الرئيسية » مقالات » على مسؤوليتي..حرب الديوانية وزراعة المخدرات

على مسؤوليتي..حرب الديوانية وزراعة المخدرات

مسؤولية الكاتب والامانة والاخلاق والغيرة على ارواح مواطني مدينة الديوانية وامنهم وكراماتهم تقتضي البحث في خلفيات الدوامة الامنية لهذه المدينة العراقية الطيبة، إذ لا تهدأ الدوامة قليلا إلا لتندلع على نحو اكثر عنفا وتدميرا، فيما السياسيون واصحاب الملف الامني والمسؤولون يواصلون لعبة تخدير الجمهور بجرعات اكسباير من التطمينات والتفسيرات واتفاقات بوس اللحى، او في افضل الاحوال، التعبير عن الشفقة الباردة على ما يحدث في الديوانية التي عرفت على مدى تاريخ العراق المعاصر كحاضرة مدنية حيوية وكمجتمع يقدم نفسه مثلا للسلام الاهلي.
المسكوت عنه في هذه الدوامة التي تعيشها المدينة منذ اكثر من عام يتمثل في زراعة المخدرات في الحدود الادارية للمحافظة ، وطبعا، في الاموال التي تتدفق على اسياد الدوامة الامنية من هذه الزراعة المحرمة دوليا وصحيا واجتماعيا واخلاقيا، وغاليبة المنتفعين واوليائهم(من المؤكد) يعرفون الله وقبلة الصلاة والايات القرآنية التي تردع المتاجرة بالحرام، وتفيد مصادري التي اثق بها، واتحمل تبعة معلوماتها، فان صحفيين معروفين لديَ حاولوا دس بصيرتهم وكاميراتهم في الخطوط الحمراء لزراعة الخشخاش(الحشيشة) في المحافظة لكنهم تقهقروا إذ تلقوا تهديدات بالقتل بوجوب التخلي عن المحاولة، ويقول اكثر من مواطن ان هذه الزراعة المحمية باحزاب ومليشيات متنفذة تتمركز في الاراضي المروية جيدا في جنوب وغرب المدينة وعلى مشارف بلدات غماس. الشامية. الدغارة. الشنافية.
ومن الطبيعي، كما يقول لي-عبر التلفون- موظف دولة في المحافظة “ان لا يسمح مسلحون واصحاب سطوة فرض اجواء الاستقرار في المدينة بما يوقف جميع الانشطة اللاقانونية واللاصحية” ويضيف “تهريب الحشيشة عبر الحدود المتخمة ليس اخطر من تهريبه المنهجي الى اوساط الشباب الساخط والعاطل عن العمل إذ تتزايد اعدادهم في المحافظة وجميع مدن العراق على نحو مخيف” ومنذ شهور قليلة رصد الصحفي البريطاني المعروف باتريك كوك بيرن في الاندبندنت اسباب انتشار زراعة الحشيشة في هذه المنطقة تتمثل في “غياب حكم القانون والتنابزات الاجتماعية والسياسية، وحرب الإرهاب والطوائف” وذهب الى ابعد من ذلك بالقول ” إن مزارعين على طول الفرات، الى الغرب من مدينة الديوانية، جنوب بغداد، أوقفوا زراعة الرز في أراضي مناطقهم التي اشتهرت بزراعته، واستبدلوه بزراعة الخشخاش” وعندما سألت محاميا من ابناء المدينة عن هذه المعلومات اكدها جملة وتفصيلا، واضاف قائلا “ما كان لهذا ان يحدث من دون ترخيص، بل وتشجيع، وربما سباق وتنافس لساسة ومسلحين متنفذين في المنطقة”.
الغريب في هذا الامر، المسكوت عنه، انه يجري مجرى ما حدث في افغانستان، ويتخفى، مرة بصوت عال، تحت ذريعة حاجة الفلاحين الفقراء وعائلاتهم الى موارد عيش يسدون به رمقهم، ومرة اخرى بحجة استخدامه اداة لتخريب نفوس الاعداء، ومرة ثالثة، بدواعي شرعة الجهاد في سبيل الله.. ذلك هو المسكوت عنه في حرب الديوانية اليومية، ولدينا الكثير من الاسماء واللاعبين بوجوه اتسخت بهذه الجريمة.
اتفق مع كوكبرن تماما بتحميل قوات الاحتلال مسؤولية “التفرج” على زراعة وانتشار وتهريب الحشيش في العراق، اخذا بالاعتبار حقيقة ان الصحف الغربية نشرت طوال عامين المزيد من التقارير الميدانية عن هذه الزراعة التي انتقلت-لا احد يعرف كيف- من افغانستان، كما نشرت وقائع عن محاكمات ومخالفات ارتكبها جنود امريكان وبريطانيين بالتعاطي مع ترويج وخطوط تهريب هذه السموم.
ويمكن الاخذ بحذر، لكن من غير نفي، معلومات متداولة بحدود ضيقة عن دخول دول مجاورة وربما اجهزة دول في الشرق الاوسط على خط نشر المخدرات في العراق، وهو سلاح-كما معروف- يستخدم في ما يسمى بالحروب القذرة، ويبدو على ضوء ذلك ان العراق، الان، صار ضحية لجميع انواع الحروب، الكلاسيكية والارهابية والنفسية والتوسعية والطائفية، واخيرا القذرة، ومما له مغزى هنا ان فائضا من تلك الحروب بدأ يتدفق، بالعكس، على الدول المجاورة، موصوفا بالاعمال الانتحارية والمخدرات والشحن الطائفي ومخزونات الاسلحة واصحاب اللحى والدشاديش القصيرة.
وإذ تجمع التقارير على وجود رقابة صارمة في كردستان العراق تحول دون انتشار ترويج هذا النبت الشيطاني، فضلا عن الظروف البيئية الباردة وضيق الاراضي المروية غير الملائمة لزراعته، فان الكارثة تبرز اكثر فاكثر في مناطق وسط العراق، زراعة، وفي اقصى جنوبه، تهريبا وتجارة محرمة، وطبقا لتقرير دولي فان “مهربي المخدرات يستعلمون لمدة طويلة العراق كنقطة عبور للهيرويين، المنتج في مختبرات الخشخاش بأفغانستان، ويرسل عبر إيران الى الأسواق الغنية في الخليج” ويضيف “في الحقيقة، ليس من المحتمل أن يكون قرار المزارعين بزراعتها كان تلقائياً أو عفوياً، فإن هناك على ما يقال جهات سياسية ومسلحة تشجعهم وتحميهم،فاصبحوا مجهزين بسيارات جيدة، وأسلحة وليكونوا منظمين جدا ويقول ” العنف في الديوانية، مثلا، كان قد تصاعد خلال الشهرين الماضيين مدفوعاً بشكل أساس بأسباب التنافس على السيطرة على إنتاج أشجار الأفيون، لكنه سرعان ما اتسع ليصبح حرب عصابات عامة”.
ان تعويم مسؤولية اسياد الحرب في محافظات الوسط والجنوب عن زراعة وترويج سموم المخدرات في مسؤوليات اخرى لا يعني إلا شيئا واحدا هو اجبارنا على قبول زراعة الخشخاش في العراق باعتباره قدرا خارجيا او ارثا تاريخيا يعود في زراعته-كما يزعم- الى السومريين ماقبل ثلاثة الاف سنة ما يجدر الحفاظ عليه كموروث فولكلوري.. انها احدى اباطيل الحرب القذرة التي تشن علينا.
ـــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“المجتمع كالسمك يفسد من رأسه”.
جبران خليل جبران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *