الرئيسية » مقالات » ألبعد الحضاري لألغاء عقوبة الاعدام …

ألبعد الحضاري لألغاء عقوبة الاعدام …

عندما تتحدث الصحف الاوربيه عن العولمه ومعارضيها تصف هؤلاء المعارضين بأنهم مناهضي ألعولمه وكلمة مناهضه هنا تأتي كتعبير مخفف عن كلمة معارض او بديل لها ، وهي بلا أدنى شك تعكس انتقاء المعاني الدقيقه للمصطلحات المستخدمه في الصحافه ألأوربيه كي لا تترك أنطباعا غير مطمئن لدى الرأي العام حول طبيعة عمل هؤلاء المعارضين للأنظمه والقوانين التي تنال من رفاه الانسان عندهم ومن حقوق الشعوب الاخرى في اختيار طبيعة الحياة التي تناسبهم..

لا نبدي في الحقيقه اي اعتراض على طبيعة المصطلحات التي تختارها هذه الصحافه في التعبير عن الحقائق السياسيه والاقتصاديه لكن أستخدام كلمة مناهضه هنا يأتي لتخفيف الاثر من وقع كلمتي معارضه او الغاء التي تزعج في بعض الاحيان الطبقه السياسيه الحاكمه في اي بلد من بلدانها ، ان حالة التطور الاجتماعي ـ ألأقتصادي التي تصل اليها المجتمعات هي التي تلعب الدور الابرز في التخلص من أغلب القوانين التي تتعارض وحق الانسان في الحياة والتعبير والعمل والعيش الكريم ، فالقضاء على البطاله وتوفير فرص العمل بأجور تتناسب والحياة الاقتصاديه التي يعيشها البلد وخلق حاله من التوازن في الحصول على التعليم بين القريه والمدينه والقضاء على التمييز في المعامله بين ابناء الوطن الواحد وغيرها تؤدي الى خلق وعي سياسي واجتماعي يصب في النهايه في خلق حاله حضاريه تخفف من التعصب السائد في ردود الافعال حيال المشاكل التي تواجه المرء في حياته اليوميه وتجعل طريقة تعامله معها مختلفه ان العامل الخارجي هنا المتمثل في البيئه المحيطه بالانسان تساهم هي الاخرى في خلق وعي متطور بأستمرار ان أخذت على عاتقها دراسة الاسباب التي تؤدي الى التعصب والتعامل بعنف مع النقيض ..

ان ايجاد الطرق المناسبه للقضاء على المشاكل السياسيه والاقتصاديه التي تواجه الانسان هي التي تؤدي الى تطور هذه القوانين والاجراءات العقابيه في نفس الوقت والتي بدورها تراعي حق هذا الانسان كلما تقدمت الى الامام وأوجدت طرق أخرى بعيده عن العنف او الاعدام ، لا يمكن لمنظمة دوليه ان تفرض منعا تاما لعقوبة الاعدام في كل انحاء العالم لان المصالح الاقتصاديه وتضاربها يلعب دورا اساسيا في عدم نجاحها في مهمه كهذه ، بينما تستطيع دوله بمفردها من تطوير قوانينها من خلال السيطرة على النقاط الحساسه التي تثير المشاكل في المجتمع وتغرقها به وتخلق قوانين جديده تتلائم والمرحله التي تعيشها الى ان تصل لحاله شبيهه بحالة المجتمعات في الغرب واليابان ، فخلق اوضاع اجتماعيه واقتصاديه مناسبه يسهم بشكل فعال في تطور المجتمع ووصول الافكار فيه الى حاله من التعامل الحضاري مع مختلف المشاكل …

لذلك لا يمكن اعتبار مناهضة عقوبة الاعدام وتصعيدها كفيله بالقضاء على الحاله واجتثاثها من قوانين بلداننا لأن هناك ظروف أجتماعيه يتوجب خلقها قبل الاقدام على الغاء عقوبة الاعدام نهائيا من القوانين السائده والا ستبقى هذه المطالبات اسيره المناسبه التي تم فيها التوقيع على الاتفاقيات الدوليه بهذا الصدد ، والارقام الحاليه للدول التي الغت عمليا هذه العقوبه تبشر بالخير وهناك تقدم يحدث على أرض الواقع في الكثير من دول العالم وفي الاخص أفريقيا بأستثناء الدول العربيه التي لا تزال غير قادرة على تجاوز حالة العقوبه هذه مهما تقدمت الى الامام وهناك أسباب كثيره تعجز هذه الحكومات تارة عن شرحها وأخرى عن معالجتها لانها لا تريد التخلي عن صيغة الانتقام من معارضيها كما انها لا تؤمن بأن الاحكام المؤبده تشفي غليلها منهم وهي حاله لا يمكن تغييرها الا بأجبار ها على تغيير طريقه تعاملها مع الشعب او خلعها من عروشها …

الافكار السائده اليوم في العالم العربي هي التي تلعب الدور البارز في عدم تقبل مختلف الطروحات التي تنادي بحقوق الانسان او حرية الصحافه او حرية الافكار والمعتقدات وتعتبر اغلب هذه الطروحات مستورده لانها تكون دائما قادمه من الغرب او من الدول التي قطعت شوطا طويلا من التطور وتساهم في بعض الاحيان وسائل الاعلام بلعب دور سلبي في تسليط الضوء على هذه الطروحات من زوايا لا تخدم الا انظمة الحكم واصحاب الفكر الظلامي الذي يحاولون دائما ابقاء المجتمع مغلقا في أطر محدده لا تدعه يتخلص من هذه الاوهام التي تمنع انتشار القيم الحضاريه كي لا تخلق واقعا يعودوا من خلاله الى الصفوف الخلفيه في المجتمع بسبب تقوقعهم في تلك الافكار …

لقد أقدمت الكثير من دول العالم على اعادة النظر في قوانينها انطلاقا من أحساسها بأن العالم يتغير وينبغي فرز الفقرات القانونيه جيدا وتمييز الاعمال الوحشيه التي ترتكب ضد المدنيين من نساء واطفال وشيوخ على انها جرائم ضد الانسانيه ولا يمكن تبريرها خاصة اوقات الحرب التي تستخدم فيها وسائل واساليب بعيده عن القيم الحضاريه وتنطلق من مصالح اقتصاديه وسياسيه ، اما الحالات الاخرى الناتجه عن الجرائم الفرديه فتحاول هذه الدول البحث بجديه عن الاسباب التي تؤدي اليها واجتثاثها تدريجيا من المجتمع ، اولا من خلال ايجاد الحلول لتلك الاسباب التي تدفع المرء بأتجاه الاقدام على ارتكاب الجريمه وثانيا من خلال توفير انظمة اجتماعيه ومؤسسات داخل السجن تمتلك رؤيه واضحه لاعادة اصلاح وتأهيل المجرم وهذه الحاله في الحقيقه ترى اغلب الدول انها بعيده عن تطبيق هذه الخطوات كما هو الحال في الدول التي تمتلك كثافه سكانيه كالهند ومصر وتركيا والباكستان واندنوسيا وغيرها ، بينما توفر الدول الغربيه الكثير من المصاريف على السجون والبرامج التأهيليه من خلال توفير فرص عمل للسجين تمكنه من دفع مصاريفه في السجن وكذلك تجعله يدرك قيمة الحريه المسلوبه منه بسبب عمل اقدم عليه والحقيقه ان طبيعة الجريمة المرتكبه هي التي تلعب دورا في الحكم على مدى نجاح عمليات اعادة التأهيل في السجون وجعل المجرم مؤهل اجتماعيا للعيش من جديد وسط المجتمع بنظرة جديده للحياة …

اما في عالمنا العربي المعاصر فأن تنفيذ هذه العقوبه تنفذ وفقا لرغبات الطبقه الحاكمه وانطلاقا من معارضه الناس لها وليس للقوانين لا سيما ان اغلب الانظمة بدأت تنظم القوانين لا استرشادا بالقوانين الدوليه بل من مصلحتها في البقاء اطول فترة ممكنه في الحكم ولا داعي للامثله الكثيره لانها متوفرة ومعلومه للجميع …

وقد جرت اكثر من حمله في هذا المجال وفي اكثر من دوله عربيه فحملات الانفال التي شنها نظام صدام تفوق جرائم الاعدام العاديه وتتجاوزها لتشكل حملات ابادة منظمه او كما يسمونها في العرف السياسي ألأباردهايت ، وهي تصنف على خانة جرائم الحرب الدوليه وجرائم ضد الانسانيه مع ذلك لقي المجرمون الذين نفذوا جرائم من هذا النوع تعاطفا من قبل البعض وكأن الضحايا لم يكونوا محسوبون على البشر …

لقد تابع الكثيرون منا الحمله التي يشنها انصار البعث لمنع اعدام على حسن المجيد ووزير الدفاع العراقي السابق الذي قدم مثلا سيئا عن الجندي العراقي في اختباءه وهروبه وتسليم نفسه فقد برر الدكتاتور وقوع سلطان هاشم في الاسر واجراءه مفاوضات خيمة صفوان على انها تكتيكات عسكريه لكنه لم يتمكن من تبرير اختفاءه وقت اجتياح بغداد لان القياده القوميه !! بأسرها كانت تمارس تكتيك الهروب نصف المرجله تاركين البلد وعرضه وشرفه مباحا …

ويجدون من يدافع عنهم ويبرر جرائمهم بكل وقاحه بحجة انهم كانوا ينفذون اوامر عسكريه او انهم مهنيون لا دخل لم بقتل الاطفال والنساء في كردستان او ضحايا الانفال من منتسبي حرب العصابات وخاصة الشيوعيون الذين تعرضوا لابشع حملات القمع والتنكيل دون ان يفكر احدا ببراءة تلك النفوس التي لقيت حتفها لمجرد معارضتها للدكتاتوريه ونظام القمع البعثي ، الحكم على الحاله القانونيه لجرائم من هذا النوع لا بد ان يخضع لدراسه الاضرار الناتجه عنها وعواقبها على الاجيال القادمه وما أقدمت عليه الدكتاتوريه من جرائم لن يكون من السهل تجاوزها لا سيما وانها خلفت الملايين من الايتام والارامل وانتهكت كل القوانين والاعراف الدوليه بممارساتها التي لقيت تأييدا ضمنيا من الولايات المتحده والغرب نظرا لمصالحها التي كانت تتطلب غض النظر عن حقوق الانسان والتبجح بها في ذلك الحين مع صدام ونظامه …

والمحاكمات التي جرت لاركان ذلك النظام جرت في اجواء متشنجه لا يمكن اعتبارها محاكمات شرعيه بل كانت اشبه ما تكون بمحاكمات انتقاميه عاطفيه خاليه من تطبيق روح القانون وتحت سلطه شرعيه في البلاد لا تخضع لاحتلال او تبعيه لأحد لهذا تمت معالجه اخطاء حقبة الدكتاتوريه بأخطاء اكبر منها ستترك تداعياتها على المجتمع لعقود طويله ،

ان افتقاد السلطات القضائيه العراقيه للاستقلاليه والحياد جعل من المحاكمات تكريما لاركان النظام حسب وجهة نظر مؤيدي ذلك النظام ومعتنقي فكر الاسلام السياسي المتطرف …

لذلك كان ينبغي في الظروف الطبيعيه ان يحاكم هؤلاء بطريقه مختلفه تماما رغم ان طريقه اسقاطهم جاءت على يد المحتل وليس على يد انتفاضه شعبيه عارمه وهو ما كاد يحدث عام واحد وتسعون لولا مساعده الولايات المتحده للنظام من اجل البقاء والقضاء على تلك الانتفاضه التي عبرت عن استفتاء شعبي عفوي عن رأي الشعب بكل صراحه دفع ثمنه بأستشهاد عشرات الالاف من ابناءه في ذلك الحين وتشرد عشرات الالاف في معسكرات رفح سيئة الصيت ومعسكرات اخرى في ايران وتركيا ، وهذه المحاكمات لم تتوفر فور سقوط الدكتاتوريه واعتقال ازلامها لا سيما بوجود المحتل الذي حول هذه المحاكمات الى جلسات دعايه للنظام البعثي الذي حكم العراق بالحديد والنار ، وبدلا من تغليب الحكمه والعقل تحولت المحاكمات التي تمت بحقهم الى جلسات انتقاميه عبرت بشكل واضح عن طبيعه الحكومه التي تحكم البلاد في عهد الاحتلال وكذلك عن تلك العقليات التي ترغب فقط في الحفاظ على علاقاتها بالبلدان التي تحمل جنسياتها لتضيع الهويه الوطنيه بين ثنايا مصطلحات جديده افرزها الواقع الدولي الجديد …

ولا تتوقف قضية المحاكمات وطريقة اجراءها على العراق والبلدان التي لا تزال تنفذ فيها عقوبات الاعدام بل يتعداها ليشمل تلك الدول التي تتدعي الديمقراطيه وتمارس شيئا بسيطا منها في الداخل وتشترك في حروب احتلال وغزوات شبيهه بالتي مارسها صدام ونظام حكمه في الخارج ، فلا يمكن على سبيل المثال اجتثاث فكرة الانتقام والاقصاء من عقول فئات واسعه حتى في المجتمعات الغربيه فهي صحيح لا تطبق عقوبة الاعدام لكنها تمارس في بعض الاحيان عمليات أشد خطورة من الاعدام كأفتعال حوادث السير بحق الشخصيات اليساريه او المعارضه لها وتمتلك تأثيرا في الرأي العام او حتى دس السم في بعض الاحيان واتهام الخدم والزوجات بها كما حدث للكثيرين من منتقدي النظام الحاكم في الولايات المتحده وغيرها من البلدان الاوربيه ويتم التعتيم عليها ويحاسب حتى الصحفيين الذين يسهبون في الحديث عن الموضوع حتى وان تم ذلك بعد فترة المهم ان يكون الهدف تنظيف الساحه من تلك الشخصيات وربما ما حدث لبن بركه يجعلنا نتسائل عن الاسباب التي ادت الى التعتيم على موضوع قتله بتلك الطريقه ودور مخابرات ثلاث بلدان هي الولايات المتحده والمغرب وفرنسا في العمليه وطول فترة التعتيم على الموضوع لماذا لم تقم المؤسسات المدنيه بالمطالبه بالتحقيق في العالم المتمدن لا سيما وان الرجل لم يكن ارهابيا بل مفكرا؟؟

والكثير من القضايا الاخرى التي لا يمكن تجاوزها دون خلق واقع دولي فاعل في التقدم بأجراءات التحقيق والمسائله ،وعملية الغاء العقوبه بحد ذاتها قد لا تؤدي الى احداث حاله حضاريه افضل لان خلق أسس جديده للحياة الاجتماعيه هي التي تكفل التخلص من العنف في مواجهة المشاكل الاجتماعيه والسياسيه ،بدءا من طرق التربيه والتعليم الحديثتين ومرورا بترسيخ قيم سماع الرأي الاخر والقبول به وانتهاءا بالبرامج الاعلاميه التي تشجع قيم التسامح والمحبه في المجتمع الانساني …

وتعتبر وسائل الاعلام من العوامل المؤثرة في صياغه الاراء وتكوين القناعات واستفادت الرأسماليه العالميه كثيرا في تسخيرها لنشر مفهوم العنف والتطرف وتفكيك النسيج الاجتماعي للكثير من الدول لتحقيق مصالحها الاقتصاديه واختراقها لها لترسيخ اقدامها في اسواق جديده وكثيرا مانالت الافلام التي تدعو لهذه الطروحات جوائز عالميه من مؤسسات تابعه للراسماليه لكي تعطيها المصداقيه والانتشار الاسرع ، وفي المقابل ينبغي على القوى التي تناضل لاجل خلق مجتمع بشري يخلو من العنف والتطرف الاستفادة من وسائل الاعلام هذه في توعية الجماهير بأهداف هذه الافلام وابعادها على النفس البشريه

وانتقادها بشكل سليم يعطي الطروحات مصداقيه وتقبل ، وحتى وسائل الاعلام الاخرى كالصحافه والانترنت تأثرت هي الاخرى بالطريقة التي تعمل بها هذه الوسائل في الغرب

فعمليه ارساء اساس فعلي لتخليص المجتمع من هذه العقوبه بحاجه الى برامج متكامله تحدث تغيير جذري في مفهوم العلاقات الانسانيه وكذلك في العلاقات بين الدول ..

وحتى تلتمس البشريه بعدا حضاريا حقيقيا لجهودها في هذا المجال ينبغي لها العمل طويلا على تخطي الحواجز التي تضعها في دواليبها القوى التي لا تريد لها ان يتخلص من هذه العقوبه وحتى التخلص من الافكار المحرضه للعنف والتي تنتشر في عالم اليوم بسرعة البرق وتكون جيوشا لها مدعومه حتى من مؤسسات اعلاميه وسياسيه في بعض الدول لان مصالحها تقتضي ذلك ..

المطالبه بالغاء عقوبة الاعدام ينبغي ان يسبقها المطالبه الملحه بوقف الحروب الدوليه التي تفتعلها الدول الرأسماليه ومنع قيام حروب في المستقبل وتغير طابعها الى صراع برئ من اجل الانجازات العلميه التي تصب في خدمة الانسانيه بأسرها …


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *