الرئيسية » مقالات » ستوكهولم: رواية (لعبة الشيخ) في أمسية ثقافية

ستوكهولم: رواية (لعبة الشيخ) في أمسية ثقافية


أقام نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم، يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2007م، أمسية ثقافية تكريما واحتفاء بالشاعر جاسم ولائي وقراءة واستعراضا لروايته الأولى (لعبة الشيخ) الصادرة في دمشق. حضر الأمسية جمهور كبير ضمته قاعة النادي.
قدم للكاتب والرواية الأستاذ فرات المحسن حيث رحب بالجمهور. ثم نوه لأهمية الرواية كونها أغناءا وإضافة جديدة لعالم الرواية العراقية بالرغم من صدورها خارج الوطن، وأطرى على جهد الروائي جاسم ولائي الذي عرف عنه شاعر قبل هذا العمل. ثم أوجز الكاتب فرات المحسن تأريخ الرواية عالميا وعربيا ونشأتها في العراق، ثم قدم قراءة واستعراضا لرواية الشاعر جاسم ولائي، مشيرا الى قراءته مرتين للرواية من أجل أن لا يفوته شيء ويحرم من معرفة تقنية الرواية والتعاقب التاريخي للأحداث وما يصاحب ذلك من تغيرات، وأيضا لاكتشاف الخطاب الأيديولوجي الذي حوته الرواية والاحاطة الكاملة بمحتواها وموضعها وهو الذي يشكل القيمة الجمالية والدالة الأساسية للرواية.
كما أشار إلى أن لغة الرواية جزلة شفافة متماسكة ذكية. وهي في ذلك تشي بكون الكاتب شاعرا ولذا استطاع تطويع لغته الشعرية ليجعلها تمسك بخيط التعابير وتظهر دربة الشاعر وعدته اللسانية.
وهي لغة تفصح عن المشهد أو الصورة بشكل جلي لا لبس فيه. وأن الكاتب يزاوج بين مستويين من اللغة، لغة جزلة واعية ولغة بسيطة تحاكي العامية تبعا لما يتطلبه المستوى الثقافي ووعي الشخوص في الرواية. أعتمد الولائي على نمط جلب واستدعاء الذاكرة ونوّع في أشكال السرد حيث يكون حوارا دائما بين الذاكرة والحاضر. وهو في هذا الشأن أستخدم تقنية الراوي (الحكواتي) باستدعاء الماضي أو التداعي في الأحداث، ثم أستخدم أسلوب الرسائل التي تفصح عن موضوعة الحدث ومدلولاته.
فهناك حوار دائم بين الذاكرة ومعلقاتها والتي يثيرها منذ البدء مشهد تلفزيوني لأحد أهم شخصيات الرواية وأعمدتها اللواء سعدون والتي نجدها تتبادل الأدوار مع الراوي الذي هو جاسم ولائي الذي سمي لاحقا بالماء البارد والشخصية المحورية الشيخ هيبة الدين ذو الجرار ومن خلالها تتشعب التسميات لتحاك منها وفيها شبكة العلاقات والشخوص الدالة على الثيمة التي بني وفقها متن الرواية.
الحوار والسرد في الرواية له دالته الواعية. فهو يفصح عن دواخل الجميع دون تكلف وصنعة ..مباشر ولكنه يكشف بوعي عن أشياء مضمرة ويجلي علة الحدث بتأن وروية. وزمن الرواية مثلما مكانها يتشظيان لعدة أزمنة وأمكنة ويحاول الحكواتي بشطارة ربطها بعرى وثيقة تفصح أخيرا عما أراد الكشف عنه. والراوي سجل عالمه الخاص وربطه بعالم الأشياء والمحيط وعوالم الآخرين ليقول في النهاية حكايته المحزنة المضحكة المخادعة الساخرة الموبوءة المتشفية والملتبسة والتي أسماها في نهاية الرواية بالمتاهة الجرارية وهو محق في هذه التسمية.
وأضاف المحسن قائلا: في روايته لا يستعيد جاسم ولائي عالمه الشخصي فقط وإنما يحاول أعادة تركيبه كحلم لذا يحاور المكان وذات الشخوص وبشكل خاص من أحبهم بحرقة ويقين مثل أم فاطمة والحاج شاكر.
ما قالته الرواية وما أستند اليه الولائي في البناء يمكن تسجيله في موضوعتين الأولى اعتماد الدين من قبل السلطة كأيدلوجية لتمرير مراميها وخنق الناس واستعبادهم والثانية هي تأشير خراب الذمم والعقول وكيف ينمو الخوف ليظهر ازدواج المعايير وتقلب الناس في منعطفات الحياة. ما يسجل للرواية أن الكاتب ومن خلال الحواريات لا يشذب أو يحذف عن شخصياته ما يشي عن واقعهم المكشوف ولذا لم يكن شخوص الرواية أبطالا خارقين باستثناء الهلام الكاذب هيبة الدين ذي الجرار الذي توحي شخصيته عدى كونها أمثولة سلطوية، توحي أيضا بقدرتها على جمع المتناقضات فيمكن ضمها إلى معارضي السلطة أيضا.

* ثم تحدث الكاتب الشاعر جاسم الولائي عن روايته فأوضح أن موضوعة الرواية أخذت منه الوقت الكثير ولم يكن على عجالة في إصدارها وكان يتملكه هاجس واع يدفعه للتذكر وتتبع خيوط حيوات شخصيات الرواية في الماضي والحاضر مثلما عرفهم بحقيقتهم الحياتية اليومية، وهذا ما فعله حين وضعهم في الرواية بأسمائهم الصريحة ولم يكن يرغب في تغيير الأسماء رغم أن المكان والشخوص قد فرضت عليهم تركيبات جديدة ونماذج لحيوات أخرى جعلتهم يختفون من مسرح الأحداث التي دارت بها وقائع الرواية. أنها القسوة التي جعلت المنطقة تبدل وجوه أهلها الحقيقيين وتستعير وجوها أخرى باسم الطائفية القبيحة التي توجه اليوم رصاصها الوحشي إلى روح الجيرة وألفة الناس وأخوتهم البريئة الراسخة في الوجدان دون تكلف لتغير خارطة الأرواح قبل الجغرافيا. لقد أردت أن أهجو الواقع بسخرية وهذا ما فعلته بتتبع مصائر من اعتبرتهم أهلي وحاضنتي.هؤلاء الذين يرقدون بين طيات الذاكرة والمعرفة التي تجلت عندي في رصد الوضاعة عند صويلح وزوجته زوجة الحكومة وأبنه سعدون. وبين البطولة الخارقة في أسطورة هيبة الدين والبطولة العادية المتمثلة بقوة المثل والحنو والبراءة والعفوية التي شكلتها شخصيات مثل أم فاطمة والحاج شاكر وغيرهم من أبناء تلك المدينة البريئة التي أرادت تلويثها سلطة جائرة. هكذا قال الكاتب الولائي.
في استعراض شخصياته أشار الكاتب الى سبب أبدال أسم مهيدي الى سعدون وهو أحد الأبطال المحوريين في الرواية الذي أبتدعه. فقد جاء ذلك من أجل أن يؤكد على حقيقة أن النفس الوضيعة تمتلك حين يتهيأ لها الظرف قدرة تغيير الجلود وإعادة تركيب النفوس دون وجل أو خوف. وأكد الولائي أن ما أراد رصده وتوثيقه هو حياة الناس في قاع المجتمع وتأثير جبروت السلطة ووحشيتها وتلاعبها بمصائر الناس عبر إعادة تشكيل وعيهم. وهو في ذلك أراد أن يرصد تحولات البشر عبر الزمن وقوة فعل لعبة الشيخ وجرته التي اختارها لتكون دالة الرواية ورابطها. وليكشف هو زيف تلك الدالة التي ارتكنت اليها السلطة لتكون لازمة لتغيرات لا تقتصر على زمن محدد وإنما توغل بعيدا في الزمن الماضي مثلما في الحاضر والمستقبل.
لعبة الشيخ تأكيد لتوارث وتناسل القبح والرذيلة وتلاعب القوة الغاشمة والخديعة بعقول ومصائر الناس ولكن الطيبة والفطرة الإنسانية تبقى هي الحلم والمنهل الذي يجعل المرء يبحث بين طيات حياة تلك الشخوص التي أحبها. وهو يستدعيها لتكون بين يديه ندية بقدر ما هي حلم وأمنية.
وقد ركزت حوارية الجمهور وأسئلتهم على أجواء الرواية ولغتها ورمزيتها. وقد أجاب الكاتب بما يفي الأسئلة حقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *