحظة أن رأيتُ شخصاً غارقاً في دمه وفي يده ورقة إحالة رسمية للتداوي والعلاج صادرة عن شرطة الحلة. طلب منه المتصرف الغبي والمتآمر والصفيق أن لا يُكرر ذلك !!؟؟
تذكّر خيري الحافظ بعد ذلك الطبيب الآخر، الطبيب الذي عالج جروح رأسي، الدكتور علي عبد الحسين مبارك. أرسل في طلبه عاجلاً. تمت المقابلة في مكتب المتصرف فكانت أكثر سخونةً من سابقتها. الدكتور علي غريب في الحلة، إنه من أهالي الناصرية. لذا فقد رآه المتصرف وحيداً وضعيفا لا من عائلة حليّة تدعمه وتقف وراءه. قال لي الصديق دكتور علي : لقد لامني المتصرف لأنني قمت بخياطة جروح رأسك. قال لي لا يستدعي الأمر لعملية جراحية. قال لي إنك بالغت في هذا الأمر ( وسويتها قَلَبالُغْ ). هذا
(( يقصدني أنا عدنان الجريح )) واحد ساختاجي !! كان رد الدكتور علي نسخة طبق الأصل لما قاله الدكتور العكّام لهذا المتآمر القذر : أنا طبيب. وكنتُ مساء وصول الشخص الجريح الطبيب الخفر في المستشفى. وعليه قمتُ بواجبي كطبيب لا أكثر ولا أقل. واصل الدكتور علي حواره الساخن مع المتصرف قائلاً : إذا كنتم مستائين مني وتعتبرونني شخصاً غير مرغوب فيه فأرى أن تمنحوني إجازة أقضيها مع أهلي في الناصرية. منحوه بالفعل الإجازة التي طلب.

ما بعد الإنتخابات
[[ شباط – آب 1962 ]]

كعادتها، نهجت الحياة نهجها الطبيعي المعتاد مُحايدةً هادئةً كأنْ لم تكن الأجواء آواخر كانون الثاني – أوائل شهر شباط شديدة السخونة حافلة بالمفاجآت والدعاوى المضللة والتحريض على الإعتداء والقتل. كنا – نحن أنصار القائمة المهنية – أُناساً مسالمين على رأس أهدافنا لا الفوز بالإنتخابات ولكنْ إطالة عمر جمهورية الرابع عشر من تموز مع السعي بكل الوسائل السلمية لتطوير النظام بإشاعة التعددية والديموقراطية وضمان حقوق التعبير وتشكيل الأحزاب والمنظمات والنقابات. كنا نتطلع إلى إنتخابات عامة يتمخض عنها برلمان أو مجلس أُمّة أو مجلس وطني. كنا، بإختصار شديد، في وادٍ… نحلم وكأنّا لا نرى ولا نلمس الخطر الجسيم المتربص بالعراق بنا وبنظام عبد الكريم قاسم.كان النظام معزولاً وكان مُختّرَقاً حتى النُخاع من قبل عناصر وجماعات وطوابير الجبهة القومية السياسية التي كان وراءها كل العالم الرأسمالي + حلف بغداد + جمال عبد الناصر والبعثيون والقوميون العرب + التيارات الدينية في العراق سُنيّة وشيعية. فلقد دأب السُنّة على إستغلال المناسبات الدينية ولا سيما المولد النبوي للتهجم العلني على النظام القائم والمُبطّن على عبد الكريم قاسم. أما علماء الشيعة فقد ترأس جموعهم السيد محسن الحكيم وأشعلها حرباً شعواء بفتواه الأكثر شهرةً : الشيوعية كفرُ وإلحاد !! كنا رومانسيين حالمين، نحاول بالنوايا الحسنة تقويم ما لا يمكن تقويمه وصد أو إيقاف الكارثة بالوسائل السلمية. كان أمام فيالق الجبهة القومية هدف واحد محدد وشديد الوضوح : إستلام السلطة ومحق كل من يقف في طريقهم عسكرياً أكانَ أم مدنياً. كان هدفهم كبيراً وواضحاً، وكانت أساليبهم لتحقيق هذا الهدف متنوعة ومتعددة ولديهم الأمكانات المالية والسلاح والإعلام والدعم الإقليمي والعربي وعواصم الرأسمال الجبّار. أما هدفنا فكان معتوتماً وهشاً وطافياً على السطوح، لا يتناسب وخطورة ما كان يجري على الساحة وما يُعَد لنا ولقاسم وحكومته ونظامه. شيء آخر ذو دلالة بالغة الخطورة : الحرب في كردستان. كانت الجبهة السياسية القومية ومن يقف خلفها من وراء الحدود ولاسيما شاه إيران، كانت تُزيد نار الحرب أُواراً وتعرف جيداً خطورة هذه الحرب على النظام القائم. أما نحن… فكنا نجمع التواقيع لإيقاف الحرب. أما إذا سيّرنا المظاهرات الحاشدة في قلب بغداد مطالبين بالإيقاف الفوري للحرب، تصدّت لها شرطة الحكومة وفرقتها بالعنف.

الدراسة في موسكو بدل الدراسة في إنجلترا

قلتُ في بداية هذه الفقرة إنَّ الحياة عاودت طبيعتها أو عادت إلى هذه الطبيعة كأنَّ شيئاً لم يكن. إستأنفتُ التدريس في متوسطة الحلة للبنين الواقعة على ضفة نهر الفرات في وسط المدينة. كذلك إستأنفتُ ممارسة مهماتي في التنظيم الحزبي. وجاء شهر الربيع نيسان
ليحمل لي بشرى ترشيحي لدراسة الكيمياء النووية في جامعة موسكو. كنا ستة زملاء تمَّ ترشيحنا أساساً في عام 1960 للدراسة في إنجلترا. لم يلتحق بزمالة أنجلترا هذه إلاّ إثنان منّا هما عادل فرنسيس رومايا وزميل آخر إسمه وداد. أما نحنُ الأربعة الباقون فقد تأجلَّ، ولأسباب نجهلها، سفرنا مرتين. لذلك جاء الترشيح الأخير بتحويل الزمالة الدراسية من إنجلترا إلى موسكو مفاجأة كبيرة. لم أصدّق الأمر… فلقد توقعت تأجيلاً مفاجئاً آخر…لكن لم تحدث مفاجآت أخرى درامية. كانت مؤسسة الطاقة الذرية يومذاك حديثة العهد وكانت تشغل بناية صغيرة متواضعة تقع في منطقة الشالجية من بغداد. وكان يديرها الفيزيائي الدكتور صلاح عزت تحسين (( أكمل الدراسة المتوسطة آواخر ثلاثينيات القرن الماضي في مدينة الحلة. كان زميلاً لأخي عبد الجبار وكان والده يملك صيدلية في الحلة. الوالد سوري الأصل لكنَّ العائلة أقامت في العراق طويلاً وربما أخذت الجنسية العراقية )).كانت هذه المؤسسة تابعة أصلاً إلى وزارة الصناعة، أما الزمالات موضوعة الحديث فكانت مُنحاً للوزارة من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية :
International Atomic Energy Agency ومقرها العاصمة النمساوية فيينا.
إنتهى العام الدراسي كالعادة آواخر شهر مايس أو أوائل حزيران فشرعتُ بالتأهب لإنجاز متطلبات ومعاملات السفر. كان عليَّ باديء ذي بدء ضمان موافقة مديرية التعليم العامة في وزارة المعارف كما كانت تُسمّى يومذاك للتمتع بهذه الزمالة. وكانت الموافقة تشترط تقديم طلب بالإستقالة من وظيفتي كمدرس. ثم موافقة مديرية البعثات العامة. ثم موافقة مديرية الأمن العامة للحصول على جواز السفر. وأخيراً الحصول على تأشيرة دخول أراضي الإتحاد السوفييتي.

في وزارة المعارف
كتبت عريضتي طالباً الموافقة على إستقالتي للإلتحاق بالزمالة الدراسية الممنوحة لي. دخلت على مدير التعليم العام الدكتور نعيم صرافة وعرضت عليه عريضتي. رفضها دون نقاش وكتب عليها (( لا أوافق )). قال : العراق بحاجة ماسة إلى المدرسين، خاصة بعد أن سحب عبد الناصر كافة المدرسين المصريين العاملين في العراق بعد تمرد الشواف في الموصل. حاولت إقناع الرجل بما أُوتيتُ من حجج ومنطق فباءت جميع محاولاتي بالفشل. رأيت الرجل، مع ذلك، مؤدباً وهادئاً، دنوت منه وقلت له : دكتور نعيم، إعتبرني واحداً من طلبتك، لا تعرقل زمالتي رجاء فإنها فرصة ثمينة لا تعوَّض. العراق بحاجة ماسة إلى ذوي الإختصاصات العالية. العراق يخرّج سنوياً مئات المدرسين لكن لا يأتيه في العام الواحد من حملة الشهادات العالية إلاّ نفر قليل. أصرَّ الرجل على موقفه فوجدت نفسي مُضطراً أن أحرق الورقة الأخيرة كمقامر محترف فقلت له : سيذهب الفضل لغيرك يا أستاذ ! تساءل مدهوشاً : ماذا تقصد ؟ أجبته إني قادر على الحصول على الموافقة على إستقالتي ! فلماذا تترك فرصة إسداء الجميل الذي هو تحصيل حاصل لغيرك ؟ شكرته وتركت مكتبه المتواضع وكان الباب مفتوحاً على الدوام. ولم يكن أو تكن للرجل سكرتيرة كما تقضي تقاليد هذه الأيام.
أخبرت أخي الأكبر عبد الجبار (( أبو صلاح )) بالأمر. نفث دخان سيجارته ببطء ثم قال هيا خذني إلى وزارة المعارف. أخذ عريضي في وزارة المعارف ودخل مكتب الوزير إسماعيل العارف. خرج من مكتب الوزير بعد حوالي عشردقائق وفي يده عريضتي وعليها بخط وتوقيع الوزير كلمة واحدة : (( أُوافق )). دخلت مكتب الدكتور نعيم صرافة ووضعت العريضة على مكتبه. قرأ ما فيها ذاهلاً مضطرباً قليلاً ثم سألني بما يشبه التوسل :
ماذا تقترح عليَّ أن أفعل ؟ هوّنتُ عليه الأمر قائلاً : لا بأس عليك أستاذ، تتكون جملة إعتراضك من كلمتين لا أكثر هما :” لا أُوافق “. إذا شطبتَ بخطك حرف النفي ” لا ” فسيتطابق أمر الوزير مع قراركم !! ستصبح { لا أوافق } { أوافق } .فكّر بعض الوقت ثم قال مغلوباً على أمره : كلاّ، سأترك قراري برفض الطلب كما هو. حصلت إذن الموافقة على الإستقالة لكنَّ هذه الإستقالة لا تعني شيئاً ذا بال. فالمعركة مع الروتين الحكومي وعرقلة عناصر الجبهة القومية المتمكنة في أجهزة الدولة لهي معركة شاقة وطويلة.
مع الدكتور محمد المشّاط / مديرية البعثات العامة
طلب مني مدير الإدارة أو رئيس الملاحظين في مؤسسة الطاقة الذرية المرحوم أمين الضاحي موافقة مديرية البعثات العامة على تمتعي بزمالتي. كان الطلب غريباً بقدر ما كان مفاجئاً. فالزمالة أساساً إحدى زمالات وزارة الصناعة، فما علاقتها بمديرية البعثات ؟؟!! محاولة أخرى لعرقلة المشروع وتخريب العلاقات الثقافية والعلمية مع الإتحاد السوفييتي، وخاصة تلك المتعلقة بدراسة علوم الذرة. كان المشّاط يومذاك مهووس النشاط في هذا الإتجاه. وكان بين الحين والآخر يقوم بزيارة عواصم الأقطار الإشتراكية ويجتمع بطلبة البعثات والزمالات ويحرضهم على ترك هذه البلدان واعداً إياهم ببعثات وزمالات أخرى في البلدان الرأسمالية ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.لم ينل المشاط في مساعيه المشبوهة تلك إلاّ أقل القليل من النجاح. فلقد إستجاب لندائه قرابة الأربعين طالباً فقط.
كنت على علم إذن أنَّ المشاط سيعرقل زمالتي. كنت أعرف أن هذا المشاط محسوباً على البعثيين وعلى قائمة الجبهة القومية في إنتخابات المعلمين. إذن هو لي في نهاية الأمر خصم عنيد ولدود. كان المرحوم أمين الضاحي من الموصل، ولا أدري هل كانت تربطه علاقة ما بالمشاط أم لا ؟ إذ ما كان طلبه أصولياً ولا يتسق مع منطق الأشياء وقوة السُلّم الروتيني، فوزارة الصناعة أكبر وأعلى مقاماً من مديرية البعثات. والوزارة تعني الوزير، بينما كان المشّاط مجرد مدير عام تابع لوزارة المعارف، شأنه شأن الدكتور نعيم صرافة الذي إستسلم فرفع يديه أمام قرار وزيره مُسلّماً بالأمر الواقع. قلت آنفاً إنَّ حكومة قاسم كانت مُختَرَقة حتى نخاع العظم.
قابلت الدكتور المشاط صبيحة أحد أيام شهر تموز الشديدة الحرارة حاملاً معي كتاب السيد أمين الضاحي الذي يطلب فيه موافقة مدير البعثات العام على زمالتي. قرأ المشاط الكتاب ووضعه أمامي قائلاً : آسف، لا علاقة لي بالموضوع !! ما علاقتي بزمالتك ما دامت وزارة الصناعة هي الجهة المانحة ؟ أنا مسؤول بعثات وزمالات وزارة المعارف فقط.
كان الرجل ظاهراً على حق، لكنه الحق الذي أُريد به الباطل !! كان في إمكانه التعليق على كتاب الضاحي بثلاث كلمات لا غير : لا مانع لدينا، ثم يضع توقيعه تحت هذه الكُليمات الثلاث. لكنه ولأمر مجهول – معروف إمتنع عن القيام بذلك. صرت أُلحُّ عليه أن يوافق وصار يصرُّ على رفضه وطال السجال بيننا. لاحظت خلال فترات النزال الحامي بيني والمشاط رجلاً قصير القامة لا أعرف من هو ولا أعرف كذلك طبيعة وظيفته.كان هذا الرجل دائم الدخول إلى مكتب المشاط والخروج منه حاملاً بعض الأوراق للتوقيع أو بعض الملفّات وما شابهَ ذلك.كانت غرفته مجاورة تماماً لغرفة المشّاط.إنتبهتُ إلى أنَّ الرجل كان يُصغي بإهتمام بالغ لما كان يجري بيني وبين المشاط. كنتُ أراه وهو في مكتبه يسترق السمع. ولما عجزت عن إقناع مدير البعثات العامة بعدالة ومشروعية طلبي أشار إليَّ من طرف خفي أن أترك المشاط وأن ألتحق به. ما كنت أعرف قصد الرجل، لكن الغريق إنما يتعلق بقشّة. شكرت المشاط متجهاً نحو مكتب هذا الرجل المجهول. لم أصدّق ما ترى العين : أخذ كتاب الضاحي من يدي وكتب عليه { أُوافق }، وضع توقيعه وختمَ الدائرة وأعاده لي قائلاً : إذهب، مع السلامة !! من كان هذا الرجل المُنقذ ؟؟ سألت عنه فيما بعد فأتاني الجواب : إنه الشخصية الوطنية والديموقراطية وأحد مرشحي قائمتنا المهنية
المركزية في بغداد الأستاذ (( صاحب حدّاد )). مرَّ الزمن سريعاً فأصبحنا أصدقاء أواسط سبعينيات القرن الماضي يوم أن كُنا نلتقي أُسبوعياً في صحيفة (( طريق الشعب )) لنساهم في تحرير صفحة ( التعليم والمعلّم ). ذكّرتُ أبا سِنان بفضله العميم عليَّ وقصتي مع المشاط لكن الرجل لم يتذكر ذلك.
[[ تعقيب : ظهرت في بعض أوساط جامعة بغداد والبعض من حَمَلة شهادة الدكتوراه شخصيات أحاطتها دوائر متداخلة من الغموض والألغاز. فلقد ظلّت هذه العناصر مُدللة ترفل بالمناصب والوظائف الرفيعة دون أن يكونوا على مستويات علمية رفيعة أو متميزة. لم يمارسوا التدريس في الجامعات العراقية ولم يجروا أبحاثاً في مجالات إختصاصهم المزعومة. بدل ذلك تسنموا الوظائف القيادية كالوزارات والسفارات ورئاسة الجامعات. محمد المشاط أحد هؤلاء المدللين الغارقين في النِعم دون جدارة أو إستحقاق. لا أحد يعرف حقيقة إختصاصه ولا أحد يعرف موضوع رسالته أو مستوى شهادته. تسنَّمَ هذا المشّاط بعد إنقلابي 1963 وعام 1968 مناصب رفيعة عديدة، فلقد أصبح أواسط سبعينيات القرن الماضي رئيساً لجامعة الموصل ثم وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي حتى أوائل عام 1978 حيث أُعتمد سفيراً للعراق في بعض العواصم الأوربية ( لندن أو باريس) لينتهي أخيراً سفيراً في واشنطن. وحين إقتنع بإفلاس نظام صدام حسين وقربه من حافة الإنهيار بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 ترك السفارة العراقية في واشنطن ليستقر لاجئاً سياسياً في كندا. لِمَ لمْ تقبله أمريكا لاجئاً ؟؟ ذلكم هو السؤال العسير !! سيبقى محمد المشّاط لُغزاً مُحيّراً عِلماً إنه لم يكن اللغز الوحيد في الساحة العراقية، فهناك العديد سواه أعرفهم كما يعرفهم غيري ]].

بقيت أمامي جولتان كبيرتان حقاً.

في مديرية الأمن العامة / عبد المجيد جليل
قدمتُ إلى مديرية الأمن العامة في بغداد طلباً للموافقة على تزويدي بجواز سفر لغرض الإلتحاق بالزمالة الممنوحة لي للدراسة في جامعة موسكو. لم تحصل الموافقة !! فإلى أين أتجه ؟ ما كان لديَّ إلاّ الشقيق الأكبر عبد الجبار ( أبو صلاح )، رافع همومي وهموم العائلة. أخبرته بأمر رفض طلبي فقال هيا سريعاً إلى مديرية الأمن العامة. دخلنا مبنى المديرية فتركني لدى مدخل مكتب المدير العام ودخل. طال إنتظاري قريباً من باب المدير العام. قلقتُ قليلاً فأكثرتُ من التمشي هنا وهناك تصريفاً للقلق. كنت ولم أزل بعيداً عن التدخين. خرج أخي لينقل لي سبب رفض طلبي : كانت هناك أمام محاكم الحلة دعوى مُقابلة أقامها ذوو الأخرس ضدي بإعتباري أنا من قام بالإعتداء عليه، وأنَّ هذه الدعوى لم تُحسم بعد. نصحني أخي أن أقوم بالتنازل عن دعواي مقابل تنازل الأخرس عن دعواه
الباطلة والمفبركة أساساً. فاتح أحد أقاربي أخا الأخرس المدعو( محمد عناد ) بموضوع التنازل المتقابل فوافق في الحال. إنعقدت المحكمة برئاسة الحاكم السيد ( حمزة بَحَرْ ) ففاتحته بمسألة التنازل المتقابل. إمتعظ قليلاً ولامني قائلاً : لِمَ لم تفعل ذلك منذ البادية ؟ شرحت له ظروف سفري للدراسة خارج العراق وإنَّ هذا الأمر أملى عليَّ ضرورة التنازل عن حقوقي. أخبرته بقصتي مع مديرية الأمن العامة وعرقلة حصولي على جواز السفر. أغلق الحاكمُ الملف ثم زودني – حسب طلبي – بكتاب إلى مديرية الأمن العامة يبين فيه تنازل الطرفين عن حقوقهما.
قال لي أخي بعد مقابلته عبد المجيد جليل ما يلي : طلب هذا الرجل الملف الخاص بي. أخرج منه ورقة ثم شرع بالقراءة. قرأ حوالي عشر نقاط متسلسلة الأرقام. أنهى القراءة وناوله لأخي كيما يقرأ ما فيه. قرأه أخي وأعاده للمدير. الكتاب صادر من مديرية أمن الحلة. تقول النقطة الأولى عنّي : إنه واحد من زمرة ( إتحاد الشعب الضيّقة ). وفي الأخرى إني أستخدم سيارتي الخاصة للأغراض الحزبية. وإني أقود الحملة الإنتخابية في الحلة لقائمة الشيوعيين الفوضويين غير الموالين للزعيم عبد الكريم. وقرأ أخباراً أخرى غيرها لا قيمةَ لها.
أصبح جواز السفر في جيبي.
[[ تعقيب : أعدم إنقلابيو شباط 1963 مدير الأمن العام عبد المجيد جليل… ]].

أنجزت مهمتين عويصتين ولم يتبقَ أمامي إلاّ مسألة واحدة : الحصول على تأشيرة دخول أراضي الإتحاد السوفييتي. هُرِعتُ إلى مبنى السفارة الروسية في الكرادة الشرقية في بغداد مع كتاب ترشيح الوكالة الدولية للطاقة الذرية للدراسة في جامعة موسكو. فضلاً عن كتب موافقات الجهات العراقية ذات الصلة : وزارة المعارف ووزارة الصناعة ثم الأمن العامة. وعدني الموظف المسؤول بمفاتحة السلطات المختصة في موسكو. قال عُدْ وراجعني بعد أسبوع أو أسبوعين. راجعته قبل أنْ ينتهي الأسبوع الأول. أجابني بلهجة مصرية
(( للأسف، ما حصلشِ حاجة )). راجعته قبل نهابة السبوع الثاني. أعاد عليَّ نفس الجواب (( للأسف، ما حصلش حاجة )). كان الوقت آواخر شهر تموز فقلتُ لهذا الموظف مطلوب مني أن ألتحق بجامعة موسكو في الأول من شهر أيلول. ثم إني عازم على زيارة بعض العواصم الأوربية قبل دخولي أراضي الإتحاد السوفييتي. رجوته أن يسعى للتعجيل في إصدار الفيزا ( تأشيرة الدخول ). لم يُعلّق. زرته مرة أخرى بعد ثلاثة أيام فقال : كل شيء جاهز الآن . هل معك جواز سفرك ؟ أخذ الجواز ووضع عليه ختم تأشيرة دخول الإتحاد السوفييتي.لم أصدّق،لم أُصدّق ما يجري أمام عيني. غادرتُ مبنى السفارة فسرحتُ مع خيال غريب، تصورتُ نفسي في مدينة موسكو فعلاً لا خيالاً. أقود سيارتي الروسية الصنع، موسكوفيج، في شوارع بغداد على غير هدى. أنا في موسكو إذن. كلمة موسكوفيج تعني موسكوفي حسب فقه اللغة الروسية. كما نقول في العراق : بغدادي أو كاظمي أو سامرائي أو رصافي أو بصري… مجرد نسبة إلى مدينة.
عدتُ إلى مدينتي الحلة لإتمام مستلزمات الغياب الطويل من ملابس وسواها. فأمد الدراسة ست سنوات. قررت أن أقضي معظم شهر آب في العاصمة الجيكية براغ قبل دخولي الإتحاد السوفييتي. زرت السفارة للحصول على تأشيرة الدخول. أخبرني الموظف المسؤول أن موافقة براغ على منح الفيزا تستغرق عادةً فترة شهر. السفارة في بغداد غير مُخوّلة بإصدار تأشيرات دخول. أُسقِط في يدي وضاعت مني فرصة زيارة العاصمة الذهبية براغ. نصحني أخي الأكبر أن أزور العاصمة النمساوية فيينا، فلقد سبق له أن زارها ضمن وفد عسكري في طريق عودة الوفد من موسكو إلى العراق. أعجبته المدينة فشجّعني على زيارتها. راجعت القنصل النمساوي الفخري في بغداد فمنحني التأشيرة النمساوية على الفور.
قضيتُ الأيام الأخيرة في الحلة مع بعض الأصدقاء وخاصة الصديقين الحميمين حسين صالح وشوكت عباس. قمنا معاً بسيارتي بجولات في بعض نواحي وأقضية وبساتين لواء الحلة حاملين معنا طعامنا وشرابنا لمجرد الصُحبة وقضاء الوقت المتبقي الأخير لحين حلول اليوم السادس من شهر آب 1962 ، يوم الطيران على الخطوط الجوية العراقية إلى فيينا في الطريق إلى موسكو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *