الرئيسية » مقالات » إعادة صوغ العلاقات.. على ضؤ المتغيرات الجيوسياسية المقبلة عليها المنطقة

إعادة صوغ العلاقات.. على ضؤ المتغيرات الجيوسياسية المقبلة عليها المنطقة

ما بدرت في الآونة الأخيرة من القيادة السياسية والعسكرية التركية على حد سواء، من تصريحات
وتهديدات، لا تتناسب تماماً مع محاولاتهما إقناع العالم بتصورهما لواقع أفضل وآمن للمنطقة.

-1-

وهذه ليست هي المرة الأولى التي يتضح فيها للعالم أن تفكير القيادة التركية هو في المقام الأول تفكير عسكري كما ان قسوته وغلظته معروفة، هذه القوة (العسكرية) المنفلتة قد جلبت الموت والعذاب للملايين بدءا من المغرب العربي إلى أواسط آسيا وحتى إلى قلب أوروبا على امتداد القرون الأربعة الماضية، وهي القوة التي تسوق ايديولوجيا متعصبة وظلامية وتعبر جهاراً عن تطلعها لفرض عنجهيته وعقائده على المنطقة كلها.
وهي تستمد القوة والتشجيع من الكلمات والعتاد والموارد والخلفية الانكشارية الدموية الارهابية، وقد هاجمت جيرانها بل لم تتردد بالقول صراحة انها لا تخشى بالمرة من الحرب الضارية ضد كل معارضيها. وتبدو انها لم تستق العبر من ماضيها الدموي. ومرة أخرى سيذهب الاعتقاد بأن الأتراك قادرون على تحمل المسئولية تجاه شعوب المنطقة في ارتكاب إبادة جماعية جديدة على غرار ما قاموا بها تجاه الأرمن، ومحاولاتهم الحثيثة العابثة بإدراجها في ثنايا النسيان.
فالجيش التركي رغم أن قوامه يبلغ (400) ألف جندي، ويعتبر ثاني جيش عدادا في الناتو، وهم يخدمونه إجبارياً، بيد أن على امتداد أعوام الـ (25) الماضية لم يستطع من احتواء هجمات عناصر حزب العمال الكردستاني عليه، الذين لا يتجاوز عددهم عن (3) آلاف مقاتل. لهذا فالجيش التركي لن يقدم على أية خرق للحدود العراقية- التركية ما لم يتلق معلومات كافية ودقيقة من الولايات المتحدة، عن مدى تحقيق الغرض المرجو في حال إقدامه، وذلك خوفاً وتحسباً لهزة سياسية ومذلةعسكرية التي تنتظرها، إن ما بادر قوات البشمركة الكردية الرسمية، الانخراط في العملية، فضلا عن وعورة المنطقة المناسبة لهم.
إنه لعب بالنار يثير مخاوف جديدة، البرلمان التركي (المتشح بوشاح الديمقراطية المفزع) يمنح التخويل ومن دون مناقشة، للحكومة بإعطاء الإشارة باجتياح اقليم كردستان العراق، وبالتالي باندلاع حرب مفتوحة، بينما تسارع القيادة الكردية بالرد عليه بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وإن كانوا يفضلون الحوار والحل الدبلوماسي. فشن هذه الحرب الكلامية والإعلامية من جانب الأتراك لاتبعث على الارتياح، فأي هجوم تركي على الاقليم قد يشعل بغتة ناراً يصعب إخمادها على غرار الكارثة المحيقة بوسط وجنوب العراق. وعلى الرغم من أن السماح للبرلمان بالتصويت على أمن البلاد قد يعتبر الواجب الأهم له، إلا أن أعضاء البرلمان التركي يكادون لا يعرفون شيئا عن التصويت الاخير، وتخشى لهذا السبب النتائج المترتبة عليها، ولأن العادة كانت تميل إلى التصويت عليه بـ (لا و نعم). ولمنع حدوث ذلك، لم تتوان قادة الجيش في بذل كافة جهودهم في تمريره، لأن المسودة التي قدموها للبرلمانيين للتصويت عليها، تعمد صياغته بطريقة معقدة لايفهمها إلا الخبراء الجيش.

-2-

تضارب وتخبط سياسة الحكومة والجيش التركي مرآة العلاقات الدولية الجديدة :

ربما لا يعلم أحد أكثر من الأتراك عن حقيقة دخول الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية، وعن مدة دخولها، وعددها، والاهداف التي تم قصفها، والمدة التي قضتها في السماء التركية. فقيادة الأركان التركية التزمت الصمت، ولم تصدر حتى بياناً عن اختراق الطائرات الاسرائيلية الاجواء التركية. وبطبيعة الحال من المستبعد ألا تكون الرادارات التركية قد رصدت الطائرات الإسرائيلية. وأغلب الظن ان قيادة الأركان التركية أذنت للطائرات الإسرائيلية باستخدام الأجواء التركية.
في الوقت الذي استقبل فيه أردوغان الرئيس السوري بشار الأسد استقبالاً رسمياً، وتصريحات الملونة والمتقلبة وتراجعه عنها لاحقاً بشأن دخول القوات التركية كردستان العراق، وهو يتصبب عرقاً، بين إرضاء قادة الجيش التركي من جهة، ومن الاخرى لكسب رضى قادة الحكومة. في موازاة ذلك زيارة قائد الأركان التركي القريبة لإسرائيل، وأنه سيبحث مع تل أبيب تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين والجيشين. والحق أن ثمة تضاربا صارخاًً بين سياستي الحكومة والجيش
في قضايا الداخلية وحتى المنطقة. لذا، فالكلام على ضرورة إرسال الجيش التركي الى شمال العراق، وشنه عملية واسعة وطويلة للقضاء على «حزب العمال الكردستاني لا يخدم مصلحة الحكومة. فهذه الخطوة تشرع الأبواب أمام تفرد الجيش في قيادة الدولة، وفي التحكم في القضية الكردية وفي مثل هذا التفرد تقوّيض لتجربة حزب العدالة والتنمية وعلاقاته وقاعدته الشعبية حتى في الأوساط الكردية التركية نفسها. لهذا تسعى الحكومة جاهدة الى تجنب خيار العملية العسكرية بشمال العراق. ويبدو أن عملية عسكرية محدودة وسريعة ضد حزب العمال الكردستاني كافية لحقن التوتر القائم بين الجيش والحكومة، وللحفاظ على التوازن الحالي في العلاقات مع الجيش ،على الأقل، أو ما أمكن.

-3-

تجاوب القيادة الكردية في كردستان العراق الأزمة:

يعتبر العون الذي قدمته الإدارة الكردية في إحلال السلام والأمن بحدود العراق الشمالية عبر دعواتهم للحوار، أحد أبرز وأهم الإنجازات التي حققتها سياساتها الخارجية. بيد أن المشكلة أن عِقد اتفاق السلام ذاك قد بدأ ينفرط الآن، مهدداً برفضالأتراك الشروع في مفاوضات منفصلة مع القيادات الكردية العراقية، لحلحلة الأزمة، لا شيء هنا يدعو لاستبعاد أن تتجاوز الكارثة الإنسانية والسياسية التي ستنجم عنها، تلك التي لا تزال جاثمة بتأثيراتها السالبة في وسط وجنوب البلاد. وربما تفكير القيادة الكردية بهذه الطريقة تظهر بأنهم باتوا على وفاق وخطوات تلك التغيرات. 

– إعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *