الرئيسية » مقالات » تصريحات الرئيس الأسد الأخيرة:(زلة لسان)أم خطاب متلعثم؟

تصريحات الرئيس الأسد الأخيرة:(زلة لسان)أم خطاب متلعثم؟

ما الذي حدى بالرئيس السوري بشار الأسد بإجتياز”المحرمات” في خطاب نظامه السياسي و”الإستقواء بالخارج” ضد دولة عربية؟ ما الذي اوصله لحد تبرير بل وتشجيع القادة الأتراك على الحل العسكري لقضية حزب العمال الكردستاني وعدم الإكتراث بخرق سيادة دولة عربية؟ ما هي الخلفية التي يرتكز عليها في تبرير مثل هذا الموقف؟ وكيف يمكن تفسير إنشراحه وإستعداده النفسي ليطلق تصريحاته تلك من الأراضي التركية نفسها والتي فتحت اجوائها، قبل بضعة ايام فقط من زيارته لها، امام الطيران الإسرائيلي لقصف مواقع في العمق السوري؟
بعض من إعتادوا على سماع وقع ركائز الخطاب الرسمي للنظام، “ثوابته” و”محرماته” و”خطوطه الحمراء”…اعتبروا هذا النبأ “زلة لسان”، او إطراء من باب المجاملة، اوجبه المكان والموقع الذي تحدث منه (!؟). لكن المطلعين على مماراسات نظامه، والمعنيين والمعانين من الخلل بين النظرية والتطبيق في الأداء السياسي للقيادة السورية الراهنة، اعتبروا ذلك مؤشراً “لإنزلاق” جديد في سلسلة طويلة من التراجعات عن “الثوابت” التي ينزع النظام لإضفائها على صورته ودوره القومي-العربي؛ ودليل على تخبطه في حالة من اللاادرية لفقدان النبراس الإهتدائي في رؤية وإقشعرار خطواته المستقبلية. وحتى إذا كان ذلك، كما فسره البعض بـ”زلة لسان”، فهي في الحقيقة اقرب لنبرة معروفة تعبر عن نزعة مرضية في خطاب متلعثم يتطابق مع طبيعة النظام واسلوبه الركيك في التعامل مع المستجدات. فالتناقضات العملية المتراكمة في ساحات السياسة الداخلية والخارجية وذبول، ان لم نقل التقهقر التام لمبادئ خط سياسي استراتيجي..جعله “يخلط الحابل بالنابل” وترتبك مساعيه في إعادة رسم خريطة اعدائه وحلفائه في المنطقة والعالم.وتثبت عبثية سباحته بعكس تيار الأحداث.
لقد كانت ردات الفعل المتنوعة على تصريحات الرئيس السوري، متفقة اولاً على اعتبار”تأكيده على حق تركيا الشرعي باجتياح حدود العراق”من الشمال الكردي لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني- التركي،- إنعطافاً خطيراً عن المسار”الإيديولوجي” على الأقل وطنياً وقومياً؛ وخرقاً فاضحاً وواضحاً لصميم الأفكار التي اسست القاعدة الفكرية والنظرية لحزب البعث”القائد للدولة والمجتمع السوري”، بل ولمصالح سوريا التاريخية والحيوية الراهنة في آنٍ واحد. فكما نعلم، ان مذكرة قرار البرلمان التركي جاءت اصلاً كـ”ردة فعلٍ على نية الكونغرس الأمريكي استصدار قرار يدين إبادة الأرمن في القرن الماضي” ومحاولة، على طريقة الدبلوماسية العسكرتارية التركية، لثني عزمهم في المضي في هذا الإتجاه..إلا ان “نبرة تشجيع” الرئيس السوري للأتراك في المضي قدماً في اتجاه التصعيد ضد الأكراد كانت كـ “نوطة شاذة” بغير موضعها، وفرط مجاني بالمصالح والمواقف حتى قبل ان يتبين حقيقة لعبة التهويل التركية!
لكن المطلعين على حقائق الوضع السوري الداخلي ومعطيات الملف الكردي منه بشكلٍ خاص، يشيرون إلى حقائق اخرى وراء هذه التصريحات المتهورة في السرعة، ويؤكدون على الخلفية الحقيقية، الغير معلنة لهذا التشجيع “المجاني”. فقد إلتجأ هذا النظام في مراحل مختلفة لممارسات من هذا النوع. فبدايات الإهتمام السوري بحزب العمال الكردستاني ظهرت في الثمانينات، و صنفت آنئذٍ في اروقة السياسة السورية “كورقة ضاغطة” مزدوجة الأهداف، استخدمها النظام في وجه تركيا في عهد الأسد الأب لحملها على التنازل في عدة قضايا خلافية قديمة وحديثة، اهمها حصة سوريا من الماء ولواء اسكندرون وغيرهما.ومن جهة اخرى لإطلاء السياسية الشوفينية للنظام تجاه اكراد الداخل السوري لإمتصاص إمتعاضهم. في الإستخدام الأول لهذه الورقة ما زالت حية في الأذهان الطريقة التي انتهت بها التهديدات التركية على سوريا، في نهاية التسعينات، والتي تشبه لحدٍ بعيد لما نشهده اليوم من ضغوطات على العراق؛ وكانت النتيجة آنئذٍ رضوخ قيادة الأسد الأب للطلبات التركية وارغامها أوجلان- زعيم حزب العمال الكردستاني على مغادرة الأراضي السورية…لكن الفارق بين ما حدث قبل تسعة سنوات على سوريا واليوم على العراق هو- بالأمس كانت كل الدول العربية متضامنة مع سوريا وتدعو لحل المسألة بالحوار؛ اما اليوم فعلى الرغم من تكرار وقوف كل الأسرة الدولية والدول العربية وجامعة الدول العربية ضد الإجتياح التركي المرتقب للعراق، تبقى سوريا الأسد الأبن، الوحيدة تغرد خارج السرب، وتجاهر في طلبها لسحق الورقة التي إستغلها الأسد الأب طويلاً، وتدعو بصريح العبارة لخرق السيادة الوطنية لبلد عربي شقيق. وذلك بالعكس تماماً مما يروجه النظام من شعارات قومية ونهج عروبي..!
طبعاً نحن بعيدين كل البعد عن اعتبار هذا الموقف من النظام السوري بـ”التنازل الإضطراري عن المبادئ والحلفاء” بقدر ما نريد التأكيد على إمكانية سحب النتيجة، بعد سقوط الأقنعة، على ما تبقى من اوراقه المخبئة او المستترة في المنطقة وبالأخص في فلسطين ولبنان. فإسترسالاً على هذا السياق، هل نستبعد من هذا النظام ان يشترط، يوماً ما، لقاء حلٍ سلمي للقضية الفلسطينية تؤيده الدول العربية والأسرة الدولية..يشترط النظام ان تترافق عملية إحلال السلام بالضرورة مع القضاء العسكري التام على حزب الله وحماس؟
هذه المقاربة ليست من باب إستنتاج متعمد يراد به تلطيخ كل صفحات تاريخ نظام البعث، او تقييم لإستراتيجيته وتكتيكاته بالإعتماد على عامل واحد او ظاهرة واحدة. فهذه هي، في الحقيقة، النتيجة التي انتهى اليها كل اصدقاء النظام السابقين وهي النتيجة التي تنتظر اللاحقين، افراداً كانوا ام جماعات ام انظمة…فهذا هو المصير الذي آل اليه ربيبته ابي القعقاع حينما انتهى دوره في تجنيد الإرهابيين “لمقاومة” النظام العراقي الديمقراطي الفتي؛ وذلك كان مصير “فتح الإسلام” بعد ان استنفذت فرص اللعب بورقتهم لقولبة القرار الفلسطيني سورياً؛ وهذا هو مصير “الرفاق البعثيين قيادة قطر العراق” يتباكى مصيرهم ويلتقطهم في السر واحداً بواحد، ويدعو لإستباحة ارض العراق علناً؟!
والمفارقة تبدو اكثر من مدهشة وغريبة في وقعها وصرامتها إذا قارننا إستمرارية مواقف القيادة السورية نفسها بين زعامة الأب (امس) والأبن (اليوم) للحزب القائد الواحد في مسألة لم تتغيير في جوهرها واطرافها المعنية بشيئ! حيث تفقد مرجعية تحديد الأهداف معناه في تبدل “التقهقر” بـ” بالتطور” او “الحل” بـ”الإنهاء” في جدلية لا تقوم إلا على العبث بالمبادئ والأهداف. إذ تقوم سياسة سوريا الأسد(الأبن) ليس فقط بالتنازل عن ورقة حزب العمال الكردستاني التي داراها الأب طويلاً وبقيت فعالة لمدة طويلة سواء في “تلطيف”رعونة السياسة المتبعة بحق الكورد السوريين او في إرغام تركيا لإحترام بعض العهود والمواثيق الدولية في مسألة المياه والكف عن التعاون مع المنظمات الإسلامية المناهضة لسوريا الأب وعدم التنازل عن اسكندرون- المدينة السورية المحتلة من قبل تركيا، والتي، لسخرية القدر، ينتمي إليها احد مؤسسي البعث، زكي الأرسوزي، الذي كان سيرته الذاتية بكل تجلياتها تدفع نحو رفع غدر التاريخ بالتمسك بالعقيدة البعثية لتصحيح خريطة الجغرافية الوطنية.
ولكن إذا كان منطق توازن القوى المحلي والإقليمي في التسعينات من القرن الماضي يقضي، منطقياً، بتبني، الأسد الأب سياسة “تحفظ ماء الوجه بالحد الأدنى من الشروط الوطنية”، تبقى معارضة الأسد الأبن المشاكسة، للإجماع العربي والعالمي والمهينة حتى لقيادة و”مبادئ البعث الإستراتيجية”…بتأييد ومساندة إجتياح دولة عربية من قبل دولة اجنبية، تملك إتفاق تعاون عسكري مع إسرائيل..مسألة غير مفهومة ولا مبررة لا بعثياً ولا قومياً ولا وطنياً ولا إنسانياً! ومن سكت على مساعدة تركيا لإسرائيل وسماحها لها بإستخدام اراضيها لضرب عمق بلاده هو، هل يقوى على رفض خرق سيادة بلدٍ شقيق آخر؟