الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /20

بدايــات الغربــــة /20

تتناول الحلقة: الأستقرار في مدينة لوبلين وبدء دراستي. الرئيس القذافي حاضرا في المؤسسات الأمنية البولونية!. علاقتنا مع مديرة القسم الداخلي. نورس وقصصه الطفولية البريئة مع الطالبات وطلبة البعثة الحكومية.
………………………………………………………………………………………..

خلال فترة مراجعاتي للوزارة حول زمالتي أتصلت بزملائي وأساتذتي القدماء وعلمت منهم بألغاء فرع الجامعة الهندسية في مدينة بوتسك (płock)، المدينة التي أنهيت فيها دراستي الجامعية الأولية. كانت رغبتي شديدة في العودة الى تلك المدينة، لصغرها وجمال موقعها على ضفاف نهر الفيسوا، فهي تشرف من أرتفاع يتجاوز الأربعين مترا على مجرى النهر وضفافه التي تمتد لعشرات الأمتار من الأراضي الخضراء والحدائق الطبيعية الجميلة. إضافة لعلاقاتي الجيدة السابقة مع طلبتها وأساتذتي وحتى أرتباطي بصداقات مع الكثيرين من أهاليها وأرتباط اماكنها بذكريات طلابية جميلة كنت أود أستعادتها، إضافة الى أنها جزء من جامعة وارشو الهندسية وهذا الأهم.
قررت البحث عن مدينة أخرى للدراسة، بعد التشاور مع المنظمة وسكرتيرها، آخذا بنصيحة أستاذي البروفيسور كومولسكي. فبعد تعذر حصول زوجتي على الأقامة في وارشو بعد تجربتي الأولى وفشل محاولاتي خلال الفترة المنصرمة، وأضطراري لدفع مبلغا مقابل منحها الاقامة لبضعة شهور، أستعنت بأستاذي السابق وعميد الكلية البروفيسور كومولسكي بتمديد إقامة زوجتي لمدة ستة أشهر مجانا ونصحني بالأنتقال الى مدينة أخرى معتقدا أن تمديد الأقامة فيها سيكون أكثر سهولة. قررت أختيار مدينة لوبلين الواقعة جنوب شرق وارشو بحدود 150 كلم. حيث توجد فيها مجموعة من رفاقنا وأصدقائنا بحدود العشرة، أضافة الى مجموعة كبيرة من البعثيين الذين وصلوا للدراسة ضمن الموجات التي دفع بها حزب البعث بعد عام 1979 للمساهمة في أعتداءاتهم التي تطرقت لها في الحلقة 18، وبعضهم كان يدرس على حسابه الخاص.
سافرت الى لوبلين وقابلت عميد كلية الهندسة المدنية البروفيسور يشي كريج (Jerzy Grycz) وعرضت عليه رغبتي في أنجاز الدكتوراة في الكلية، رحب بطلبي وبعد أن أطلع على المواد التي سبق لي دراستها وعدد الساعات لكل مادة، طلب مني أن أجري بعض الأمتحانات التكميلية الضرورية قبل بدء الدكتوراة. الغريب أن البروفيسور بمجرد أطلاعه على ألأندكس (Indeks)¹ ، قرر مباشرة (وأنا واقف قبالته) ودون الرجوع الى زملائه أساتذة مواد الأختصاص، في تحديد النواقص التي يجب عليّ أنجازها. حدد لي 12 مادة علمية، ومن الغريب كانت أحدى هذه المواد العلمية مادة تحَمل المواد (Wytrzymałośś materiałów)²، حاولت مناقشة البروفيسور بعدم ضرورة هذه المادة، فهي أحدى المواد العلمية المتفوق بها، حتى أعفيت من أجتياز الأمتحان السنوي فيها، لكنه أصر وأكد لي ضرورة أعادة دراسة المادة وأجراء الأمتحان مجدداً! أستسلمت لقراره وأعتبرت أن ذلك سيكون لمصلحتي، لأنها مادة سهلة بالنسبة لي ولا تكلفني جهدا دراسيا كبيراً لأجتيازها وسوف تساعدني في رفع معدلي العام.

في لوبلين قررت البحث عن سكن غير السكن في القسم الداخلي معتقدا أنه سيكون أفضل لي ولعائلتي، وحالفني الحظ بعد مايقرب الشهرين من البحث بأستأجار شقة من ثلاثة غرف ومؤثثة بأثاث بسيط وبأجر شهري بحدود 100$. لم ترق الشقة ولاموقعها لزوجتي بسبب بعدها عن مركز المدينة وتقع ضمن أحد أحياء المدينة البعيدة عن المركز، ووسائط النقل فيه رديئة ومتعبة وخاصة لعائلتي وهي تجهل اللغة البولونية، فأضطر لقضاء ساعات بمرافقتهم للتبضع أو لقضاء أوقات الفراغ والنزهة.
بعد استقراري قررت مراجعة أساتذتي واحدا تلو الآخر لتحديد البرنامج الدراسي المطلوب أنجازه، والتفاهم معهم حول المصادر الضرورية، والطريقة التي يرغبون فيها لنيلي الزاليجينية (Zaliczenie)³ أو كيفية أجتياز الأمتحان النهائي. أتفقت مع بعض الأساتذة على تقسيم المادة الواسعة على وجبتين لأنجازها، والبعض الآخر قررت معهم على أجتياز الأمتحان بجميع المادة بوجبة واحدة. كما أتفقت معهم بأني سأتفرغ من مادة لآخرى بالتتابع، وحددت بين شهر وشهرين لكل مادة وأتفقت مقدما مع أساتذتي على الأسبوع الذي سأجري فيه الأمتحان. كان هدفي من هذا التحديد رغم مايسببه لي من صعوبات بسبب بعض الأنشغالات الغير متوقعة، الألتزام والأرتباط بالمواعيد أمام أساتذتي، وأظهار جديتي بالدراسة. كان مجموع الأمتحانات التي يجب علي أنجازها تسعة، أضافة الى ثلاثة مواد أخرى خاضعة (للزاليجنية) فقط. والمواد المطلوبة موزعة على أكثر من مرحلة، بدءً من السنة الأولى كالرياضيات والجولوجية وصولا للسنة الرابعة.
النظام المعتاد للحالات المشابهة لحالتي، أن يتفاهم طالب الدكتوراة مع أستاذ المادة ليحدد له سعة المادة والبرنامج المطلوب منه أجتيازه ودائما يساعد الأستاذ تلميذه في أرشاده للمصادر الضرورية ومنحه فرصة اللقاء معه للحوار وزيادة الأستيضاح اذا لاقى الطالب بعض الصعوبات في دراسته. وطالب الدكتوراة غير مجبر بحضور محاضرات الأستاذ في الصفوف الدراسية، لأن برنامجه الدراسي ليس بالضبط البرنامج الدراسي لطلبة الجامعة، الخاضعين لبرنامج فصلي يشمل سنوات الدراسة الجامعية.
أتصلت ببعض أساتذة المواد، وخاصة المواد الجديدة عليّ أو التي كنت بحاجة فعلية لها لأغناء معلوماتي، وأتفقت مع أساتذتي بتحديد سعة المواضيع ومصادرها وتحديد يوما لتأدية الأمتحان. تفهم أساتذتي لظروفي وتعاونوا معي في تنظيم أمتحاناتي، وبعضهم خصص لي ساعات اسبوعية لأستشارته ومحاورته في خصوص مادته عند الحاجة. بذلت جهدي لتنظيم حياتي وتوزيع وقتي بين الأهتمام بعائلتي وعملي الحزبي والديمقراطي ودراستي. كانت زوجتي وأبني نورس (اربع سنوات) بحاجة الى مزيد من الوقت لجهلهم اللغة البولونية، فكنت مضطرا في الأشهر الأولى للقيام بكثير من الأعمال بصحبة زوجتي كالتسوق ومرافقتها للأطباء والخروج معهم للمدينة وغيرها من تحرك تقتضيه الحياة الطبيعية للعائلة.

لم تدم أقامتي في البيت المستأجر أكثر من شهرين، حيث تفاجأت في أحد الأيام بسيارة الشرطة وأستدعائي للتحقيق. كان المحقق ضابطا يجلس خلف طاولة وخلفه على الجدار علقت صورة كبيرة للرئيس الليبي القذافي بإطار ضخم جميل وبقياس لايقل عن 80/120 سم! بصراحة تفاجأت لمثل هذا العرض الكوميدي والغير معقول، أن تعلق صورة لرئيس عربي عرف بتهوره وغروره ومعاداته للفكر الماركسي في بلد أشتراكي يقوده (حزب شيوعي) وفي دائرة رسمية. حينها فهمت مدى دور الدورات العسكرية لطلبة الطيران العسكري الليبي في المعسكر القريب من لوبلين وتأثيرها على شراء الذمم والعقول البولونية اللاوطنية. المفاجأة جعلتني أقف مشدوها أمام ضابط الشرطة ومستغربا من تصرفه وتجاوزه لقيم البلد. بعد أن طلب مني الجلوس، سألني هل أعرف صاحب الصورة؟ فأجبته بالتأكيد أعرفه. أبتسم وقال لي: أنا معجب به!! تجاهلت وأحتقرت تعليقه وسألته عن سبب أستدعائي بهذه الطريقة التي سببت الرعب والقلق لعائلتي، بينما كان ممكن أستدعائي بكتاب رسمي وبدون أحضاري بواسطة سيارة الشرطة. قال لي أستدعيناك لأنك تسكن في بيت أمرأة غادرت بولونية وهربت لأمريكا، لأنها معارضة، ولايحق لها تأجيرك البيت! كنت أعرف أن صاحبة البيت تعيش منذ أكثر من سنة خارج بولونية، وأن زوجها ووكيلها هو من أجر لي الشقة. فأخبرته اني استأجرت البيت من زوجها وبطريقة نظامية، ومسألة وجودها خارج بولونية ودوافعها لآتعنيني. لكنه رد وكأنه قد بيت لي قضية لتعقيد وضعي، خاصة أن أقامة زوجتي توشك على النفاذ، وطلب مني أن أترك البيت خلال يومين وإلآ سيتخذون أجراء بحقي! فضلت عدم الخوض معه في النقاش أو الأصرار على بقائي، لأني كنت أجهل حقيقة القوانين في مثل حالتي، وهل يحق للشرطة بأجباري على مغادرة البيت أم لآ ، ولم أرغب في تعقيد الوضع، وأوعدته بأني سأغادر البيت عندما أحصل على سكن في القسم الداخلي. عدت للبيت مهموما وأنا أفكر كيف ستكون حياتي بعد الأنتقال الى القسم الداخلي وهل سافلح في إستأجار بيت بديل ومناسب وبسرعة، وحتى أنتقالي سيسبب لي قلقا وعدم أستقرار وبذلك ستضيع مني أسابيع أخرى المفروض أستغلها بالدراسة والتحضير.

أخبرت زوجتي بالمشكلة الجديدة وأقنعتها بضرورة الأنتقال والعيش في القسم الداخلي موقتا لحين البحث عن شقة جديدة. ولحسن الحظ أن زوجتي قنوعة وتتفهم وضعي وظروفي وتحاول تسهيل الأمور وعدم تعقيدها فوافقتني على السكن في القسم الداخلي. راجعت مديرة أحد الأقسام السيدة كراجينا ماجوخا (Grażyna Maciocha) وكانت أنسانة جدا طيبة ومتفهمة لمشكلتي، ومنحتني غرفة في القسم الداخلي. كان من الصعب السكن في غرفة واحدة بكل الأثاث العائلي الذي وفرته في البيت. بعد أنتقالي للغرفة تحدثت وزوجتي مع المديرة عن ضيق المكان، وتعاطفت المديرة معنا ومنحتني غرفة ثانية بطابق آخر حشرت فيها بعض أثاثي. بعد أسابيع أستقر وضعي بعض الشيء في القسم رغم ضيق المكان وما يسببه لي من صعوبة في المذاكرة. ولم أفلح بالعثور على شقة تناسبنا من ناحية الموقع والسعر بالرغم من الجهود التي بذلتها في الأيام الأولى من سكني في القسم الداخلي.
كان القسم مخصص لطالبات الطب والتمريض وبعض الطلبة من جامعة الهندسة المدنية. ربما أثير دهشة البعض لأرتياح زوجتي وطفلي في القسم الداخلي بالرغم من ضيق المكان. فقد نجحت زوجتي بطبيعتها الأجتماعية وبساطتها وبطيبتها من عقد صداقات مع الطالبات بالرغم من جهلها اللغة البولونية، وأحست كما طفلي بأنها تعيش وسط مجتمع طيب يحب الأختلاط ويحترم الغرباء، شرط أن تحترمهم وتقدر علاقاتهم. أرتياح عائلتي في القسم الداخلي كان السبب الأهم في عدم الأستمرار بالبحث عن شقة، خاصة بعد أستقرارنا وتكيفنا لحياة القسم الداخلي وقبول نورس في الحضانة المجاورة للقسم.

كانت مديرة القسم الداخلي السيدة كراجينا وبحكم عملها وتواجدها في القسم وأحتكاكها ببعض الطلبة على أطلاع بمدى جدية الطلبة في دراستهم ومشاكلهم الدراسية والأجتماعية وخاصة الأجانب منهم. وتراقب أوضاعهم وتصرفاتهم وتنتقد وتتذمر من سلوكهم وبذخهم غير المسؤول وعدم أهتمامهم بالدراسة. وبمرور الزمن أصبحت علاقتنا (كعائلة) بالمديرة علاقة صداقة، وكشفت لي مشاكل الطلبة العراقيين ومعاناتها والمصاعب التي يسببونها بسبب أستهتار بعضهم وتصورهم أن جميع مشاكلهم يمكن حلها من خلال الرشاوي والهدايا. ومع نهاية العام الدراسي وعودة الطلبة البولون الى مدنهم منحتنا مديرة القسم غرفتين متجاورتين في الطابق الخامس.
أرتاحت زوجتي في السكن بالقسم الداخلي حيث كونت علاقات طيبة مع العاملات في القسم والطالبات، فلم تحس بالغربة وأحست بالأمان وهي في وسط مجتمع صغير طيب معظمه من جنسها لاتتحرج في زيارتهن بغرفهن أو استقبالهن في غرفتها. أما نورس بحركاته الطفولية البريئة وهو في سن الأربع سنوات وجد في سكنة القسم من طالبات صديقات محبات له وعطوفات يدخل غرفهن ويشاركهن حياتهن متى شاء. وتمادى في علاقاته ومزاحه الطفولي البريء مع الطالبات وحتى مع الطلبة العراقيين من بعثة الحكومة.
في الأشهر الأولى كان يلاقي صعوبة في حفظ أسماء الطالبات، وعندما نسأله في أية غرفة كنت، يجيب في غرفة السمينة، أو الطويلة، أو غرفة الحلوة (الجميلة) وهكذا وبهذه الطريقة كان يعرف (صديقاته) من الطالبات. كان في الطابق تلفون لأستقبال المكالمات من خارج القسم، ومن خلاله يتم أستدعاء أي ساكن، حيث يتطوع أحدهم في إبلاغ المطلوب على التلفون. وقد أعجبت نورس هذه المهمة وتطوع بحماس للقيام بها، فما أن يرن التلفون حتى يركض ويطلب من أحدهم أن يناوله السماعة ليعرف من هو المطلوب ثم يذهب لأبلاغ الطالبة المعنية. طوّر عمله التطوعي هذا الى مزاح ولعب، فكان يأتي بالمكنسة ويركنها على باب أحدى الغرف، وينادي ساكنة الغرفة جوجا (وتعني خالة بالبولوني) تلفون، وينتظر أمام الباب يراقب فتحها فتسقط المكنسة على الطالبة، ويغص بضحكته البريئة ويرتفع صياحه وصراخه فرحا كدليل على نجاح حيلته.
يتوفر في كل طابق حمام صغير جدا لاتزيد مساحته عن 1,3م² يستحم فيه سكنة الطابق، وفي أحد الأيام مسكته وهو يتلصص من ثقب صغير في الباب على أحدى الطالبات، وعندما نهرته أجابني مبتسما وببراءة: بابا تعال شوف الديويسات (النهود)! وأخبرتنا أكثر من طالبة كيف أن نورس يدخل غرفهن ويعرف في أي مكان يخفين الحلوى ويحرجهن في مطالبتهن. وقد أقترفت خطأ كبيراً بكثرة شرائي للشيكولاتة والحلوى له، وكنت أعتبر ذلك نوع من الأهتمام ودليل على المحبة والعطف، فتأثرت أسنانه مبكرا بسبب كثرة تناوله الحلوى، حتى وصلت للسويد وفي معسكر اللاجئين عانى من أسنانه وبعد عرضه على الطبيب ومعالجته نصحنا بتجنب شراء السكريات له، فصححنا الخطأ ومنذ ذلك التأريخ لم يعاني من أية مشكلة بأسنانه.

كانت هناك غرفتين متجاورتين في طابقنا يسكنها طلبة البعثة من البعثيين، وكانوا هؤلاء الطلبة يتوددون الى نورس ويلاطفونه ويقدمون له الحلوى أحيانا عندما يزورهم في غرفهم. أعتاد نورس مثلنا أن يرفق كلمة كلب أو المجرم كلما ذكر أسم صدام حسين، وكان يقول ذلك أمامهم في الغرفة ويسبب لهم الأحراج، خاصة عندما يكون عندهم ضيوف متشددين وملتزمين بالنهج الصدامي، وقد تعودوا عليه دون أن يغيضهم، وفي أحدى المرات دخل على غرفة أحدهم (حسن) وكان عنده ضيوف من رفاقه، ويبدو أنهم من المتزمتين والحاقدين، فأحس بالأحراج لدخول نورس وربما تخوف مما سيقوله نورس، فطلب منه أن يخرج، فما كان من نورس إلا أن يقسم له وبصوت عال سوف لن يقول صدام كلب، ولما ألح عليه بالمغادرة ومحاولا إرضاءه بقطعة شيكولاتة، أعاد نورس قسمه قائلا والله عمو ماراح اقول صدام مجرم ولاكلب. وأخبرني حسن فيما بعد بهذه القصة وهو يضحك من تصرف نورس وتفكيره ويعتذر من أضطراره لأخراجه من الغرفة، وعلق: أخاف يا أبو نورس يجبلي بلوة من حجاياته (كلامه) هذي.
في عام 1986 سافرت لعدة أيام الى براغ وعندما عدت روت زوجتي ماقام به نورس أثناء غيابي. ومما روته لي تصرف قام به لآيتناسب وعمره الخمسة سنوات . كانت جارتنا في الغرفة المجاورة الطالبة بربارة، تحب نورس كثيرا وتخرج معه أحيانا للتنزه. وفي أحد الأيام جاءت لأم نورس وسلمتها 200 زلوتي معتذرة لعدم تمكنها من شراء الحلي التي طلبتها! أستغربت وتفاجأت أم نورس من حديثها ولم تفقه منه شيئا، وسألتها مستفسرة لتوضح لها الموضوع. فروت بربارة كيف أن نورس في أحد الأيام كان في غرفتها مع زميلاتها، وكانت قد أشترت لها حلي (حلقات أذن) أعجبت زميلاتها وقررن شراء مثلها، وكان نورس يلعب لحاله وأحيانا يستمع لما يدور من أحاديث. بعد يوم جاءها نورس ومعه 200 زلوتي قائلا لها أن والدتي بعثت بهذا المبلغ لتشتري لها نفس الحلي. ولما لم تحصل بربارة على الحلي اعادت المبلغ لأم نورس. أخبرتها أم نورس أنها لآتعرف شيئا عن الحلي ولم تسلم نورس أي مبلغ، وأعتقدت أن نورس ربما تجاسر وأخذ المبلغ من حقيبتها. ولما سألته من أين لك المبلغ ولماذا تصرفت بهذه الطريقة دون علمي. أخبرها نورس أنه أعجبته الحلقات وأحب أن يقوم بمفاجأة لها فأقترض من حسن مبلغ 200 زلوتي مدعيا أن أمه أرسلته للأقتراض، وسلم المبلغ لبربارة قائلا لها أن أمي بعثته لشراء الحلي لها!. أحست أمه بالحرج من تصرف نورس وأقتراضه المبلغ من حسن، نهرته على فعلته وأعادت المبلغ الى حسن معتذرة منه عن تصرف نورس.

يتمتع نورس بذاكرة قوية وذكاء أكبر من سنه، فعندما كنا في وارشو، كانت تربطنا علاقة صداقة مع مديرة قسم مبيعات المعلبات واللحوم السيدة أنا سوبيتسكا(Anna Sobicka) في سوق كوبينسكا القريب من القسم الداخلي، وهو عبارة عن سوق كبير مغلق من طابقين ومقسم الى أقسام للملابس، الأحذية، الكهربائيات، الهدايا، العطور، الورقيات، المشروبات، اللحوم والمعلبات، وكنا نقضي بعض أوقاتنا في زيارة السيدة سوبيتسكا في مكتبها لتناول القهوة وتبادل الأحاديث معها ومع زوجها تادؤوش. ومعرفتي بالسيدة سوبيتسكا قديمة من أيام دراستي السابقة في السبعينات، وساعدتنا كثيراً في توفير بعض المعلبات المفقودة من السوق وبأسعارها الرسمية، أو في شراء بعض الأجهزة المنزلية المفقودة من السوق، كأجهزة التبريد والتدفئة والخلاطات وغيرها.
في أثناء أحدى زياراتنا في مكتب السيدة سوبيتسكا ونحن نتناول القهوة خرج نورس من الباب الخلفي للمكتب مستأذنا ليلعب خارج السوق كعادته. بعد نصف ساعة من خروجه للعب رن جرس التلفون في مكتب السيدة سوبيتسكا، وكان المتحدث المدير العام للسوق، وطلب زوج سوبيتسكا السيد تادؤوش لأن ضيفا مهما بأنتظاره. أستأذن تادؤوش وذهب لمقابلة ضيفه وترك زوجته في شوق لمعرفة من يكون الضيف، ولماذا لم يأتي مباشرة لمكتبهم. ولم يطل أنتظارنا فقد عاد تادؤوش ومعه نورس وبيده كيس من الحلوى والشيكولاته، وأزداد عجبنا وفضولنا لنسمع من تادؤوش كيف التقى بنورس وأي ضيف مهم كان بأنتظاره. وروى لنا كيف تفاجأ بوجود نورس في مكتب المدير العام جالسا مع بقية ضيوفه وبيده الآيس كريم وأمامه الحلوى والشيكولاتة، وكأنه ضيفا موقراً. يقول تادؤوش أستغربت فلم أجد في المكتب غير المدير ونورس وبعض الضيوف الغرباء، لكن المدير بادرني وقال لي السيد نورس بأنتظارك. وبعد التحقيق من نورس كيف وصل الى غرفة المدير العام، فهمنا منه أنه لم يتمكن من فتح الباب الخارجي لمكتب سوبيتسكا ليعود لنا، وربما وهذا ما أعتقده الأقرب للحقيقة، حاول أن يجرب الدوران حول السوق والدخول من بابه العمومي، وطفولته دفعته أن يطرق باب المدير العام، حيث زاره أكثر من مرة مع تادؤوش، ويسأله عن تادؤوش. أستقبله المدير بترحاب وأجلسه وقدم له الآيس كريم، وقدمه لضيوفه وأتصل بتادؤوش ليخبره عن الضيف.
ومن نوادر نورسن كنت أشتري له شيكولاته وحلوى من السوق الحرة وأحتفظ بها في حقيبتي وهي مقفلة بأرقام سرية. كان عمره حينها أربعة سنوات، ولم يدخل حتى في الحضانة أو التمهيدي، طلبت منه أن يجلب الحقيبة لأعطيه حقه من الشكولاته. وعند أحضارها سألني هل يمكنه أن يفتحها بنفسه! سألته كيف يمكنك ذلك، لم يجيبني وأنما دفع بيده في داخل بجامته باحثا ثم أخرج ورقة سجل فيها شخابيطه، وأخذ يدير بالأرقام السرية حتى فتحها من المحاولة الأولى! سألته كيف توصلت للأرقام فأجاب كنت أراقبك وحفظتها وسجلتها. كانت الأرقام مكتوبة بخطه وبطريقته الرمزية، فرقم 3 كتبه معكوساً، ورقم 6 كتبه 9، وبرغم هذه الأخطاء تمكن من فتحها ولم يخطأ ويدير رقم 9 بدل 6 كما سجله.
بحكم اننا كنا نعيش في غرفة واحدة بالقسم الداخلي، وفي هذه الغرفة نقوم بكل نشاطاتنا اليومية من دراسة وتناول الطعام ومشاهدة التلفزيون واستقبال الزوار والنوم. كنا نعاني من زيارة أحد الزملاء ليلا حين يحين وقت نوم نورس، وكان هذا الزائر لايعرف الكلام بصوت خافت وكلما رجوته أن يخفض صوته عاد ورفع من وتيرة صوته وأزعج نورس وسبب له الأرق. أشتكى نورس وتذمر من زيارات هذا الزائر وما تسببه من أزعاج، فقلت له عندما يزعجك صوته أو صوت أي واحد منا ماعليك إلا أن تنبهنا، فسألني أذا نبهتكم ماتزعل مني، فقلت له لآ. وعند زيارة هذا الصديق وكالعادة ودعنا نورس بقبلة لينام، وبعد أن تمدد في سريره التفت الى الزائر قائلا: عمو لآتتكلم بصوت عالي أريد أن أنام لأن غدا علي أن أستيقظ مبكرا للذهاب الى للحضانة. ثم ألتفت الي وقال: بابا زين سويته (حسناً فعلت)! وتفاجأت بتعليقه وتداركت الأمر ووجدت من الضروري التأكيد على ملاحظة طفلي علّ زائري يلاحظ هذا، وقلت له طبعا زين فمن حقك أن تطالبنا بالهدوء وعدم أزعاجك فيجب أن تنام مبكرا.


يـتـبـع

1- أندكس (Indeks) ، عبارة عن سجل صغير يحمل رقما خاصا، يمنح للطالب بداية قبوله في الجامعة، تسجل فيه عدد الساعات الأسبوعية لكل مادة، ودرجة وتأريخ أجتيازه الأمتحان، وأسم أستاذ المادة، لكل فصل دراسي وحتى تخرج الطالب بما فيها درجات دفاعه النهائي عن أطروحته.
2- أحدى المواد الرئيسية في الهندسة المدنية للصف الثاني، تبحث في طبيعة المواد والتغيرات التي تتعرض لها نتيجة القوى المؤثرة فيها وامكانية تحملها وكيفية حساب القوى المؤثرة في الجسم الهندسي، وتعني بالأنكليزية (strength of materials, mechanics of materials).
3- الزاليجنية (Zaliczenie) أعتراف من أستاذ المادة للطالب بعد مجموعة من الأختبارات بأنه مستوعب المادة ويسمح له بتأدية الأمتحان النهائي فيها وبدنها لايجوز للطالب تأدية الأمتحان، أو أنه قد أجتاز الأمتحان بنجاح، وفي الحالتين تثبت الزاليجينية في الأندكس، وعكس الزاليجنية يعني أن الطالب فاشل (ساقط) في المادة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *