الرئيسية » مقالات » شبكة الحماية الاجتماعية وحقوق الانسان

شبكة الحماية الاجتماعية وحقوق الانسان

غالبا ما تشكل سياسات الكفاح ضد الفقر والحرمان احد ابرز الاولويات في الاستراتيجيات التنموية لاكثر بلدان العالم لاسيما النامية منها، ولكن على الرغم من ذلك ما تزال مشكلة الفقر تمثل احد اخطر المشكلات التي تواجه الانسان في عصرنا الحاضر، ولاجل الحد من تفاقم هذه المشكلة حاولت بعض الدول تشريع او تفعيل بعض التدابير الحمائية التي من شأنها توفير الدعم لذوي الدخول الواطئة، لاسيما إن هذه التدابير تنطوي على مفاهيم العدالة الاجتماعية والمبادىء المتعارف عليها لحقوق الانسان.
من المعروف ان مفاهيم حقوق الانسان قد تنامت عبر مراحل عدة، وتنوعت مجالاتها لتشمل نطاقات جديدة من محددات الرفاه البشري، حتى اصبحت اخيرا معياراً للحكم على نوعية وطبيعة الحياة في المجتمعات البشرية. وعلى الرغم من ان حقوق الانسان غير قابلة للتفاضل؟ الا ان منظور الحقوق يفترض ان يسهم في تحويل الاولوية الى من اشد حرمانا، انطلاقا من منظور الحق والعدالة الاجتماعية، لا من منظور العطف والاحسان.
وتاسيسا على ذلك يمكن القول ان الالتزام بتحسين ظروف حياة بعض الفئات التي هي بحاجة الى المساعدة هو التزام يستند الى الاستحقاقات المشروعة لهذه الفئات ووفقا لهذا الوصف تكون حقوق الانسان بمثابة المعين الاساسي الذي تستمد منه شبكات الحماية الاجتماعية منطلقاتها واهدافها بل ان المبادىء المتعارف عليها لحقوق الانسان ينبغي ان تكون مظلة امان تحمي الفئات الفقيرة التي تأثرت كثيرا بفعل السياسات الجديدة التي ادت الى تحولات كبيرة في اسواق العمل.
لقد افرزت التوجهات الجديدة في اسواق العمل بعض النتائج السلبية التي تجسدت الى حد كبير في ظهور نوع من الاستبعاد لعدد غير قليل من الايدي العاملة مما اسهم في ظهور وظائف غير منتظمة وغير امينة، وذات اجور منخفضة فضلا عن انعدام الفرص المتكافئة للجميع للنفاذ الى الوظائف وانعدام المساواة في توزيع المكافأة والدخل على اساس الاستحقاق، ولاجل تلافي حالة عدم المساواة في اسواق العمل التي تمثل عنصرا اساسيا في الحرمان دعت بعض الاتجاهات الجديدة في مجال مكافحة البطالة واستئصال الفقر الى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والسوق والمجتمع يهدف الى تطوير رأس المال الاجتماعي ويساعد في اصلاح هيكل العمالة ويخفف من الاثار الاجتماعية المصاحبة للتحولات الاقتصادية اثناء الفترة الانتقالية.
ان برامج شبكة الحماية الاجتماعية هي بمثابة تدابير مؤقتة تساعد بعض الناس على تجاوز الصعوبات المرتبطة بفترة التحول الاقتصادي ووفقا لهذه الصورة يفترض ان تقوم برامج هذه الشبكات باستخدام آليات فعالة ومنصفة لتوفير الخدمات الاجتماعية للفقراء على اساس العدالة الاجتماعية ومن منظور الالتزام بمبادىء حقوق الانسان ومن اجل ان تصل الحماية الى جميع هذه الفئات دونما تمييز، ويبدو ان برنامج شبكة الحماية الاجتماعية الذي صدر مؤخرا حاول قدر الامكان تجسيد هذه المضامين والمبادىء انطلاقا من هدف الشبكة المعلن ومن معايير واسس واختبار المستفيدين من اعانات الشبكة وعلى الرغم من ان مبلغ الاعانة في بعض الحالات ليس كافيا بالقدر الذي يفترض ان يكون عليه، الا ان الاهتمام بمثل هذه الفئات المحرومة يمثل بحد ذاته اقرارا واعترافا بالكرامة المتأصلة لبني البشر وبحقوقهم المتساوية كما اشرتها مبادىء الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
ان شبكة الحماية هي نمط او شكل من اشكال شبكات الامان يتعامل مع الفقراء باختلاف مستويات فقرهم، ولعل من اهم مميزات شبكة الحماية الاجتماعية انها سعت لتحقيق ما يسمى بالامن الجذري اي تقديم الاعانة لاصناف النساء مثل الارامل والمعوقات ومعيلات الاسر، من جانب آخر ركزت شبكة الحماية الاجتماعية على الامن الانساني في جانبه الصحي، فالمرض بحسب تقارير التنمية هو احد تهديدات الامن الانساني المزمنة، كما ان شبكة الحماية اكدت على الجانب الثقافي حين حثت الاسر على تعليم ابنائها. وبالنسبة للمشكلات الاجتماعية هي انحراف يقع داخل المجتمع ويدور في دوائر تبدا بالفرد وتنتهي بالجماعة، فوصف اي سلوك يكونه مشكلة اجتماعية يعتمد على مدى انحرافه عن معيار مقبول من جانب عدد مهم من الناس في المجتمع، ان مشكلات كثيرة في مجتمعنا تجد بيئة صالحة لها في الفقر والتهميش، فقد اظهرت احدى الدراسات ان معدل الاعالة في اسر المتسولين والمشردين عالية نظرا لارتفاع حجم اسرهم، كما ان السيدات اللواتي يتعرضن للعنف من قبل الازواج يعيشن في اسر تعاني من نقص الدخل او بدون دخل ومن ثم يمكن القول ان الفقر يلعب دورا مهما في ظهور واستمرار المشكلات الاجتماعية للاسرة والاطفال والشباب ومع ان شبكة الحماية الاجتماعية لا يمكن ان تكون اداة سحرية لحل تلك المشكلات فانها تستطيع ان تكون اداة خفض وتقليل منها
ان شبكة الحماية النموذجية هي التي يكون الاستهداف فيها نموذجيا. ان تعليمات الشبكة لا تلغي قانون الرعاية الاجتماعية رقم 126 لسنة 1980 بل هي توسع اطار الشمول وتجعل المبدأ الاساس للشمول هو الدخل الواطيء وقد عد هذا المفهوم مرادفا لمفهوم (دون خط الفقر) الذي استخدم من قبل البنك الدولي ويعني اجرائيا ما يساوي اقل من دولارفي اليوم على اساس تعادل القوة الشرائية، ان كل اسرة (او فرد) يقع دخلها دون الـ (50.000) الفرق بين دخلها ومستوى (الـ50.000) دينار وبناء على ذلك استهدفت الشبكة فئات متعددة من الفقراء والعاطلين والمعوقين والمرضى والعاجزين، ويصل سقف الحد الاعلى (6افراد فاكثر) الى (120.000)دينار. كذلك الزمت الشباب بالتدريب على مهن معينة بما يؤهلهم لممارسة عمل يدر عليهم دخلا وقد ربط بين ذلك وبين دائرة الرعاية الاجتماعية ومراكز التشغيل والتدريب، كما ان التعليمات ربطت بين الاعانة وبين تعليم اطفال الاسرة حين اشارت الى منح الاسرة مبلغاً قدره (5000) دينار للاطفال دون سن الثانية عشرة اذا كانوا مستمرين على الدراسة. كما حددت التعليمات حالات تعديل مبلغ الاعانة او قطعها حين اشارت الى احتمالات ارتفاع معدل التضخم او خفض كمية او قيمة مواد البطاقة التموينية.
اما عن دور الاعلام في الشبكة فقد تم تشكيل لجنة تسمى (اللجنة الوطنية للاتصالات والاعلام) وهذه اللجنة مهمتها نشر الوعي باحكام قانون شبكة الحماية الاجتماعية وايصال ادق تفاصيله بجميع وسائل الاعلام الى جميع انحاء العراق وتستخدم ذلك جميع الوسائل المتاحة والمختلفة والتي تكون ذات صلة وترابط مع المواطن.
ومن هذه الوسائل (الفولدرات، اللوحات المعدنية الثابتة، البوسترات، الاعلانات في الصحف والفضائيات، المؤتمرات الصحفية، كراس صغير تضمن مبادىء الشمول بالبرنامج تم توزيعه على جميع وزارات الدولة والجهات ذات العلاقة(
واثناء تجوالنا في المجالس البلدية التقينا بعدد من المواطنين منهم، المواطن ياسر احمد سعيد (العاطل عن العمل) متزوج ولديه اربعة ابناء سألناه/هل 120ألف دينار تكفيك لاعالة عائلتك اجاب قائلا (لا) فالحياة صعبة ومكلفة والراتب قليل لا يكفي لسد رمق العيش من مأكل وملبس ووقود وايجار ومصاريف الاولاد ومدارسهم واضاف قائلا على كل حال الحمد لله (احسن من ماكو). والتقينا برجل (مسن عاجز) وسألناه نفس السؤال ولكن براتب 50 الف دينار هل يكفيك/ اجاب نعم الحمد لله انا اسكن في بيت حفيدي المتزوج وخمسون الف تكفي لسد مصاريفي والتقينا بشخص آخر (معوق) وايضا سألناه نفس السؤال واجاب (نعم) والتقينا بامرأة ارملة ولها وسألناها هل 70 الف دينار تكفي لسد رمق العيش اجابت (كلا) ظروفي صعبة جدا وحالتي سيئة لا يكفي هذا المبلغ القليل للعيش انا وولدي ولو حتى بمستوى اقل من المتوسط. وهكذا كل منهم له رأي مختلف فمنهم من يكفيه الراتب ومنهم لا يكفيه وختاما نقول ان شبكة الحماية الاجتماعية وفي ظل الثمن الكبير المتوقع الناجم عن التحول الى اقتصاد السوق، تشكل احد اهم آليات الامان الاجتماعي، ونأمل ان يتم تطويرها بما يجعلها اكثر فاعلية.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *