الرئيسية » مقالات » متى يقسم العراق؟

متى يقسم العراق؟

بين الفينة والاخرى يشتد الحديث عن مشاريع تقسيم العراق، حتى وصل ذروته هذه الايام، اثر صدور قرار مجلس الشيوخ الاميركي (غير الملزم) الاسبوع قبل الفائت.
فهل سيقسم العراق؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومن المستفيد من تقسيمه؟.
بمعنى آخر، ما مدى حقيقة مثل هذه المخاوف؟ وهل لها اية علاقة بمشروع الفيدرالية الذي اقره العراقيون في الدستور الذي صوتوا عليه العام الفائت؟.
سأحاول ان اجيب على هذه الاسئلة وغيرها في هذا المقال، ولكن بعد المقدمة التالية:
اولا: العراق الحالي، او ما كان يعرف عبر العصور الغابرة بـ (بلاد ما بين النهرين)
لم يؤسس صدفة، فهو عريق بتاريخه وبجغرافيته، ولذلك استعصى على التقسيم في كل مرة حاول المستعمر او المحتل ذلك، بالرغم من عظم التحديات التي مر بها، خاصة ابان الحرب العالمية الثانية والاحتلال البريطاني الاول مطلع القرن الماضي.
ثانيا: ان كل تجارب تقسيم البلدان عبر التاريخ تؤكد لنا حقيقة مهمة وثابتة، الا وهي استحالة تقسيم اي بلد ما لم يرد شعبه ذلك، وان التقسيم، اذا ما حدث بالضد من ارادة الشعب، فانه سيزول ان عاجلا ام آجلا، فتعود البلاد موحدة كما كانت عليه، ولعل في تجربة المانيا واليمن خير دليل على ذلك.
بعبارة اخرى فان تقسيم البلدان يحصل بارادة اهلها وشعوبها، وليس بعامل خارجي او بارادة اجنبية، والتي لا تعدو كونها عوامل مساعدة ليس الا.
حتى ما كان يعرف بــ (دولة الخلافة العثمانية) {وهي آخر دول الاتحاد الاسلامي التي ورثتها الامة بعد العهد الاموي ثم العباسي) ما كان للحلفاء ان ينجحوا في تفتيتها وتقسيمها، لولا تعاون وتهاون وارادة (اهلها) من الذين تعاونوا مع المستعمر المحتل، بريطانيا آنذاك، لتحقيق التقسيم، ويقف على راس (اهلها) {الشريفيون}{ومن بعدهم آل سعود} الذين حمل كبيرهم (الشريف حسين) لواء ما سمي وقتها بــ (الثورة العربية الكبرى) والتي انطلقت بشعارات الاستقلال والاتحاد العربي والعروبة في مقابل سياسات التتريك التي كانت تمارسها الدولة العثمانية ضد رعاياها من العرب.
كذلك، كان من المستحيل على المستعمر المحتل ان يفتت البلاد العربية حديثة التاسيس، دول الخليج نموذجا، لولا تعاون (اهلها) معه، ومنهم الاسر الحاكمة حاليا في هذه البلاد بالاضافة الى اسر انقرضت يعرف تفاصيل امرها القاصي والداني.
نعود الى العراق الجديد، ونتساءل:
هل الى تقسيمه من سبيل؟.
تعالوا نتحدث بصراحة، من خلال تحليل مواقف مكوناته من فكرة التقسيم، ولنبدا باكثر هذه المكونات اتهاما، واقصد بهم الكرد، فهل يريد الكرد تقسيم العراق؟.
ومن اجل ان لا اجامل احدا، او اداري طرفا، اقول وبكل صراحة، نظريا، فان من حق الشعب الكردي ان يفكر باقامة دولته المستقلة على كامل تراب دولة كردستان الموعودة.
وكلنا يعرف بان الكرد كانوا قاب قوسين او ادنى من هذا الحلم لولا تآمر الحلفاء ابان الحرب العالمية الاولى، الذين عمدوا الى تفتيت كردستان وتقسيمها على عدة دول ارضاءا لحلفائهم الجدد من جانب، ولمعاقبة الكرد الذين رفضوا التعاون مع المحتل وتفجيرهم، مع الاغلبية من الشعب العراقي (الشيعة) لثورة العشرين التحررية المعروفة، من جانب آخر.
لقد اسس الحلفاء في تلك الفترة، دولا لكل شعوب المنطقة باستثناء الكرد، فاسسوا دولا للعرب (الاردن مثلا) والترك والتركمان والارمن، وغيرهم، اما الكرد فقد انتقموا منهم بطريقة لا انسانية، عندما رفضوا ان يؤسسوا لهم دولة كبقية القوميات الاخرى، افلا يحق للكرد اليوم ان يحققوا حلمهم القديم، باقامة الدولة الكردية المنشودة؟، خاصة وانهم ظلوا يعاملون في كل الدول التي قسمهم عليها الحلفاء، رعايا وليسوا مواطنين، وفي افضل الحالات يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية فما فوق، اما في ظل الانظمة القومية التي تعاقبت على السلطة في العراق، خاصة في عهد النظام الشمولي البائد، فقد تعاملت معهم كحشرات، وليس كبشر، فرشوهم بالاسلحة الكيمياوية الفتاكة، وقتلوهم زرافات زرافات، وابادوا قراهم وحرقوها، امام مرأى ومسمع العالم، خاصة العربي والاسلامي الذي لم ينبس ببنت شفة.
من حق الكرد، اذن، ان يحلموا بدولتهم المؤجلة، على الاقل من الناحية النظرية.
اما عمليا وعلى الارض، فان الشعب الكردي في العراق، ابعد ما يكون عن التفكير بهذه الطريقة، لانه يعرف ان ليس هناك اية مقومات لتحقيق مثل هذا الحلم، فلا المجتمع الدولي يقبل بمثل هذه الفكرة، ولا المحيط الاقليمي يقبل بها ابدا، كما ان اقامة دولة كردية منحصرة في حدود المحافظات العراقية الثلاث، يعني خنقها وهي في المهد، لانعدام كل مقومات الاستمرارية، ولعل ما حصل مؤخرا عندما اغلقت الجارة ايران حدودها مع اقليم كردستان لعدة ايام فقط، وما اصاب الكرد من جراء ذلك، اكبر دليل على استحالة التفكير بمثل هذا المشروع في الوقت الحاضر.
اضافة الى ذلك، فان الازمة الحاية القائمة بين العراق وجارته تركيا، دليل آخر على استحالة تحقيق هذا الحلم.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان الكرد يحكمون اليوم العراق شراكة مع بقية مكونات الشعب العراقي، فلماذا يفكرون بالانفصال والتقسيم؟.
ان المرء المهمش هو الذي يفكر بالانفصال، اما اذا كان جزءا لا يتجزأ من الوضع القائم، فلا يفكر بهذه الطريقة ابدا، بل على العكس، فانه يتشبث اكثر فاكثر بمواقعه التي جعلت منه جزءا لا يتجزا من الاخرين، وانه مساو لهم في كل شئ، وهذا هو حال الكرد اليوم في العراق، فلماذا يفكرون بالانفصال، الذي سيخسرون بسببه الكثير الكثير من الامتيازات الجغرافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها؟.
الى جانب كل هذا، فان انفصال كرد العراق، لا يمكنهم من اقامة دولتهم المنشودة لوحدهم، فما لم ينفصل بقية الكرد عن بلداهم الام ليلتحقوا بكرد العراق، لا يمكن لكرد العراق ان يفعلوا شيئا، وهذا ما يعقد المسالة كثيرا.
ولو فرضنا، جدلا، ان بقية الكرد انفصلوا عن بلدانهم الام، وقرر الكرد مجتمعين اقامة دولتهم على كامل ارض كردستان، هذا يعني ان كرد العراق، وزعاماتهم على وجه التحديد، سيخسروا الكثير من الامتيازات التي يتمتعون بها اليوم، لانهم سيكونون اقلية تلتحق ببحر متلاطم، اذ، وكما هو معروف، فان نسبة الكرد في العراق قياسا الى الكرد في الدول الاخرى ضئيل جدا، فهل يقبل، يا ترى، كرد العراق ان يلتحقوا بالكرد الاخرين، ويعيشوا تحت ظل قياداتهم؟ ام انهم يعتبرون انفسهم الاصل وعلى الباقين الالتحاق بهم؟ وهل يعقل ان تلتحق الاكثرية بالاقلية، ام العكس هو الصحيح؟.
لكل ذلك، ولاسباب اخرى، لا يفكر كرد العراق بالانفصال عن بلدهم الام، ولذلك صوتوا على الدستور العراقي الجديد الذي ورد فيه التاكيد على وحدة العراق اكثر من عشر مرات، كما انهم رحبوا بقرار مجلس الامن الدولي الذي شدد على وحدة العراق، بالاضافة الى انهم ساهموا بشكل فعال جدا بكل خطوة من خطوات العملية السياسية الجارية في العراق الجديد منذ سقوط الصنم ولحد الان، وتحملوا بسبب ذلك الكثير من الصعوبات وقدموا التضحيات من اجل وحدة العراق، ارضا وشعبا.
اما شيعة العراق، فيكفي انهم الاكثرية في بلدهم، حتى لا يفكروا بالانفصال، فكما هو معروف فان الاقليات في اي بلد في العالم، هي التي تفكر بالانفصال وليس الاكثرية.
ان العراق الذي تاسس وشيد حديثا على جماجم شيعته، منذ اللحظات الاولى ولحد الان، وان شجرة استقلاله التي روتها دماءهم منذ اللحظة الاولى كذلك ولحد الان، لا يعقل ان يجزؤه شيعته، وهم الذين دفعوا ثمن ذلك كل ما يملكون، بل انهم تنازلوا عن السلطة عندما تاسس العراق الحديث مطلع القرن الماضي، من اجل حماية البلاد من التجزئة والحرب الاهلية.
لقد تعامل شيعة العراق مع الوطن كأم الولد فتنازلوا عن اشياء كثيرة من اجل وحدته واستقلاله، فهل يعقل ان يفكروا اليوم بالانفصال او بتقسيم بلادهم؟.
لقد قال لي مرة احد ايتام النظام البائد، كان ذلك قبل ان يسقط الصنم، وهو اليوم من المطلوبين للعدالة في العراق بموجب مذكرة اعتقال صدرت بحقه، انكم الشيعة تريدون تقسيم العراق، فاجبته بكلام اعتقد انه منطقي وان كان قد استفزه كثيرا، قلت له {لقد حكمت الاقلية الاكثرية في العراق على مدى نيف وثمانين سنة، فاذا اردنا، نحن شيعة العراق، ان نفكر بتقسيم العراق، فليس قبل ان نحكم اقليته على الاقل بنفس المدة السابقة، اي نيف وثمانين سنة، ثم نفكر بعد ذلك بتقسيمه}.
ان شيعة العراق ام الولد فكيف يفكرون بالتفريط به؟ انه منطق اعوج لا يفكر فيه الا معتوه غير سوي، اليس كذلك؟
لقد اتت الفرصة اليوم لشيعة العراق ليشاركوا في الحكم، فتكون لهم الكلمة جنبا الى جنب بقية شرائح المجتمع العراقي، فلاول مرة يشعر شيعة العراق بانهم مواطنون حقيقيون في بلدهم، وليسوا رعايا او مواطنين من الدرجة الثانية فما فوق، كما كانت تتعامل معهم الانظمة الطائفية التي تعاقبت على الحكم في العراق، وهم اليوم يشعرون، ولاول مرة، بان تضحياتهم لم تذهب سدى، فهل يعقل ان يفرطوا بكل هذه الامتيازات والحقوق فيفكروا بتقسيم العراق والاقتناع بالحصول على جزء منه وترك الاجزاء الباقية، مهما كبر هذا الجزء الذي سيحتفظون به؟.
لو كان شيعة العراق يفكرون بتقسيم العراق، لقبلوا بالحصة التي عرضت عليهم ايام التاسيس الاولى، واقتنعوا بولاية البصرة مثلا او باي جزء آخر كما كان مطروحا آنئذ.
ان شيعة العراق احرص الناس على وحدة بلادهم، لانهم هم من اسسها وبنى قواعدها وانتزع لها استقلالها، وهم من قاتل المستعمر المحتل في المرتين السابقتين (الاولى ابان الحرب العالمية الاولى والثانية ابان الحرب العالمية الثانية) وهم من رفض كل مشاريع التقسيم التي تعرضت لها البلاد على مدى القرن الماضي، فهل يعقل انهم اليوم يفكرون بالتقسيم؟ بالتاكيد كلا والف كلا.
اما سنة العراق، فلا يخطر ببالهم تاييد خطة تقسيم العراق لا من قريب ولا من بعيد، لان (دولتهم) المفترضة والتي ستقام في المنطقة الغربية من العراق، ستولد ميتة لانها تفتقر الى ابسط مقومات الديمومة، فلا ماء ولا بترول ولا ممر بحري ولا هم يحزنون.
كذلك فانهم ضد الفكرة لانهم يعتبرون انفسهم بناة العراق بسواعدهم، فهم الذين حكموه طوال هذه العقود من السنين، وهم الذين تعاونوا مع كل قوي مر بالعراق من اجل حمايته من الضياع، مثل الدولة العثمانية وبريطانيا العظمى، فهل يعقل، بعد كل ذلك، انهم يفكرون اليوم بتقسيمه الى شضايا متناثرة؟.
ان سنة العراق لا يفكرون بتقسيمه ابدا، على الاقل من اجل ان يظل حلم العودة به الى السلطة المطلقة يراودهم في احلامهم، فكيف يمكنهم ان يعودوا به الى سابق عهده يحكمونه بمفردهم وبلا منازع اذا ما قطعوه اربا اربا؟.
اما بقية مكونات المجتمع العراقي، كالتركمان والكلدوآشوريين وغيرهم، فبالتاكيد ليس في وارد تفكيرهم دعم وتاييد مشاريع التقسيم ابدا.
تاسيسا على كل ذلك، فان كل مكونات الشعب العراقي ترفض التقسيم رفضا قاطعا، لانهم سيخسرون اكثر بكثير مما قد يربحونه من مثل هذا القرار، خاصة وان كل واحدة منها ترى بان العراق عراقها وان الوطن وطنها، ولذلك لا احد يجرؤ على التفكير بتقسيمه ابدا، بمعنى آخر، لا احد منهم مستعد لان يتحمل وزر مسؤولية التقسيم، وتاليا، لا احد منهم مستعد ان يتحمل لعنات الحاضر والمستقبل والتاريخ ابدا، خاصة وان العالم اليوم يتجه نحو الاندماج في كل شئ، بدءا بالشركات وليس انتهاءا بالقارات، فكيف يفكر العراقيون بتقسيم وطنهم الى اجزاء صغيرة لا ترى على خارطة العالم بالعين المجردة، وهم الذين يواجهون كل هذه التحديات التي تهددهم بالذوبان في البحار والمحيطات التي تحيطهم من كل جانب، خاصة وانهم راوا ان مصير الكيانات الصغيرة اما الى الزوال او الى الهضم من قبل الحيتان الكبيرة؟.
المجتمع الدولي ، كذلك، لا يريد تقسيم العراق، لان اقوى دولة فيه ستكون الدولة الشيعية التي ستقام في الوسط والجنوب حسب التقسيم المزعوم، بسبب امتلاكها لمقومات الدولة العصرية الحديثة، من منفذ على البحر وبترول وزراعة وتجارة وارض مترامية الاطراف وحدود طويلة ومفتوحة، وما الى ذلك، فتكون عمقا استراتيجيا لجارتها ايران، حسب منطوق الجغرافيا والسياسة الدولية، ما يعني انها ستقدم لقمة سائغة الى عدوهم اللدود ايران، وهذا ما لا يقبل به الكبار.
كذلك، فان الكبار يرفضون تقسيم العراق، لان الدولة السنية المزعومة فيه ستتحول الى دولة طالبانية (نسبة الى حركة طالبان الارهابية المتخلفة) جديدة، والى حاضنة خطيرة للتنظيمات الارهابية وعلى راسها تنظيم القاعدة الارهابي، بعد ان اتضح للجميع بان المنطقة الغربية هي افضل حاضنة للارهابيين اذا ما تمكنوا منها، وهذا امر مرفوض بكل تاكيد.
اسرائيل، كذلك، لا تريد تقسيم العراق، لان الدولة الشيعية المفترضة ستشكل مع ايران وشيعة لبنان الى جانب سوريا (العلوية) هلالا قويا يشبه الى حد بعيد، بشكله، سيف ذو الفقار الذي فتح فيه الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، وبقدرة العزيز الجبار، حصونهم المنيعة في خيبر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
دول الجوار، هي الاخرى، ترفض تقسيم العراق، لان ذلك يفتح عليها بابا للتقسيم والتجزئة لا يمكن غلقه ابدا، ففي كل هذه الدول اقليات مضطهدة ستنتهز الفرصة لتطالب بالاستقلال على غرار ما ستراه في العراق المقسم.
ولو قلنا جدلا بان الكبار سيضغطون باتجاه التقسيم، فاننا على يقين من ان العراقيين سيتحدون ذلك حتى آخر قطرة من دمائهم، واذا حصل ونجح الكبار في فرض التقسيم فانه سيكون مؤقتا، وسيزول في اقرب فرصة سانحة، فالتقسيم بالاكراه، كالضم بالاكراه، يزول بسرعة، ودليلنا على ذلك تجارب معاصرة مثل المانيا واليمن، او دول الاتحاد السوفياتي السابق والكويت التي ضمها الديكتاتور الارعن المقبور بالقوة والاكراه، الا انها سرعان ما عادت دولة مستقلة ذات سيادة، كما عادت دول الاتحاد السوفياتي السابق، الى سابق عهدها، دول مستقلة ذات سيادة تامة.
ترى، متى يقسم العراق اذن؟.
برايي، فلا زال العراقيون يرفضون التقسيم، فان العراق لم ولن يقسم ابدا.
الارهابيون وحدهم ومن يقف وراءهم هم من يخطط لتقسيم العراق ليسهل عليهم اقامة اماراتهم المتخلفة التي يبشرون بها.
السؤال الذي يلح في ذهن العراقيين، هو:
لماذا اذن كل هذا التهويل بشأن المخاوف من التقسيم؟.
اعتقد ان كل من يهول مثل هذه المخاطر، انما يسعى لافشال التجربة الجديدة التي يمر بها العراقيون اليوم، وهو انما يهول ليس ضد خطر التقسيم وانما ضد النظام اللامركزي (الفيدرالية) الذي اختاره العراقيون بملْ ارادتهم الحرة ودونوه في دستورهم الجديد، لانهم راوا فيه مصدر قوة وعامل استقرار ومقوم تنمية وتقدم للعراق، فاللامركزية ليست مقدمة للتقسيم ابدا، فان كل تجارب الانظمة اللامركزية (الفيدرالية منها) لم تتحول بمرور الزمن الى مشروع تقسيم، فهذه دولة الامارات العربية المتحدة وتلك المانيا والاخرى الهند والرابعة الولايات المتحدة الاميركية، وقس على ذلك سويسرا وكندا وغيرها الكثير الكثير، كلها تجارب لانظمة لا مركزية نمت وتطورت ونجحت في حل مشاكلها المستعصية، حتى باتت دول يضرب بها المثل في الاستقرار والتنمية والتقدم والتطور.
على العكس من ذلك، فان كل الانظمة المركزية في العالم تحولت الى كتلة من المشاكل حتى باتت عبئا على شعوبها، وما النظام الشمولي البائد الا واحد من اسوء النماذج في العالم.
ان المهولون لمخاطر التقسيم، انما يعنون الفيدرالية، فهم اعرف من غيرهم من ان العراق يستعصي على التقسيم، فمنذ تاسيسه الحديث مطلع القرن الماضي ولحد الان مر بتجارب وتحديات اكثر خطرا مما هو عليه الان، ولم يقسم، فكيف يقسم اليوم وشعبه قد أخذ بزمام المبادرة، ليحكم نفسه بنفسه؟.
واقول لمن يهول الخطر ليستهدف الفيدرالية، بانكم تطحنون في الهواء، وتبلطون في البحر، فالعراق الجديد لا يقوم الا على اساس النظام اللامركزي، فلقد ولى عهد المركزية المقيتة التي عدت على الناس انفاسهم.
صحيح ان العراقيين مختلفون على نوع الفيدرالية، بين من يقول بفيدرالية المحافظات، وانا منهم، وآخر يقول بفيدرالية الاقاليم، الا ان الجميع متفقون على ان النظام السياسي الجديد يقوم على اساس اللامركزية، اما بقية الامور فتدخل في اطار التفاصيل التي يمكن مناقشتها والوصول بها الى حلول معقولة بمرور الزمن.
اخيرا، اقول:
سيقسم العراق اذا استمر الارهاب، وسيقسم العراق اذا شعرت شريحة من شرائحه بالغبن والظلم، وسيقسم العراق اذا حاصره جيرانه ولم يساعدوه في حل مشاكله، ولذلك فان على كل من يدعي حرصه على وحدة العراق وسلامة اراضيه، من جيرانه والجامعة العربية والانظمة العربية وغيرهم، فان عليهم فقط ان يساعدوا العراق للتخلص من الارهاب، فلا يستمروا في دعم مجموعات العنف والارهاب بالمال الحرام والفتوى الطائفية التكفيرية والاعلام المضلل، كما ان عليهم ان يساعدوه بكل ما اوتوا من خبرة وديبلوماسية للسير قدما باتجاه تطبيق الدستور الذي يعتبر اليوم وثيقة العهد الوطني التي يلتف حولها جميع العراقيين.
في المقابل، اود ان احذر العراقيين، كل العراقيين، من مغبة الانجرار وراء الاعلام المضلل، فان اخشى ما اخشاه هو ان يكونوا ضحية التضليل الاعلامي ازاء قضاياه المصيرية، ومنها موضوع الفيدرالية التي يسعى الاعلام المضلل خلط اوراقها بالتقسيم، ليرعب الراي العام ويخيف العراقيين، واقول للعراق واهله ما قاله رسول الله (ص) عندما ساله احدهم عن الشك الذي يصيبه:
لو كان في يدك جوزة وقال لك الناس انها حصوة، فما يضرك من ذلك؟ ولو كان في يدك حصوة وقال لك الناس انها جوزة، فما ينفعك من ذلك؟.
فاذا كنا ، نحن العراقيين، متيقنين من ان الفيدرالية مشروع وحدة ومصدر قوة وسبب للتعايش والتنمية والاستقرار، فما يضيرنا قول الغربان من انها تؤسس للتقسيم؟.
25 تشرين الاول (اكتوبر) 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *