الرئيسية » مقالات » تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 3) ـ

تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 3) ـ

أربكان: حزب العدالة والتنمية خلع رداءه الإسلامي منذ أن وصل إلى السلطة

22/10/2007






أسطنبول:  “الشرق الأوسط” – نجم الدين اربكان أول رئيس وزراء اسلامي في تاريخ تركيا ليس مجرد زعيم سياسي بين انصاره، بل زعيم روحي وديني كذلك. زائروه من أعضاء حزبه وأنصاره ينحنون عندما يصافحونه ويقبلون يده 3 مرات.
هذا الرجل الذي يبلغ من العمر81 عاما، والذي لا يستطيع ان يمشي او يقف بمفرده بسبب مشاكل في فقرات العمود الفقري، ودائما برفقته مساعدين يمسكانه من اليمين واليسار، ذهنه ما زال حاضرا، ويستطيع الكلام لساعات بدون ان تبدو عليه أثار التعب. في الانتخابات الماضية لف اربكان المدن التركية وخطب لساعات في اطار حملة حزب السعادة الاسلامي. وما زالت اثار الهندسة الميكانيكية المهنة التي تركها اربكان للسياسة بعد ان طور محركات ديزل جلبت له شهرة كبيرة، حاضرة في طريقة كلامه. فهو يقسم كل شيء الى أرقام. 5 عوامل ساهمت في فوز حزب العدالة والتنمية، 4 اسباب ادت لاطاحتنا من الحكومة.
لكن وبينما يشعر الكثير من الاتراك بالتفاؤل بسبب النجاحات الاقتصادية لحكومة رجب طيب اردوغان، يرى الكثير من الاسلاميين الاتراك الذين لا يتفقون مع حكومة حزب العدالة ان سياسات اردوغان تخدم الاغنياء وليس الفقراء. ففي عام 2002 كان في تركيا 3 أسر فقط تمتلك كل منها نحو مليار دولار، في عام 2007 ارتفع هذا العدد الى 26 أسرة. ويشعر اربكان بقلق وتشاؤم إزاء مستقبل الاقتصاد التركي بسبب سياسات اردوغان الذي وصفه بأنه «تلميذ فاشل هرب من المدرسة من الباب الخلفي»، ولا يبدو اربكان سعيدا ابدا بتلميذه اردوغان، الذي يتصل بين الحين والآخر ليطمئن على صحته، ويقول «ان هذه الاتصالات لا تعني شيئا». ووجه اربكان اللوم الى «الشرق الاوسط»، وقال إنها ساعدت على تلميع صورة اردوغان في العالم العربي والاسلامي، وعندما ردت الصحيفة اننا نلتزم الحياد، وان الكثير من قراء «الشرق الاوسط» يعتزون باربكان وتجربته خلال رئاسته للوزراء في تركيا، رد اربكان ضاحكا: «صحيفة الشرق الاوسط مثل الشعب التركي تحبنا، لكنها تدعم حزب العدالة والتنمية».

40 عاما وأكثر قضاها اربكان في السياسة التركية لم تأخذ شيئا من حيويته، وهو لا يفكر في التقاعد الان، بل في الانتخابات المقبلة. اما ما يدفع اربكان للتحرك بكل طاقته فهو شعور عميق بالقلق والخوف على مستقبل تركيا. يرى اربكان، وهناك كثيرون مثله في تركيا، ان انهيار الدولة العثمانية كان مؤامرة غربية، ساعد فيها ابناء تركيا من المتغربين المعجبين بالغرب. لكن المشكلة ان اربكان لا يرى ان المؤامرة الغربية على تركيا (دولة الخلافة الاسلامية) انتهت «لان معركة الغرب مع الاسلام لم تنته». وما يريده اربكان ليس تطبيق الشريعة الاسلامية، فهذا كما يرى لم يكن ابدا هدفا له اولوية، بل تحرير تركيا من هيمنة اميركا والصهيونية العالمية. ويبدو من كثرة تكراره كلمة «صهيونية» ان اربكان من انصار نظرية المؤامرة، لكنه حقيقة يقول انه ليس من انصارها بل من ضحاياها، مستشهدا بالطريقة التي اسقطه بها الجيش التركي من رئاسة الحكومة، وهى خطوة يقول اربكان انها تمت بتخطيط من «الصهيونية». وهنا نص الحوار الذي اجرته «الشرق الاوسط» مع اربكان في منزله على بحر ايجه:

* كيف حقق حزب العدالة والتنمية النتيجة الكبيرة التي حققها؟

ـ تركيا دولة كبيرة بها 75 مليون نسمة، وهي مفتاح استراتيجي في العالم، ودخلها الوطني من بين الاعلى في العالم الاسلامي. وانطلاقا من هذه النقطة، فأن نتائج الانتخابات لا تخص تركيا وحدها، بل تخص العالم كله. الانتخابات الاخيرة كانت هامة، وتقييم نتائج هذه الانتخابات أكثر اهمية. ارقام الانتخابات معروفة، لكن ما هي الرسالة وراء هذه الأرقام. ما هي الحقيقة؟ الحقيقة هي ان الانتخابات التركية كانت مثل العاصفة، فقد كانت هناك عاصفة، والاتراك في تصويتهم تأثروا بالعاصفة التي كانت تعصف بدولتهم. هذه العاصفة التي احاطت بالانتخابات يمكن تلخصيها في 5 عوامل. اولا: موقف رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر. فقد وقف سيزر قبل الانتخابات موقفا سلبيا ضد الحجاب، وقال ان هناك اماكن عامة لا يجب ان يكون بها محجبات، وهذا الكلام الذي قاله يخالف العلمانية بمعناها الصحيح، ففهم الرئيس السابق للعلمانية، يعارض حقوق الانسان. طبعا هذا الموقف السلبي من الحجاب الذي انبثق من فهم غير صحيح للعلمانية، تأثر به بصمت الشعب التركي تأثرا كبيرا، لكن انفجر موقف الشعب في الانتخابات البرلمانية.

العامل الثاني هو عندما آن أوان انتخابات رئاسة الجمهورية، بعض المجموعات، قالت إن الرئيس الذي سينتخب يلزم الا تكون زوجته محجبة. هذا الموقف بدوره اثار الكثير من الامتعاض في أوساط الاتراك، وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية رد فعل ضد هذا التيار.

العامل الثالث الذي يمكن في ضوئه فهم نتائج الانتخابات الأخيرة، هو إنذار الجيش مساء 17 ابريل (نيسان) على الانترنت ضد الحكومة. اثار البيان استياء لدى الاتراك، فهناك قضايا مهمة، هناك قضية قبرص، التحقت قبرص بالاتحاد الاوروبي لكن الجيش لم يتحدث حول هذه القضية، هناك التطورات الاخيرة في منطقة الشرق الاوسط، مثل العراق وأنشطة حزب العمال الكردستاني، الجيش لم يصدر بيانات حول هذه القضايا. كذلك في تركيا، هناك خلايا تنظم عمليات ارهابية، تسفر كل فترة عن قتل مدنيين، لم يصدر الجيش بيانا حول هذه العمليات الارهابية. اما بيان الجيش ليلة 17 ابريل، فكان محتواه ان هناك خطرا على العلمانية، لانه كان هناك احتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وشاركت في الاحتفال بنات صغار محجبات، وكأن هناك خطرا على علمانية الدولة بسبب هذا. العامل الرابع، قرار اللجنة القانونية للدراسات العليا التي تشرف على كل الجامعات التركية بإغلاق مدارس الأئمة والخطباء ومدارس تحفيظ القرآن. موقف اللجنة السلبي هذا سبب ردة فعل شعبية غاضبة.

اما العامل الخامس فكان موقف رئيس حزب المعارضة حزب الشعب الجمهوري دنيز بايكال السلبي من حزب العدالة والتنمية، والاتهامات المتكررة التي وجهها الى الحزب بأنه ضد العلمانية، وهو ما دفع الشعب للتعاطف مع الحزب الحاكم، كما انه عني بالنسبة الى غالبية الاتراك انه اذا جاء حزب الشعب المعارض الى الحكم، فأنه سيشدد الخناق على ممارسات الناس. هذه الاجواء جعلت الشعب قنبلة مهيأة للانفجار. كما انه قبل الانتخابات مباشرة نظم حزب الشعب الجمهوري المعارض مظاهرات شارك فيها 3 ملايين من الذين يرون ان العلمانية في خطر، وبعضهم كان يردد الموت للشريعة. الكثيرون من الاتراك شاهدوا في هذه المظاهرات ضد حزب العدالة والتنمية تسونامي ضد الاسلام والمسلمين يتزعمها الحزب المعارض، والرد عليها للدفاع عن الدين، هو التصويت لحزب العدالة والتنمية. كذلك رأى الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية ان تشديد الهجمات من قبل المعارضة العلمانية ضد حزب العدالة والتنمية بهدف الاطاحة به هو تدخل ضد تصويت الشعب، والكثيرين من الاتراك لم يرقهم هذا السلوك. هناك بين الاتراك من لم يرد التصويت لحزب العدالة والتنمية، بسبب اغراق تركيا في الديون، والبطالة ومستويات الفقر وسوء الادارة والحكم، وسياساته الخارجية، خصوصا علاقته مع اسرائيل. لكن الانتخابات لم تأت في سياق عادي، بل جاءت في اطار تسونامي ضد حزب العدالة والتنمية سببه حزب المعارضة الرئيسي في البلاد وآخرون.

ماذا كانت خيارات الشعب التركي للرد على هذا التهديد؟ كانت هناك خيارات قليلة من بينها حزب السعادة، لكن حزب السعادة كان قد حصل في الانتخابات الماضية على 3% فقط، فلم يكن لديه فرصة حقيقية في هذه الانتخابات، فيما حزب العدالة حصل في الانتخابات الماضية على 34%، من الاصوات. الأتراك الذين يصوتون عادة لحزب السعادة، خافوا ان تذهب اصواتهم بلا طائل اذا صوتوا لنا، وبالتالي صوتوا لحزب العدالة. كل الاتراك الذين رأوا في موجة التسونامي العلمانية خطرا على الدين وخيارات الشعب صوتوا لحزب العدالة والتنمية. هذا هو معنى نتيجة الانتخابات الاخيرة، وهي ليست لها علاقة بسياسات حزب العدالة والتنمية، بل بالاجواء الاستثنائية في البلاد قبل الانتخابات.

* هل ترى ان تصويت الاتراك لحزب العدالة والتنمية كان قرارا صائبا؟

ـ 50% من قرار الشعب التركي صحيح لانه لم تكن هناك خيارات اخرى امامه، و50% خطأ. فالشعب ولانه اراد ان يحمي نفسه من التسونامي، تجاهل ان حزب العدالة والتنمية هو نفسه مسؤول عن هذا التسونامي. حزب العدالة والتنمية خلع رداءه الديني منذ وصل للسلطة قبل 5 سنوات، وقادة الحزب قالوا ذلك علانية ولم ينفوه، فبعد منع الدروس القرآنية واغلاق مدارس الائمة والخطباء، وللوفاء بشروط الانضمام للاتحاد الاوروبي، ألغوا قانونا كان يجرم الزنا. كما غيرت حكومة حزب العدالة والتنمية الآيات القرآنية في المدارس الرسمية، وألغوا «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» من سورة الفاتحة في الترجمة التركية للقرآن، اى لم يترجموها اصلا، ولم يترجموا معانيها لكي لا يغضب اليهود (غير المغضوب عليهم) والمسيحيون (الضالين). كما ان حزب العدالة والتنمية اعطى اهتماما كبيرا جدا لعلاقاته مع اوروبا واميركا، وقالوا ان الاتحاد الاسلامي غير ممكن، وان اتجاه تركيا هو لاوروبا. حكومة اردوغان تكرر هذا الخطاب منذ 5 سنوات. فكيف سينشأ الجيل الجديد؟ الاعلام والكتابات الصحافية تسمم أفكار الشعب. باختصار تصويت الاتراك لحزب العدالة والتنمية كان تصويت كراهية وليس حب، كراهية للبديل (التطرف العلماني) وليس حبا في حزب العدالة.

* قلتم ان حزب العدالة فاز في الانتخابات لانه كان بديل التطرف العلماني، وان تصويت الاتراك له تصويت كراهية وليس حب. لكن ماذا عن حزبكم انتم، حزب السعادة، لماذا لم يحصل سوى على 2.5%. وهل كان الخطاب السياسي للحزب أكثر تعقيدا في لغته وأفكاره من فهم رجل الشارع العادي، اذ انكم ركزتم على تأثير سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الاقتصاد التركي؟

ـ لا أعتقد ان خطاب حزب السعادة كان معقدا، أعتقد ان الاتراك فهموا خطاب وافكار حزب السعادة، والكثير من الاتراك كانوا متعاطفين معنا، ويرون ان برنامجنا السياسي هو الاصلح. لكن التسونامي السياسي كان اكبر من قدرته على اى اختيار آخر غير حزب العدالة، بسبب الخوف من فوز حزب الشعب الجمهوري العلماني. ليست هذه هي المرة الاولى التي يصوت فيها الاتراك بهذا المنطق. فقبل 30 عاما، قبل الانقلاب العسكري عام 1980، كان هناك حزب يميني اسمه حزب العدالة، وكنا ضده في حزب السلامة الوطني الاسلامي وكنا نحاول ان نشرح للناس مخاطر سياساته على تركيا، لكن هناك اياد غربية لها مصالح في تركيا تتدخل في شؤوننا بما يخدم مصالحها، ومع ان الكثير من الاتراك كانوا يؤيدون سياسات حزب السلامة الوطني، الا ان غالبية الاتراك صوتوا ايضا لحزب العدالة اليميني لانهم كانوا يخشون ايضا من البديل اليساري المتطرف. انذاك نحن في حزب السلامة الوطني قلنا ان الفرق بين الحزب اليساري الشيوعي والحزب اليميني ان الشيوعيين منهجهم هو اجراء العملية الجراحية بدون مخدر، فيما الحزب اليميني يخدر قبل العملية الجراحية، فلا تشعر بشيء، وبعد ان تفيق من المخدر تجد ان اليمنيين اخذوا اكثر من الشيوعيين. خسر حزب السلامة الوطني، لكنه لم ييأس وعدنا للساحة وفوزنا بحزب الفضيلة عام 1997 في الانتخابات وشكلنا الحكومة. والان نفس اللعبة تتكرر، لكننا ايضا نأمل ان يحمل لنا المستقبل نفس النجاح الذي حققناه في السابق، وننجح مرة اخرى في الفوز بالانتخابات.

* اردوغان كان احد اعضاء حزب الرفاه وخرج منه وشكل مع عبد الله غل حزب العدالة والتنمية، فهل تعتبرونه هرب من مدرستكم؟ وهل ترون انه نجح ام فشل؟

ـ نعم اردوغان تلميذ فاشل هرب من الباب الخلفي للمدرسة. هو اتى للمدرسة، لكن لم يستمع للدرس. وبالرغم من انه درس في مدارس دينية، الا ان اعماله لا تدل على هذا، فهو يقول ان تمدن المسلمين لا يمكن ان ينافس تمدن الغرب، بينما الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول الدين يعلو ولا يعلى عليه. هل الذي لديه علم يمكن ان يقول مثل هذا الكلام؟. اردوغان يتقرب من الاتحاد الاوروبي، ويلبي ما يطلب منه ويقول في الوقت نفسه ان الاتحاد الاسلامي غير ممكن. هل هذا شيء معقول؟ هل نحن نخدم الاسلام ام الصهاينة؟. وبما ان صحيفة «الشرق الاوسط» معنا الان اريد ان ارسل عبرها رسالة بما لها من حجم وهي ان صحيفة «الشرق الاوسط» تدافع عن حزب العدالة والتنمية، وتدعمه بما تنشره حوله. (ردت «الشرق الاوسط» على اربكان موضحة اننا لا ننحاز الى احد، واننا نشرنا انتقادات على لسان مواطنين اتراك لاردوغان بسبب تقاربه من اسرائيل واميركا وسياساته الاقتصادية، وان هناك بين قراء «الشرق الاوسط» من يعتز باربكان وتجربته خلال رئاسته للوزراء في تركيا. فرد اربكان ضاحكا: صحيفة «الشرق الاوسط» مثل الشعب التركي تحبنا، لكنها تدعم حزب العدالة والتنمية.. الاكاديميون والمثقفون في العالم الاسلامي والعربي كلهم يقرأون صحيفة «الشرق الأوسط»، وعندما أقرأ أنا صحيفة «الشرق الاوسط» أفاجأ بأنه ليس هناك تمييز بين حزب السعادة وحزب العدالة والتنمية. على اخواننا في «الشرق الاوسط»، الا يخلطوا بين الحق والباطل.

* حقيقة هناك نقص في المعلومات حول طبيعة العلاقة بينكم وبين اردوغان، والفرق في سياسات حزب السعادة وحزب العدالة والتنمية، والاعتقاد الذي كان سائدا حتى وقت قريب هو ان تجربة اردوغان في الحكم استكمالا لتجربة حكم الاسلاميين على يديكم عام 1997 خلال حكم حزب الرفاه.

ـ حزب العدالة والتنمية لم يسر على نفس خطواتنا، وحتى الان لم يظهر ان عندهم فهم لما يحدث. الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول: «أتقوا فراسة المؤمن، فأنه ينظر بنور الله». على حزب العدالة والتنمية ان تكون لديه فراسة. الاسلام ليس دين مذهبي، بل هو دين العقل والفهم والوعي. لذلك ينبغي ان نفهم الاسلام فهما صحيحا. في جميع الكليات الشرعية الموجودة في العالم الاسلامي هناك شيئان ناقصان: تأسيس كلية مختصة بكيفة تطبيق الشريعة بحيث تتلائم مع هذا العصر. وكلية اخرى تتخصص في فهم الاسلام بشكل صحيح، فالمسلم يجب ان يعي ويفهم الاسلام فهما جيدا. لا تتخذوا اليهود او النصاري اولياء. اي شخص يذهب الى اليهود ويجعلهم اولياء له، كيف يكون مسلما صحيحا؟ مشكلة الوعي هذه موجودة في كل العالم الاسلامي.

* هل يمكن ان تخبرنا اكثر حول الدوافع التي جعلت اردوغان ينشق عن حزب الرفاه ويشكل حزبا جديدا منافسا لكم؟

ـ كلنا يعرف مؤسس اسرائيل ثيودور هرتزل وحاييم نعوم المفكر والناشط اليهودي وزبيجنيو بيرجنسكي مستشار الأمن القومي الاميركي الأسبق. ماذا يقول بيرجنسكي؟ يقول: عندما ننظر للعالم الاسلامي. نجد نوعين أهل الدنيا وأهل الدين: نحن نريد اضعاف اهل الدين، والتعاون مع اهل الدنيا. تسألون لماذا أسس اردوغان حزبا جديدا وأنفصل عنا؟ اجابتي هي كلام بيرجنسكي. طيب اردوغان لم يؤسس حزبا بمبادرة منه، بل اعطي اوامر بتأسيس حزب. لماذا اصبح اردوغان ألعوبة في هذا المشروع؟ لانه لديه ضعف ازاء الموقع والمال والرئاسة والمنصب.

* ما هي نوع العلاقة الان بينكم وبين السيد اردوغان؟ هل ما زالت بينكم اتصالات مثلا؟

ـ طيب يتصل بي في بعض الأحيان بالتليفون ليسأل عن صحتي لكن هذا لا يعني شيئا. فكيف انت وكيف حالك لا يهم. المهم هو عودة الوعي الاسلامي الحقيقي.

* إذا انتم لستم راضين عن سياسات السيد اردوغان؟

ـ انا لست راضيا عن تصرفاته وسلوكه وعن الطريق الذي يسير فيه. نحن نشتكي لانه يدفع الشعب التركي نحو مشاكل كبيرة. لسنا راضين عن ولائه وكونه شريكا للصهاينة في بعض البرامج. لماذا ارسل طيب اردوغان قوات تركية الى لبنان، في اطار قوات الامم المتحدة لحفظ السلام في لبنان؟ من اجل تجريد حزب الله من الأسلحة.

* لماذا لا تحاولون التحدث مع السيد اردوغان حول اختلافاتكم معه، ففي النهاية اى ضرر سيصيب كل الاسلاميين الاتراك؟

ـ هناك مقولة مفادها انه اذا قدر الله قدرا على شيء، فأن الله يأخذ العقل ولا تفيد النصيحة. نحن نصحنا كثيرا، لكن لا فائدة.

* مرت 10 سنوات منذ اطاحة حكومة الرفاه بزعامتكم.. هل اعدتم تقييم الاسباب والدوافع التي ادت بالجيش التركي الى اطاحتكم؟

ـ السبب واضح.. الدوائر الصهيونية العالمية هى السبب وراء اطاحتنا. لدى اليهود حلم بناء الدولة المزعومة بين النيل والفرات. الحرب العالمية الاولى نشبت من اجل اقامة الدولة الاسرائيلية الكبرى بين النيل والفرات، وارادت القوى الصهيونية الاستيلاء على اسطنبول من اجل تأسيس هذه الدولة الاسرائيلية. وكان الاستيلاء على اسطنبول ان تم كان سيكون بداية هذه الدولة. ماذا حصل؟ اتوا بـ600 سفينة و600 الف جندي وفشلوا. لكن تأسيس دولة يهودية بين النيل والفرات جزء اساسي من معتقدات اليهود، وهم لن يغيروا هذه الفكرة ابدا. خلال 80 عاما عملت القوى الصهيونية على ابعاد الاتراك عن دينهم، وحصارهم اقتصاديا. عام 1990 ماذا حدث؟ أنهارت الشيوعية، وأصبحت الولايات المتحدة هي القوى العظمى الوحيدة واميركا في يد اليهود. بعد غياب الاتحاد السوفياتي، عاد الحلم اليهودي من جديد لتأسيس دولة من النيل للفرات. ماذا فعلوا؟ خلال احد اجتماعات حلف شمال الاطلنطي (الناتو) عام 1990 قالت مارغريت تاتشر: نحن اسسنا الناتو لمواجهة السوفيات. الان السوفيات انتهوا. فهل نلغي الناتو؟ ولان الفكر الذي ليس له عدو لا يمكن ان يبقى حيا. كان لا بد من ايجاد عدو جديد بدلا من الاتحاد السوفياتي. قالت تاتشر ان العدو موجود وهو الاسلام. خلال هذه الاجواء ظهرت حكومة الرفاه في تركيا. ما سأقوله الان أنقله مما قاله بيرجنسكي فهو قال: ما دام حزب الرفاه في السلطة في تركيا لن يمكننا تحقيق اهدافنا، لا بد من حل حزب الرفاه. كيف نقضي على حكومة الرفاه؟ الخارجية الاميركية لا تريد سيطرة الجيش التركي على السلطة بدلا من الحكومة المنتخبة. فماذا فعلوا؟ نظروا للحزب الثاني الذي يشكل الحكومة الائتلافية معنا وهو حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر، وهددوا 50 نائبا من حزب الطريق القويم بأنهم اذا ساندوا الحكومة الائتلافية بين الرفاه والطريق القويم، فأنهم يعرضون تركيا لتدخل عسكري من قبل الجيش كما حدث عام 1980 في انقلاب كنعان افرين. شريكتنا في الحكومة تشيلر جاءت وقالت لى: 50 نائبا من حزبي لا يؤيدون الائتلاف معك. نحن في مأزق ولا بد من انتخابات جديدة، وبعد الانتخابات يمكن ان نسير في خطتنا للحكومة الائتلافية من جديد. نحن في اتفاقنا المبدأي مع تشيلر قلنا اننا اذا اضطررنا بسبب اى ازمة الى انتخابات مبكرة، فسنغير رئيس الوزراء، بمعنى ان اتنازل أنا لتصبح هى رئيسة للوزراء. وصوتنا في البرلمان بغالبية 251 نائبا على قرار بإجراء الانتخابات خلال 3 أشهر. لكن ما حدث بعد ذلك كان مخالفا لمبادئ الديمقراطية. فنحن كان معنا 291 نائبا في البرلمان، لكن خلال الازمة اعطي حق تشكيل الحكومة الى مسعود يلماظ الذي كان حزبه اقلية في البرلمان.

* لماذا تعتقد ان الدوائر الصهيونية كانت مستاءة منك؟ ما هي السياسات التي اتخذتها وأزعجتهم؟

ـ نحن في الاشهر التي قضيناها في الحكومة حققنا 3 اشياء. أولا: تركنا صندوق النقد الدولي وقلنا لهم اننا لا نريد تطبيق برامجهم الاقتصادية. ثانيا: وضعنا ميزانية تجعل مصاريف الدولة ومواردها متوازنة، وهذا لم يتحقق قبلنا ابدا. ثالثا: أسسنا تحالف الدول الثماني الاسلامية. (تركيا وباكستان واندونيسيا ومصر ونيجيريا وماليزيا وبنغلاديش وايران. وكانت فكرة إنشاء تلك المجموعة التي تأسست وصدر ميثاقها خلال قمة عقدت في اسطنبول في يوليو (تموز) عام 1997 بعدما تبنتها حكومة اربكان خلال فترة حكم حزب الرفاه). وكان هدفنا تغيير تركيبة النظام الدولي التي تسيطر عليها قوى، ليست بينها قوى اسلامية. تحالف القوى الثماني كان نواة وبداية تأسيس «صوت» للعالم الاسلامي في شؤون العالم، لخلق مجتمع دولي أكثر عدالة، لكن هذا لم يعجب الكثير من القوى العالمية واليهودية. دائما ما اقول للأتراك: لماذا لا تفهموني قبل اليهود؟ اليهود ادركوا التأثيرات المحتملة لتحالف الدول الثماني وتحركوا ضده لمنعه، لكن في العالم الاسلامي لم يكن هناك ادراك للنتائج الهائلة التي يمكن ان تترتب على هذا التحالف.

* بعد اطاحتكم من الحكم. ما هي المشاعر التي مررتم بها؟ حزن ام شعور بالخيانة، خصوصا أن هناك رجال اعمال أتراكا وقفوا ضد حكومتكم؟

ـ طبعا شعرنا بالحزن والخديعة، لكننا واثقون في اهمية ما نقوم له. بعض رجال الاعمال وقفوا ضدنا لاننا عندما وضعنا ميزانيتنا للدولة اردنا ميزانية عادلة، فرجال الاعمال كانوا يضعون اموالهم في البنوك ويحصلون على نسب فائدة كبيرة جدا واعفاءات كثيرة من قبل الدولة تكلفنا عشرات المليارات دولار. في الميزانية اخذنا 10 مليارات دولار من رجال الأعمال وخصصناها لاحتياجات الطبقات الفقيرة، وهذا لم يرض الكثيرين.

* تحدثتم حول المخاوف على مستقبل العالم الاسلامي.. نسألكم سؤال الساعة: هل تعتقدون ان إيران يمكن ان تتعرض لهجوم اميركي؟

ـ طبعا هناك خطر حقيقي على ايران، فجورج بوش محافظ ديني يرى الاسلام كعدو، هو يرى ايران خطرا. اي شيء اسلامي بالنسبة له يشكل خطرا، ايران وتركيا وغيرهما.

* تركيا ايضا في خطر؟

ـ ليس هذا فقط، تركيا تواجه اكبر خطر. فتركيا بالنسبة لاميركا اهم دولة في المنطقة، اذا تحالفت تركيا مع العالم الاسلامي خسرت اميركا كل شيء. لهذا تحارب اميركا واليهود المد الاسلامي، ولهذا يجب على العالم الاسلامي ان يعزز تعاونه.

* البعض يقول ان الجيش التركي بات أضعف امام حكومة حزب العدالة المنتخبة بأصوات 46% من الاتراك، هل تعتقد هذا؟

ـ لا.. الجيش ليس ضعيفا الان. الجيش ما زال اقوى المؤسسات في تركيا.

* كيف ترى تجارب الاسلام السياسي في العالم العربي؟

ـ لكل تجربة خصوصيتها. تجارب الاسلام السياسي في المنطقة تهدف الى انهاء سيطرة اليسار والرأسمالية علينا. وهذا مطلوب.

* لكن هناك تجارب اسلامية كانت شمولية ولم تعتمد اساليب الديمقراطية. فكيف تقيمها؟

ـ لا يمكن ان تكون هناك حكومة اسلامية شمولية.

* لكن عدم اجراء انتخابات مثلا ليس من الديمقراطية؟

ـ اي حكومة لا بد ان تستمد شرعيتها من الشعب، الغاء الانتخابات والغاء الشعب غير صحيح ولا يتلاءم مع الاسلام.

* اخيرا هل يسعدكم لقب «أبو الإسلام السياسي في تركيا»؟

ـ استغفر الله. نحن لا نهتم بالالقاب. نحن نريد العدالة لجميع المسلمين وجميع البشر. فالاسلام دين المحبة والرحمة. وهدفنا سعادة الـ6 مليارات انسان على وجه الارض وليس المسلمين فقط.

* غدا : خصوصية الإسلام التركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *