الرئيسية » مقالات » صور من الواقع العراقي

صور من الواقع العراقي

الصورة الأولى

من يدخل مدينة النجف وخصوصا على مشارفها الجنوبية فقبل ن تواجهه القبور وهي تمتد لعدة كيلو مترات كان يستقبل بمساحة خضراء وبعض الزهور والمصابيح الملونة ونافورات الماء لمتنزه ومدينة الألعاب في النجف ليطغى مشهد النماء والحياة والطفولة على مشهد ألامات ومظاهر الحزن والألم والفراق الأبدي وبعدها يتلقفه شارع يكتظ بعالم ألسيدي الصاخب بأنواع البكائيات والمراثي وندب الأحبة والأهل بالإضافة إلى صيغة من استجداء لمفترشي الشارع مع مكبرات صوت متنقلة وهم يتبارون في إثارة شجن المارة بأنواع وإشكال المراثي .
وبهذه الصورة تكون مظاهر الحياة قد سبقت مشاهد الموت والفناء مشهد الطفولة واللعب وذكريات الطفولة والصبا والعشق والنماء سبقت مظاهر الألم وخريف الحياة والموت…..
كنا نأمل إن تتسع الساحات والحدائق الخضراء في المدينة بعد اتساع حيز الحرية باختفاء الدكتاتور وصوره المقرفة لتغطي مزيدا من مظاهر التصحر والمقابر ولكن ما حصل فعلا هو زحف المقابر لتحل محل الحدائق والمتنزهات … ففي ساحة وحديقة العشرين انتصبت قضبان الحديد وأعمدة الاسمنت ليرقد هناك شهيد المحراب رحمه الله وفي متنزه ومدينة الألعاب الوحيدة في النجف حل محل الأشجار جثمان الشهيد السعيد محمد باقر الصدر بعد إن تم نقل رفاته الشريف من مثواه الأصلي داخل المقبرة ليطل على الشارع العام …
لا نقول شيئا فان مثل هذه الرموز المضحية والكبيرة تستحق إن تتوسد وتشرف أجمل وأكثر الأماكن هيبة وإجلالا … نتمنى على المشرفين ومصممي ومهندسي البناء لهذه المراقد الشريفة إن يأخذوا باعتبارهم إن الشهداء إنما ضحوا بأرواحهم من اجل أن تزدهر الحياة ليخلدوا الجمال والكمال ولتكن حياة الإنسان أكثر ثراءا وابتهاجا وسعادة .. ولذلك نأمل إن تحف بمراقدهم الزهور والرياحين والأشجار الجميلة المشذبة ونافورات الماء ناشرة نغم الحياة ورذاذ ناعم لصنع الحياة وهو يعانق القداح والياسمين وان تكون صرحا كبيرا للثقافة من المكتبات وقاعات الاجتماعات والدرس ليكونوا شهدائنا العظام محاطين بما يحبون تحف بهم وتردد أسمائهم وتذكر وتعظم تضحياتهم الزهور والطيور والثقافة والإنسان لتظل إعمالهم وأثارهم خالدة …
ومن اجل إن لا يتعرض زائري0المدينة لسلسلة من مشاهد الموت والمآتم ولربما لأكثر من مرة في اليوم الواحد ولا شهر وسنوات عديدة………. بالتأكيد لعلماء وأخصائي علم النفس ولبابلوف رحمه الله رأي في تكرار مثل هذه المشاهد على النفس البشرية ولاسيما الأطفال.

الصورة الثانية
العناوين و الأسماء والمسميات

نحن جيل الخمسينيات حينما تعلمنا القراءة والكتابة في بداية الستينات إن نقرأ الأسماء والعناوين التالية على المقاهي والفنادق والكازينوهات والمطاعم وصالونات الحلاقة …. الخ مثل كازينو الشعب , السلام والحرية والعمال الكادحين ….الخ واسم مناضل وثائر وكفاح وسوزان وشهيد وسلام …الخ وقد تم تطعيمها بعد انقلاب 1963 بأسماء مثل عروبة وقاهرة ووحدة وعبد الناصر .الخ أخذتخذت هذه الأسماء أيضا حيزا كبيرا من الواجهات واللافتات والمحلات العامة بعد انقلاب 1968.. مع إضافة أسماء وخصوصا صدام وعدي وقصي وحلا أي صدام وأولاده .
في الوقت الذي أخذت أسماء ومسميات مثل محمد باقر ومحمد صادق وأسماء الأئمة (ع) تحتل واجهات اغلب المحلات العامة …. بالإضافة إلى الأسماء مثل دعاء ومؤمل ومخلد وعمر وسفيان بالإضافة إلى ذلك فلا غرابة إن ترى مثلا ( اشخص الفلاني كاسم الشخص أو العشيرة) وبعدها ترد عبارة سابقا مثل الشعب سابقا أو فندق الرضا الحرية سابقا أو مدينة الصدر الثورة سابقا حيث كثرة سابقا خلف الكثير من أسماء المدن والشوارع والحارات والمطاعم …الخ.
ونرى إن عدد من هذه الأسماء والمسميات الجديدة على الرغم من كبر حجم لافتاتها وكثرة عددها فلم تستطع إن تحل محل أسماء السابقة بل سرعان ما طواها النسيان ليستمر الاسم السابق تداوله الألسن إن هذا لابد إن يدل على رسوخ السابق وثباته بوجه اللاحق وبالتالي تلاشي السطحي المفتعل وتبدده كما تبدد الريح غيوم الصيف على الرغم من إن بعضها قد يذكر بعهد الدكتاتورية والاستبداد ولكنه قد استوطن اللاوعي بعد ترداده لسنوات طويلة .
يجدر بنا الوقوف إمام مثل هذه التغيرات والمتبدلات الواقعية منها والمفتعل ونأخذ العبرة من تحولاتها وتلونها وزوال بعضها وديمومة الأخرى.

الصورةالثالثة

في الليل وقبل اختفاء الدكتاتور ونحن نجول في الشوارع وأسواق المدينة يلفت نظري إشكال وأنواع الإقفال والسلاسل الحديدية من كل القياسات وهي تحكم قبضتها على أبواب المحلات والدكاكين وقد تفنن صناعها في طريقة تحويرها وإحكام وطرق إقفالها وفتحها ناهيك عن إشكال وإحجام القاصات الحديدية…
وان سرت في شوارع الإحياء وخصوصا إحياء الأغنياء غالبا ما أجفل خوفا وفزعا من نباح الكلاب المتحفزة للهجوم والافتراس من خلف مغاليق الأبواب الثانوية المشبكة . وكثيرا ما قفزت فزعا من مباغتة الزعيق والصفير المستتر في بعض السيارات الفارهة إن لامستها أيادي احدهم عن طريق الخطاء او العبث والفضول.
انه الخوف الشديد والفزع المرعب والرهبة الطاغية من غدر وهمجية ولاعقلانية وعدوانية وشراسة الخارج وتهوره وعدم مراعاته لأية حرمة أو أي عائق ليحول دونه ودون انقضاضه على الداخل مالا او ارواحنا…..
عشية 94 3002 وما بعدها انقلبت الصورة تماما وإذا المخلص هو الخارج بكل جبروت وعظمة عدده وعدته وهي تحمل لنا كما تزعم تباشير الحرية والخلاص من قيود العبودية والدكتاتورية … لتتبخر أسطورة الخوف من الخارج (المفترس والمتآمر) . وكلما مرت الأيام والأسابيع حتى يتعاظم خطر الداخل حيث انطلق من أجمات الداخل وقمقم خوفه من الخارج وحش كاسر يعمل على إحراق وسلب ونهب كل شيء …ووصل الأمر إلى قتل كل حي يتحرك فتناثرت جثث ضحاياه في الشوارع والأنهار وتناثرت على جوانب عرينه الرؤوس المقطوعة والأوصال المقطعة…
ماذا نحن فاعلون…. هل نغلق …. او نفتح الأبواب هل نتقي شر الخارج أم نتقي شر ووحشية الداخل … وهناك من يشير لنا إلى إن كل البلاء من الخارج … إما الأخر فهو يعزي كل هذه المآسي للداخل
فقد حكمائنا رشدهم وقد وقفوا عاجزين … فما حال أطفالنا ونسائنا وأجيالنا القادمة … نعود لنسال ويسال نصف الخارج ونصف الداخل وأيهما يجدر بنا إتباعه وكليهما ملطخة أياديه بالدماء.
نسال هل الانتقال من الدكتاتورية المطلقة إلى الحرية المطلقة تسبب كل هذه الساديةوكل هذا السعار ؟؟؟؟
هل ننظم إلى الداخل بذئابه المسعورة أم نصفق للخارج وقد اسقط من أيدينا حتى اسمه وظله الزائف كمحرر وثبت على جبينه صفة الاحتلال … أم نختار الترقب والجلوس حتى يوافينا الأجل بعد فقد حلم الحرية والأمل…؟


لاخلاص الا بالشفافية”(الصورة الرابعة)
————-.
غالبا مايكرر مسؤولينا ومحللينا السياسيين مصطلح الشفافية كونها أمرا لابد منه لتكون الحقائق واضحة أمام الشعب وتكشف المستور.
هذا الوصف قادني إلى أن اهتدي لحل لمشكلة الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وما تجر إليه من الرزايا والضحايا تهون دونها كل الصعاب … وقد قرأت مرة إن الجزائريين تركوا عادة الصياح والنحيب على شهدائهم من المقاومين للاستعمار الفرنسي خوفا من الملاحقة والاعتقال… فما أسهل أن نتعود على ارتداء الملابس الشفافة أو البقاء بالشورت القصير.. وما أسهل أن تكون حقائبنا.. وأكياس حوائجنا شفافة…. وبديات سياراتنا من الزجاج الشفاف في الأسواق والحدائق والشوارع والدوائر… التزاما بمبدأ الشفافية وبذلك يصعب حمل اوشد اوزرع المتفجرات والعبوات والأحزمة الناسفة مما يمكننا من انقاذارواح ألاف الأرواح من الموت ووفرنا مالا وفيرا وقضينا على مظاهر التفاوت الطبقي …..حيث يبدو كل شيْ واضحاامام العيان وكفتنا الشفافية شر الإرهاب… وقضينا على الفساد المالي إذ ستكون محتويات الحقائب الدولار ية مكشوفة معروفة ولا حاجة لنا للجان النزاهة….فلنهتف جميعا تحيا الشفافية…. فلتحيا الشفافية ونحن نحيا بظلها بالأمن والعدل والسلام والرفاهية من زاخو للشنافية..
صورة لم يراها غيري ومن يريد أن يراها فليكن شفافا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *