الرئيسية » مقالات » نازك الملائكة القلادة المقدسة لجيد العراق

نازك الملائكة القلادة المقدسة لجيد العراق

ان نازك الملائكة كالعقد المقدس , من كنوز العراق والادب العربي , ومازال المفكرون يفتشون عنه من اجل جيد حضارة العراق المعاصرة . تشكل الحياة لديها لحظة انطلاق من سجن عميق ما بين حب الوطن والامراض الفتاكة ، في تجربتها قالت القليل على ما جرى لها ولكنها قالت الكثير للمستقبل واثارة الافكار.فكانت في ادبها لونا من الوان التحليل لعصرها وامتها ورغبتها للنهوض بكليهما بتجربة جديدة . وهي تجادل انها اول من ادخل مدرسة التحديث والسياب يقول هو الاول والبياتي مثلهما وهكذا بل الامر وحي شعوري بان العراق اول في كل نهضة. هذا ما اراد كل منهم ان يوحيه للاخرين, تجاوزا لفكرة من قال هو الاول دون الاخر .اتجاه نحو الراي الصريح دون حساسية تذكر, وذهن صافي غير محجب , والجهاد بوضع النفس محل الاخر , والاخذ بنظر الاعتبارالقوانين والقواعد والانظمة من التحديث والتجديد, على اساس الاصالة, وان كانت الاستفادة من مناهج الغرب العصرية , ولكن دون المساس باصل الثقافة العربية, وقدرة تشخيص الحق والباطل , وفي نفس الوقت واهم من كل شيء رعاية العدل والانصاف والاهتمام والمطالبة بهما.واعود لتلك الايام من منتصف عام 1991م وكنت قد خرجت مساء من جريدة الجمهورية ومازالت البلاد والناس تلملم جراحاتها من اهوال الحرب المدمرة والقصف الوحشي المهلك , وما هي الا خطوات بالقرب من الجريدة حتى سمعت عبارة تاتي من رجل متكأ على باب المستشفى , وهو يخاطبني … هل انت بهاء ؟ وللوهلة الاولى لم اعرفه ولكن ملامحه دلت لي عن شخص اعرفه ببعد الزمن , فاقتربت منه , ليدرك تسائلي ويخاطبني بلغة متعبة… ياولدي انا الدكتور محبوبة , وكيف حال والدك ؟ وسرعان ما عادت الذكريات مابين مصر والبصرة وملامحه ومن يكون وانه زوج الشاعرة نازك الملائكة. فسلمت عليه بحرارة وهو كذلك, لاستفسر عن سبب وقوفه هنا. ليخبرني بخبر لايقل عن ويلات العدوان على الوطن , وبان نازك الملائكة راقدة في المستشفى وهو يقودني دون تردد لرؤيتها واستقبلنا الطبيب المختص بحذر , وقد ادهشتني عبارة الطبيب وهو يقول اخيرا زارها احد ما. ليعرفني الدكتور محبوبة انني من ابناء صديقه , وهو يهمس انطر الى هذه العملاقة . وما ان دخلت الغرفة وكانت تغزل شيئا ما فعرفني عليها ولتسالني عن والدي واخباره , لادرك حجم الماساة والوحدة لها وهي من اعمدة العراق, وبعد حديث يشبه الهمسات استرخصت الدكتور عبدالهادي بان اخبر على الاقل الاعلام بحالتها ,ليوصيني ان يتم ذلك بخذر تام . فانطلقت وكانني احمل امانة ثقيلة لالتقي في بوابة الجمهورية بالصديق الصحفي استاذ سلام الشماع , فاخبرته مباشرة ليركض معي وهو مندهش من الخبر, مرددا عبارة.. معقولة نازك الملائكة هنا؟ لندخل عليها بعد استقبال الدكتور المحبوبة , وفي وسط اثار دهشة الشماع وهول الموقف فاجئتنا نازك لملائكة بقصيدة مثيرة حول عزرائيل , لتتحرك غريزة الصحافة في سلام الشماع, متحفزا للانطلاق وقد اخبر الدكتور عبدالهادي محبوبة بمشروعه حول نازك الملائكة. وعندها ابلغه الدكتور المحبوبة ان سبب حالتها من شدة الصدمة من اول ليلة للقصف , حيث لم تتحمل قصف بغداد لتبقى طوال الليالي الباردة تسير في باحة البيت بالبرد القارص والمطر لتعيش اصوات القصف دون ان يتمكن احد من ردعها خشية عليها من اصابة ما , وهي تردد على قافية القصف ووزن الحرب قصيدتها جاء عزرائيل. فانطلق سلام الشماع بهذا الامر نحو صديقنا سكرتير التحري زهير العامري والذي بدوره اخبر الاستاذ سعد البزاز الذي كان انذاك رئيس تحرير جريدة الجمهورة , ليشكل ورشة عمل اعلامية حول اديبة العراق نازك الملائكة. وما ان جاء اليوم الثاني الا وكان السبق الصحفي لجريدة الجمهورية حول نازك الملائكة , بملف ادبي شمل اغلب الصفحات تتوسط الصفحات قصيدتها جاء عزرائيل , والتى اعتبرت نبؤة الوضع العراقي ومازالت النبؤة تاخذ مفعولها . وقد دوى صدى الخبر في الاوساط العراقية لنرى وقد احيطت المستشفى بين اونة واخرى بالسيارات السوداء والشخصيات الاعلامية والادبية وباقات الورود في بوابة المستشفى وممراتها وغرفها, لتتحول غرفة نازك الملائكة الى مزهرية عملاقة , اعادت لها حيويتها , وكانت هذه الايام رغم مرارتها , صفحة من الذكريات التى اغنت ذاكرتي وحفزت ثقافتي لمتابعة هذا الركن العراقي من الثقافة والمعنون باسم نازك الملائكة, حيث كنت اقضي ساعات من المساء معها ومع زوجها وفي ساعات تمنع الزيارة لها فكان هذا امتياز لي قدمه الدكتور المحبوبة انذاك ولتتعزز العلاقة معه فكان حلقة وصل بيني وبينها بعد سفرها بعام الى مصر حيث اوفدتها الدولة للعلاج عام 1992م ومنذ ذلك الوقت لم تعد الى العراق. وكان لاحتفاء العراق بها وهي مريضة وتحت العلاج اثره في نفسها وهي تمنح عام 1992 وسام العراق الادبي. فنازك الملائكة في تجربتها وسيرتها , لم تظهر على اساس انها القاضي في مسائل الحكم النقدية للثقافة , ولكنها اتخذت واجبات اخرى مثل الام الحنون , المضحية ,وايضا امراة مفكرة عصرية مستقلة عن كل اطروحة حتى تلك التى طرحها الاصلاحيون في الثقافة او السياسة . لتكون مفكرة وشاعرة وزوجة , لتؤثر هذ الصفات بمؤثراتها على تجربتها . على رغم ان مثل هذه الصفات ما بين نشاطها وتربيتها وتعليمها ومحيطها يجعل نوعا من الصعوبة الوصول الى بحث واضح وسهل لتجربتها الغنية . ولها نلمس في اي نقد يوجه لها او توجهه للاخرين , رغبنا او لانرغب قد اثار في مسيرتها ومازال سؤ تفاهم او جدل حول موضوع ما . فما بين 1945م و 1947م كانت المسيرة في القصيدة العمودية لتعميق التجربة حتى عام1949م لتخط لنفسها فكرة الشعر الحر, ولتنحت معاني الفلسفية بدقة في اشكال الشعر وقد الهمها هول احداث عصرها انذاك من حرب عالمية ثانية ونتائجها واثارها على العراق وانسانه وتجربته السياسية , لنشعر بماساة العصر في ماساة شعورها النفسي , مابين الياس والتشاؤم والانكسار الروحي , ولكن كان لهذا العامل قوة ادبية في التعبير هي القوة التى اعطتها التواصل مع الحياة , وقد كتبت عن ذلك وهي تتحدث عن الالماني ارثر شوبنهاور 1788 ـ 1860 …(يدل عنوان قصيدتي مأساة الحياة على تشاؤمي المطلق وشعوري بأن الحياة كلها ألم وإبهام وتعقيد. واتخذتُ للقصيدة شعاراً يكشف عن فلسفتي فيها هو كلمات للفيلسوف الألماني المتشائم شوبنهاور… والواقع أن تشاؤمي قد فاق تشاؤم شوبنهاور نفسه) … ولابد ان اقول بصراحة , فانا في كل المؤتمرات الماضية الداخلية والخارجية ومنها الادبية او حقوق النساء , كنت اجد جهدا ادبيا لهذه الامراة وهي غائبة عن الحضور انذاك من هذا الطرف او ذاك , وهذا ما كان يزيد من احترام اهل الاختصاص لها , وان عارضها بوجهات النظر . ومن هذه الندوات ما اثارتني كلمة بالنيابة عنها في الاردن عام 1994م عمان , وقد حملني اياها الدكتور عبدالهادي محبوبة تكريما لها ولتجربتها في نادي خريجي الجامعات العراقية للشخصيات الاردنية, وقد كانت هذه الكلمة بمثابة رؤية رائعة ضد الواقع التمثيلي الضبابي للمثقف العربي والعراقي والسير خلف الترويج لاهداف مغرضة سياسية وثقافية وان ما يقال من انفتاح الواقع الثقافي وحريته نموذج خيالي على الاجيال استيعابه وان الشعر ما زال بعيد عنه . فكان لحضور كلمتها حضور لشخصيتها مثلها مثل أي مؤتمر ليتلقى الاديب منها ذكائها المستمر في اذكاء جذوة التحدي والوطنية في عالم الخيانات والاستسلام . وكانت هذه القيمة مقدرة في كل الاطراف. من كونها مؤسسة التحديث الحديث الى جانب السياب والبياتي, وكان لحضور البياتي اعطى زخما لموقعها الادبي في الحياة العربية والعراقي هي تعهدت بترتيب الحروف و الكلمات لهذا العصر ,تكتب كيما تقتل وقت الفراغ للبشرية كيما تتواصل الامة مع الحضارة,ليتصفحها كانسانة عبقرية , تجعل من الشعر تسلية ومبدأ وحكمة لتصرخ كاي امراة شرقية…(إنني هاهنا)…لتغير من وجهات النظر ولتقف بوجه الدروب العفنة التي تجبر الامة من السير عليها …(ولنعقد من البداية إتفاقا اخلاقيا إذ إنني لا أطمع لأن يقرأني الجميع إذ أنني ايضاً لدي الملامح الانفعالية لقرائي إذا كنت غير قادرة على استيعاب وفهم ما أريد من الناس فالأفضل أن تقصر المسافة على نفسنا ولاافكر بأن يقرأني احد أما إذا كان هناك من هو مستعد للسير في ثورتي…والتحمل أكثر بطبيعة الآراء والأفكار التي أنشدها فأهلاً وسهلاً بمن يقراني ,إنني أخذت عهداُ على نفسي بإعادة ترتيب الثقافة وبقلب القيم حسب المعتقدات الارهابية والاحتلالية والامية ولا أخفيكم أنني تقريبا ممن يعتنقون فكرة الموت وعليه فعليكم ان تكونوا على مقدرة كافية وخلفية ثقافية مناسبة وروحا ثورية متمرده لمن يستطيع فهمي إنني ممن يكترثون بمحيطي و بآراء الآخرين حول شخصي وإنني لست ممن لايكترثون لأي قانون أو نظام إذ أنني لا احمل سوى الطابع من التضحية بنفسي إذ أن التضحية تصبح احياناً فضيلة مقدسة لحماية الاوطان والحضارة ورب العالمين من الانخراط في حضارة مشوهة وبذلك اعتنق النظرة التوحيدية للأمور, كي اصل ربي . إنني وإن لم أجد الحرية الكافية التي ستتسع لكتاباتي بالدفاع عن مشروعي وعن بلدي في الحصار والحرب فلن أقوم أبدا بالإصغاء أو حذف فكرة أو كلمة أو عبارة بل على العكس إنني سأناهض أي محاولة لتقويضي إذ أفكر بالانفجار الكبير وهذا ما انتظرته طويلاً وما انتظره إذ أنني ناديت بالعراق و الفضائل وإذ إنني انبع بصفة خاصة من مجتمع شرقي راقي واسمحوا لي ان استخدم ألفاظي الخاصة فبأمكان من يرغب أن يقف عن قراءتي إذا كان أسلوبي صريحاً أما أنا فأفخر به حتى لو وصل لدرجة الموت بالنسبة لي شخصياً .إن الانسانية في المفاهيم في مواجهة الأمور لهو مايسمى بالمعنى الأسمى للحياة أما عن بعض من طبائعي فإنني من اللذين يعشقون الجنس البشري .وإنني من اللذين يؤمنون بأي نوع من الفضائل ,إنني باختصار من اللذين قرروا أن يبدؤوا دربهم بالتخلي عن كل ماهو موجود من تردد وترمي كل حماقات الامية والاحتلال انذاك وما زلت خلف ظهرها…والبدء بتحطيم الصخر واختيار الطريق الأكثر خطورة فإنني اشاطركم باهمية العلم وحوار الحضارات من آلاراء .أما عما أشاطره من مجتمع الالكتروتي الجاهز الثقافتي هذا فهو لاشيء فأنا بالكاد أصبحت أراه وبالكاد أصبحت اذكره إذ أنه مجتمع من كثرة ماغطاه الغبار لم يعد بإمكانكم التعرف على ملامحه ,وإنه أن كانت لدي أي نصيحة أقدمها فهي إعادة صياغته بالكامل من جذورها وبالتخلص من الكثيرين من اتباعه الموجودين فيه وانقاذ من هم في سن الشباب في هذا العصر . إذ أنني صعدت قمما أرى جيلا بأكمله يكاد لايبان منها إذ يريد الغزو الثقافي ان يجعل الغالب لافائدة منهم والقلة لاحول ولا قوة لهم يعيشون الحسرة ولهذا فضل اللة االقلة دوما على الكثرة في موقف الحق كما يرد في القران ,لقد سبقت جيلي بأشواط كثيرة حتى لم اعد أراهم خلفي وربما كنت أبدو للوهلة الأولى كأنني غراب حط فوق رؤوسكم وإذ أنه سيشرفني أن أكون واحدة في مجتمعكم .وكمحترمة لكل مايعرف بالتقاليد أو الأعراف فإنه سيسعدني أن أكون مضحية هاهنا على أن أكون تابعة لأحد ويسعدني أن أكون هذه الام الحنون على الاجيال ,وليس من حق احد ان يحتقر احد او أي شيء ما دام الانسان مخلوق مقدس والاشياء وضعت كي يستخدمها الانسان لاكتشاف هذه العظمة الالهية.فالجنس البشري من السمو بحيث يستحق ابداعا وشخصيات سامية وقد اوحى لنا الله هذه الفكرة عندما ارسل اناسا معصومين انبياء مدعومين بقوى الغيب والملائكة, وليس الفناء الا تؤيل لمرحلة اسمى ان ادرك الخلق حقيقة الوجود..)… لتختار نازك الملائكة النقد اسلوبا لاكتشاف هذا السمو. وبذلك يتم الاكتشاف ان الانسان من عبيد التوحيد للوصول الى الحرية المطلقة وليس الشهوة والفساد .وبهذا الاعتقاد بين جيل واخر يتم اعادة احياء خلق جديد يكون المجددون والمصلحون عاملا اساسيا فيه, ولهذا كان الانتحار جبنا والاستشهاد شجاعة , ولكن المغزى هو كيفية الوصول الى المعنى.وبذلك يدرك لماذا فقط الشرك ممنوع من الغفران, لانه يتخلى عن كل القيم من اجل العبودية للغريزة, فتكون فكرة جميلة ولكنها كالسم في حلاوة العسل وهكذا تاخذ ثقافات الحضارات الوانها بين الشرك والايمان. فلامبرر لسحق الذات والنفس في جهل من الاعتقاد وامية الثقافة ومسخ الفكرة من التقليد المجرد, لان فكرة الخلاص تاتي من وعي المسؤلية وليس في تدمير الشخصية. فالبحث عن المجد يتلخص ان يكون الانسان معلم نفسه وليس تلميذها, وهذه هبة الابدية لخلود بالسعادة التى يبحث بها المجددون في كل عصر بالضد من امراض الثقافات وسلطة الاستبداد الملخصة في ظلم النفس بالتطرف والانحراف والتعصب, وهذه هي اركان الجهل الحقيقية , ومن المأساة ان تعتبر اركان التمسك بالعقيدة والمنهج . لانه لاتوجد ثقافة ترقصنا كالقرود , بل هي ثقافة من اجل اكتشاف لماذا خلق القرد ليكون من كائنات الارض الى جوار الانسان , وهكذا التسائل على جميع الكائنات .فالانسان ليس ذرات من الغبار بل هو نسمة الهية محكمة. وبالتالي فانها لم تجعل نفسها يوما كمفكرة متنورة وسيلة لاهداف مصلحية دعائية وان كانت سياسية او مجرد ثقافية مجردة , لانها كانت تعتقد ان الامة ومن ضمنها العراق تستحق افضل من هذه الدعاية والادعاءات , لانها امة عبقرية , والعراق بلد عظيم . وفي الزيارة الرائعة التى اعدت لطلبة الاعلام اليها بعد استحصال موافقة الطبيب والاستاذ المحبوبة وهي ترقد في المستشفى في اوائل اشهر 1991م وقامت بتغطيتها الى جريدة الجمهورية الاخت الصحفية حنان جناب , ابدت نبأ عجيبا لاحداث العراق, وهي بين الانفعال والصمت وعبارات هادئة تعبر عن تهديد غريب لما اسمته في وقتها …( ان عرض العراق مهدد ) ,وكانت تسترسل بين وصايا للطلبة والاجوية على اسالتهم مع تشجيعهم لكتابة الشعر دون استعجال …( لان صاحب الموهبة يحتاج لوقت ويمكن ان يتم صنع نوع من الموهبة كيما يكون الشاب والشابة شعراء او نقاد , ولابد للاعلامي ان يكون قريبا من الشعراء افضل مما يكون متعاطفا مع التجار والسياسيين ليكون في عبارته اصدق ) , وبين حديث واخر تعيد وتعيد قصيدتها… جاء عزرائيل…, ان في انطباعات الاديب وبالاخص ذاك الذي يتحمل التحديث والتجديد ان يكشف واقعيات لكثير من الادعاء بالفكر والديمقراطية والحرية , مع تحليل لمعرفة حدود تلك المعارف ومنبع اعتقادتها , من اجل عدم حجبها عن الجماهير المثقفة على الاقل , وان ما وجد من شروط ضرورات التطور والتجديد تفرض مثل هذه المنهجية التى عملت على اساسها نازك الملائكة منذ اول كتاب لها في النقد واول قصيدة لها لمواجهة العالم وهي الكوليرا بابعادها في الاحساس العربي والشعور الوطني الاخوي العراقي تجاه مصر.او مثل ما كانت تعبر …( لايمكن الجلوس بين كرسي واخر )…انها خطوط الاختيار في الحياة ما بين السير في ركب الادعاء بالاصلاح وتمثيل الامة والتاريخ وكما في السياسة تمثيل الناس دون ان يكون لاي طرف اخر حق تمثيلهم او الاصلاح الحقيقي النابع من فكرة الفرد او الشاعر او المثقف الحقيقي , وما بين السير في ركب معارضيهم لكلا الطرفين , او تحويل فكرة المعاصرة والاصالة الى عالم من التفاعل دون حسم الاراء , ومثل هذا الواقع يصنع عالما من الصراع الثقافي التى حاولت نازك الملائكة اذكاءه دون هوادة في كتاباتها وردودها على النقد بالاخص على الاستاذ عبد الجباردواود البصري في انتفاداته . وان العودة الاجمالية الى كتابات واحاديث هذه الفترات تكفي ان نلمس جمالية هذا التوجه في ثقافة الملائكة في وصف الحرية والديمقراطية خلاف ما قراناه وتعرفنا عليها , بل واكثر حضارية لتعكس عقلية امراة عراقية عربية بحق تنشد الانسان والحضارة , في مقابل اسؤ فكرة وتخلف ثقافي كان يصنع لهذا البلد والامة منذ عصور في ضرب الاسلام باعماقه من التطرف والتعصب ومسخ ثقافته الحرة والانسانية على المستوى العالمي , ومحاولة جعل العبودية القومية قاتلة للفكر القومي الحيوي في مؤامرة الاصطدام المميت بين العروبة والاسلام , وجعل مثل هذه الفكرة واجهات تمثيل للمجتمع والعالم , وان تستر الامراض خلفها …( فلابد للبلاغة العربية وروح القران ان تبلغ مستوى القنبلة الذرية كيما يتم التخلص من هذا المرض ) … ان مثل هذه الطبيعة الثقافية لدى نازك الملائكة تشكل طبيعة نشاتها العائلية ومن ثم العلمية الاكاديمية واستقصاء الطبيعة انتهاء بمسيرة التكوين منذ الاربعينان والى يومنا هذا في منهجيتها الابداعية التى ارتقت الى ان يكون مشروع امة وكذلك مشروع نهضة ثقافية انسانية عالمية , من حيث صفة الشمولية من الاطلاع على فروع النقد والشعر وكيفية التعامل معه وتحليله ما بين البحث النقدي والمقالة والرؤية القصصية , ومنهجية اتخاذ المواجهة الفكرية والشعرية بالاضافة الى تجربتها الشخصية وما شملت من اكاديمية بين كونها طالبة واستاذة وزوجة ومعيشة حروب انتهاء برثاء الزوج وتكالب الامراض والغربة وان تعيش الامة والوطن في الوجدان والضمير…( ان العراق يستحق منكم الابداع وان كل ما فعلته وجدت ان منبع ابداعي هو فكرة الحضارة العراقية التى تصحي الضمير وتثقف الامي )…وهكذ الاجيال المتعاقبة اعتبرت نازك الملائكة احدى بؤر النور الفكرية في عصر الظلام والحروب والانقسامات العربية واستلاب الارض , وخلال هذه الفترات من تجربتها تلتحم بقضاياها المصيرية ومن جهة اخرى باصالتها التى تريد ان تحييها بالحداثة اسوة بالعالم المتحضر لهذا العصر , لتجعل حضورها الفكري في نفع التوازن الانساني كسلاح ضد انفعالات الغريزة والتهور الفكري في التعصب والتطرف…( حلول الإيمان بالله، والاطمئنان إلى الحياة، وراح جو مأساة الحياة راح يتبدَّد تدريجياً).. . فكان النقد وسيلة لديها للتصحيح ليس كمنهج نقدي شعري بل وايضا يمكن ان يستوعب منه منهج نقدي لتجربة الانسان العربي وكذلك المسلم منه من اللغات الاخرى وهو ينتقص روح الاسلام في الابتعاد عن اللغة العربية وبلاغتها من كونها معنى القران فضلا عن لغته…( إيليا أبي ماضي فتح نمطًا جديدًا يضعه في مكان مقابل مكان شوقي في فضله على بعث الحياة في الشعر، فإذا كان شوقي هو خالق الغنائية المبدعة في شعرنا المعاصر، فإن إيليا بحق صانع الاتجاه الحديث كله “فهو الشاعر المجدد الذي قدم في شعره وجهة نظر جديدة تحدد علاقات لم تؤلف سابقًا بين القصيدة والشاعر من جهة، والقصيدة والعصر كله من جهة أخرى.)… . لنرى في مساعيها اصرار متواصل وهي تبتسم لشيخوختها المتعبة في احياء وابداع قوانين فاعلة من التجديد والتنظير والمنهجية استنادا لاستعداد طبيعة انسان ارض الرافدين في صناعة القوانين واستيعاب الرسالات السماوية , ولتكون هي بابداعها شاهد على هذه الحقيقة . لتظهر كتاباتها النقدية وحتى فصولها الشعرية مظهرة التضادات والتناقضات الفكرية في مواجهة بعضها البعض لتصنع فكرة حديثة من ذلك دون الاعتقاد بفكرة الاصلاح المجردة لانها اعتبرتها ترميما للجراح والذي سوف ينزف من جديد بل ارادت تاسيسا حضاريا فكريا لتنتقد اطروحات تقول باستحالة النهضة او الاصلاح الجذري للعراق ولهذه الامة . وكان شعرها بفكرته خير مثال على قابلية الانسان على النهوض . ان البحث في نازك الملائكة هو مسند لحالة فطرية متوهجة نحو الفكرة والاتيان بالخلاص لترتبط في ضمير المتتبع فيكون لها قيمتها الخالدة , والتى تفتش في استكمال تجربتها في الاجيال القادمة . فهي لم ترغب بفكرة الحضور النسائي ان تسلك سبيل اهانة الاعراف بل ارادت تعزيزها بفكرة ان المراة لها تاسيسها الحضاري كمسؤلية فكرية لتنشاة الاجيال والثقافة المعاصرة بتجربة التقاليد المعروفة , محاولة ان تتقبل الاعراف هذه التجربة من امراة تحاول النهوض بواجبها تجاه بني وطنها ثقافيا . وان مثل هذا الاعتقاد هو بحد ذاته تصادم فكري مبدع لتوسيع دائرة الثقافة العربية والعراقية الوطنية,بمااتاحه الواقع العربي والعراقي بمتغيراته ومأسيه ومتغيراته الاطلاع على سبل التوضيح النقدي ومنه وضع المراة ومسؤليتها الابداعية في رؤية جمالية تستوعب واجب المراة قبل ان تداعي بحقوقها لتورد مفاهيمها وتوجيهاتها بمسؤلية بالغة ما بين الحرية والجمال وارتباطهما بالاخلاق , وكانت هذه الملاحظات قد نوهت لي بها الاديبة الاردنية هند التونسي في التسعينات في عمان , وكان قد دونتها باعجاب بنازك الملائكة , وعرفت فيما بعد انها محاضرة في نهاية الستينات القرن الماضي لنازك الملائكة…(ليست هذه المحاضرة دراسة في فلسفة الحياة الاجتماعية، وإنما هي بحث في المدلولات الفكرية لحياة المرأة العربية، حاولتُ فيه أن أحلِّل الأزياء إلى مضمونها الروحي، وأربطه بذهن المرأة وحياتها الاجتماعية والقومية..أن المرأة قد تحرَّرت، ونريد بذلك أنها أصبحت قادرة على الخروج والدراسة في الجامعة والعمل في وظائف الدولة..سقوط القيود والأغلال عن الذهن الإنساني بحيث يقوى على فرض نظرة جديدة وأصيلة إلى الأشياء كلها، ويستطيع أن يغيرها وفق حاجاته الروحية..تركت الشخصيات النسوية في كتاب “ألف ليلة وليلة” نموذجاً سيئاً للمرأة العربية، ذلك هو نموذج “الجارية” التي لا يهمُّها إلا لباسها، ولا ترى في نفسها أكثر من متعة للرجل، تعيش بغرائزها، وعليها أن تكون جميلة، وأن تسلِّي الرجل، وتطهو له الطعام السائغ. وهذا النموذج ما زال المتحكِّم في حياة المرأة العربية، لم يغيره خروجها إلى الحياة العامّة قطعاً، وكل ما تغير فيها أقوالها؛ فقد بتنا نسمعها تتحدَّث عن دور اجتماعي عظيم تقوم به، وخوض لمختلف مجالات العمل والبناء، وتحرُّر من عبودية القرون المظلمة..تجزيئية واضحة تفرِّق بين القول والعمل، بين النيَّة والتطبيق، بين الفكر والحياة..إنه جمال ينبع من الروح الكبيرة المستوعبة، والذهن الحر المرن، والقلب النابض الرقيق، وهو جمال الخلق الكريم والعذوبة، والخشوع لله والنزاهة، وكبر النَّفس..ملك الوردة الحمراء المشتعلة بالحرارة واللون والخصوبة على غصنها اللدن، والوردة لا تتأنق، والجمال ملك للفراشة التي وهبها الله ألوانها، ولم تضع على شفتيها أحمر الشِّفاه، ولم تزجج حاجبيها بالقلم الأسود، والجمال ملك لفتاة ذكية العينين، بسيطة المظهر، يشعُّ وجهها عطفاً وحناناً، وكأنها تريد أن تحتضن الوجود وتغمره بمشاعرها الكريمة..جناية على عقل المرأة وروحها..يصبح الجمال الفطري عاطلاً عن القيمة..يقسِّم المجتمع إلى طبقات..يفرض على ذهنها صنوفاً شتى من العبوديات..صلتها بوضع المرأة الفكري العام..فلسفة جديدة ترفع شأنها، وتعطي القيمة الأولى لذهنها وروحها) … وان من المعروف في منهجية الحداثة لايمكن بسهولة بناء علاقة متينة وتواصل حواري او فكري مع اجيال الشباب. فالبعض يعتبر هذه الظاهرة مؤشر عن الحظ الجيد للشعوب من اجل اثارة التسائلات والبعض يعتبرها من الحظ السىء للامم من حيث الاستسلام لاي امر جديد , ولكل من الانطباعين مؤشر عن طبيعة المستقبل الاتي للاوطان والشعوب , وفي كلا الحالتين ايضا فان الامر يرتبط بحيوية الشعوب ومدى عبقريتها اذا ما تضمن صراعا متفاعلا لكلا التفسيرين للوصول للحيوية الفكرية للناس من عدمها . وهذا ماكان يدفع نازك الملائكة لاثباتها في حق الثقافة العراق والعربية ان تكون عالمية. قد اختلفت التعاريف بخصوص تلك المفاهيم للحرية التى تثور الشباب ولهمهم حسب استعدادهم للحصول على مطالبهم , وهي مفاهيم تتصارع بها الاجيال لقرون وقد عنونت بعنوان صراع الاجيال. انطلاقا من فكرة ان الشباب ربما واغلب الاحيان لايؤمنون بامر افتخرت به الامة لقرون , بل ويشعرون بغربة معه . مثل ظواهر العصر الحديث من عناصر التكفير والنقد المهدم المهين بالاضافة الى اساليب التخفي وراء الرموز والاستعارات. واحيانا يعتبر في مثل هذا الصراع ان التاريخ منافق ولرجاله صفة الرياء, ولا وجود لشيء اسمه تاريخ الاجداد. ولابد من حرق جذور الطرح التاريخي , وكان هذا كما هو الثقافة المحتلة والغزو الثقافي دوما عبر العصور, الذي كان لامثال نازك الملائكة الدور في التصدي له . فهي منذ الخطوة الاولى تظهر احدى اساسيات النهضة الادبية العربية والعراقية , ولتواجه خط الزمان المصطنع الاستعماري المفروض تحت عنوان ازمة الهوية او زمان اللاهوية وثقافة اصطناع الهوية التاريخية دون تراث يذكر لتسهل عوامل النفوذ الى العقل العربي والعراقي وتشتت ولائاته الى هنا وهناك من اجل سهولة السيطرة عليه . فكان لنازك الملائكة واغلب المثقفين حالة اعتراض للتقيمات الرسمية وحتى الكثير من التحليل الفكري للاتجاهات الفكرية والحزبية المنتهجة مثل هذا التوجه من الاصطناع للشخصية العراقية وثقافتها , وكان تلك المسيرة هي اشارة للمتتبعين لفترة مؤلمة ما بين الضياع واكتشاف الحقيقة والتى مازالت تعتمل بحكم الضروف المتشابهة الى اليوم في مسيرة الثقافة العراقية والتى عاشتها نازك الملائكة الى لحظاتها الاخيرة. وانها رؤية لسجن الثقافة او كيفية دخول الحضارة الى المعتقل في خلاف عدم الرضوخ لفلسفة امر الواقع من ازمة هوية الثقافة و ليكون ذلك المبدأ للمنهج النقدي وموضوع الشعر والحداثة بعنوان المبدأ التاريخي واحداثه الماساوية لمواجهة مثل هذه الافكار الامية, وسيبقى السر لفترات طويلة غير واضح عن مستويات الصراع المرير هذا الى الاجيال. ونحن نعرف ان الثقافة العراقية لم تكن هي الثقافة الوحيدة التى تشبه القلعة الحصينة في مواجهة التلاعب السياسي لقوى علمية من اجل مسخها و لاننا نعرف بسبب اصالة ومعرفة هذه الثقافة كانت من اكثر الثقافات حظا من بين الثقافات المسجونة سياسيا ويكفي التاريخ شاهدا على هذه الحقيقة رغم التعذيب الذي تتعرض له الانسانية من جراء ذلك لتدل نازك الملائكة بحقيقة اسلامية عن ذلك …( ما تعرض قوم لغزو في عقر دارهم الا ذلو… لكن كل هذه الاعدامات الثقافية والابادة الفكرية لم تمحونا مثلما ابادت حضارات اخرى على البسيطة في رمشة عين …ولهذا علينا النظر الى ثقافات اخرى بعين الرحمة علنا نعينها في البقاء بالضد من الابادة ) … ان مثل هذه العبارة كم تتكرر وقد رسمت الطبيعة لنا حدثا جميلا , وكان ذلك اليوم في المستشفى تلتقي بالعلامتين على الوردي وحسين على محفوظ , حيث اصطحبتهما لزيارتها اكثر من مرة , وفي هذه المرة كانا على موعد مع الدكتور محمد عيسى الخاقاني لاصطحابهما كعادته الى البيت عندما يكونان في زيارة للجمهورية, ولكن جاء المقترح من الدكتور المحبوبة ان نصطحب شاعرتنا في جولة قرب نهر دجلة , وسرعان مارحب بها العلامتان وكان من عادتهما احيانا السير على الاقدام ما بين الاعظمية والكاظمية , , وما ان خرجنا حتى التحق بنا الدكتور عناد غزوان الذي عرفت انه من المهتمين والمتابعين لنازك الملائكة والدكتور المحبوبة بل من اصدقاء العمر المخلصين , وبعد ان وافق الطبيب ورحب بالفكرة ,احتضنتنا بغداد بطبيعتها الخلابة النازفة من الطعون , وكان لذكرى العبور على جسر الصرافية الشهيد وذلك الحوار الرائع لهؤلاء الاعلام نكهته في عالم الكون والثقافة والعراق الجريح, ولتاخذنا المسيرة ونازك الملائكة في عربتها الخاصة يدفعها الدكتور المحبوبة , وسرعان ما وصلنا الى حرم الكاظمين ليظهر عليها الشوق بالدخول , وقد ادخلناها محجبة بعباءة سوداء فضلا عن اغطيتها الخاصة للحفاظ على صحتها , لنجدها تسبح في عالم الروح مرددة مقاطع من الادعية , وتردفها بابيات شعر من الجواهري .. يادجلة الخير ياام البساتين.. ومقطع من مصطفى جمال الدين .. بغداد قد اشتبكت عليك الاعصر .. وتضيف قصيدتها جاء عزرائيل .. وهكذا كان الترديد ما بين جسر الصرافية والحرم الكاظمي والعودة بها بتكسي الى المستشفى بعد ان ودعت العلامتين , وهي تتملكها الدموع, في قوة من الشكيمة والاعتزاز, ولتلتفت قائلة…( ماذا قالت فيروز عن بغداد)… فقلت لها :انها اغنية من شعر الرحابنة, وقاطعها ببتسامته المعهودة الدكتور محبوبة: معقول نتكلم عن الاغاني ونحن خارجون من الزيارة, وشارك بالحديث الدكتور عناد غزوان قائلا :انه نشيد ملحمي عن بغداد ,فقالت…( ما هو.. اتذكر مفردات منه..؟)… وقبل ان انطق بكلمات القصيدة, قاطعنا سائق التاكسي بنغمته : بغداد والشعراء والصور , وسرعان ما وضع النشيد في جهاز السيارة لتطل علينا فيروز بالقصيدة, ولتتنفس بغداد بالم نازك الملائكة وصوت فيروز ونحن نمر على خرائب بغداد من القصف نحو المستشفى بالقرب من جريدة الجمهورية . فتاتي الحكمة بحسن الاصغاء, وفي مرونة من التنفس في نشاتها كانت تتعلم الحكمة ما بين المقدسات والانتماء العرفي والامتداد الثقافي لعائلة مثقفة ما بين أب موسوعي وام شاعرة وزوج علامة في اختصاصه ورئيس جامعة البصرة , وحياة ملؤها الثراء الثقافي من مستجدات الغرب واصالة الشرق ومتانة العرب , فتفتقت لديها مواهب الكتابة, وقد اتقنت القلم نسمة لتعبر عن صرخة بحجم قوة الحياة فلم تكن تعترف بالسياط , لانها انسانة تمتلك الانفاس الطاهرة من فطرتها وهكذا اصبحت مبدعة معبرة عن انسانية عظيمة لفطرة امراة عراقية. وهكذا ايضا قصة ذلك الفجر قبل خروجها من المستشفى وقرار ارسالها الى القاهرة للعلاج , حيث كانت الزيارة الى النجف وكربلاء , وكأنها تستعيد كل وعيها وهي تقف بالحرمين الشريفين , لتهمس , اليس بالامكان زيارة الكعبة في سيل من الدموع , ليناول الدكتور عناد غزوان المنديل الى الدكتور محبوبة كيما يمسح دموعها التى اوحت لي انها دموع وداع للعراق والمقدسات في حسرة منها برغبتها للحج , وقبل حلول الظهر كانت العودة الى بغداد . ليس من الحكمة ان تكون الحكمة في رعب وفوضى , كيما تكتشف الذات ابعد من اعتقادات الاخرين انها تكتشف بالقسوة , ان الحياة هي متعة المكتشفين بالوانها المختلفة, وليس من الضرورة ان يعيش الانسان في شظف العيش حتى يصل الكمال , وليس الوصول الى مدارجه من المستحيل , وان السعي له وان لم يكتمل السير هو وجه من اوجه الكمال الذي يرغب الله عزوجل ان يرى البشرية عليه. ولايمكن ان تحدد نازك الملائكة وامثالها المبدعين بمحددات فكرية لهذا المفكر او ذاك في اطار التفلسف ان كان ما قيل عن التمرد او الثورية او السلام حتى يقال بوصفهم انهم مثلو انفسهم او اكتشفو ذاتهم , فجهاد النفس ليس مجرد التقاتل مع الذات او النفس , او يتم التخلى عن كل شيء , فان ذلك من الغباء والمرء يقع في غربة من الوطن والانسان والارض .فبلوغ الذروة ليس النفوذ من المستحيل والانا من الممكن ان تكون للمبدع اداة طيعة وليس جبروت واستعباد , وعندها يحترم القدر والدهر,فتكون الهمسة والصرخة والنظرة في جمالية واحدة دون تناقض او اختلاف من الميزان الثقافي لدى نازك الملائكة . وليس من شرط المادة الابداعية ان يتم التألم على كل شيء فالحكمة ان يتم العيش معها والابداع بالتعبير عنها,فالتشبث بمفردات المفكرين دون الايمان بحركة الفكر ومسبباته يطيل الجهل في غيه, وليس من الحكمة ان نطلق الصمت مبدأ او الثرثرة علاجا , فلايمكن ان ياتي من اللاشيء حقيقة , وهذا سؤ قراءة للواجب والحقوق . فلايمكن ابادت الاخرين لكي نكتشف ذاتنا او انفسنا فهذا من الطغيان الذي هو عين الجهل. فالمنافسة هي التى تذكي جذوة الانجاز والنصر , لانه لايمكن ان يحكم شيء علينا بالموت ونحن احياء غير انفسنا وامّيتنا . ان نموذج نازك الملائكة من الشعراء الذين يحملوننا على اجنحة الخيال, وتدفعنا الى التفكير. فهي بين ارتباطها الوثيق برغبة التجديد وبين انتماءها الديني في البيت والدراسة الاكاديمية, قد احكمت القبضة على صحة عدم ارتباط الابداع بالحرية فقط , حيث لكل ظرف ابداعه ولن تجعل الظروف والسياسة شماعة للتخلف وعدم النهضة. ولكنها كانت تسعى معرفيا للوقوف بوجه سياسة الغزو الثقافي في عمليات التطهير لمثقفي الامة وغسل الادمغة من قبل احتلال العقول وليس الارض . وان ذلك بالنسبة لها اكثر وحشية مما هو الاغتيالات والمذابح الوحشية للشعب والمثقفين وللثقافة ايضا و وربما ارادت ان تضع منهجية الغزو المضادة وقد يتم لمس ذلك ما بين طموحاتها النقدية للتبعية والنسخ والتقليد بعيدا عن الحوار والمشاركة بنفس الميزان من القوى الثقافية والحضارية .ولربما سيجد الجيل مفردات هذا المنهج لكي يؤسس عليه افكار ونظام استكمال مسيرة نازك الملائكة في التاثير على الامم والشعوب عراقيا وعربيا.وان ما اوردت من وصف وهي في المستشفى لطفل بريء بوجنات ذابلة كالورود كان هناك شبح يتخطفه من بين ركام القصف الامريكي لتبدو عندها دموعها ببريقها الشاعري ومن ثم ينتابها الارتجاف فيمسك بها زوجها الرؤوف , وفي خارج الغرفة علق على ذلك ان هذا الطفل من اسباب حالتها الصحية وهي تشاهده في صورة بالجريدة فصرخت وانهارت . ليندمج التاريخ باحساس الشاعر فيكون مبدعا حتى في مرضه ومنها يدرك لماذا قد هام قيس سقيما بحبه في البوادي , كحكمة لعدم نسيان الاجيال الحقائق برفض رياء التاريخ والرجال , ليظهر اصحاب الراي مسؤؤلين اضعاف ما عرف أي عصر لاحترام الجيل والمبدعين لانهم حصن الحقيقة . فالحرية والحق في المسؤلية والواجب الوظيفي لهما ارتباط وثيق لاينفصم. مع اخذ باعين الاعتبار الطبيعة النسائية في الدفاع عن نفسها, وربما تكون نوع من الواقعية المرأة في التقاليد ولكن تعبر عنها نازك الملائكة…( بالواقعية المقدسة لقيمة العفاف عند العرب وصقلها الاسلام بقوانين اخلاقية بناءة)… بحيث يتم تحويل مفكري الحيرة الى منهج من الدفاع عن بوابات المعرفة للتخلص من الضياع بالحفاظ على القيم الفكرية المتوارثة ليست عنوان الوثنية والفكر الصنمي بل من كونها حافزا لتطلعات التجدد , ومن خلالها الحفاظ على حقوق ما يمت لاكتشاف الهوية في معالجة ما سمي بازمة الهوية لامة كاملة ,و دون ان يستغل الغزو الثقافي ومفاهيم الاحتلال المختلفة عناوين التجدد والحداثة بجعل المنادين بهذه الاتجاهات ان يكونوا جيوش حماية لثقافات المسخ والتى تعززت بمسميات اغلب مدارس الاستشراق الا ما ندر . وبالنتيجة تكون الاستفادة منهم بسؤ استفادة للثقافة والذات والوطن والتاريخ , دون ان يكون هناك فائدة ترجى لخصوصية النهضة الا بالتبعية واستمرار الحيرة والتى ستكون لها نظرياتها الخاصة في تفكيك الاصالة وتحجيم المعاصرة , ليكون المثقف تابع مخلص عبر اختراقات لاصالة الدين او العروبة او الوطنية والقومية , لتمسخ من مفاهيمها الاصيلة , وليتم التضحية بالقيم من اجل المصلحة . وقد اعتبر امثال نازك الملائكة من وظائف الشعر التصدي لذلك .والتصدي للواقع المؤلم الذي سينتج من هذه العملية بسياسات ثقافة الغزو الثقافي والاحتلال, وان مفاهيم الخيانة هي الحامية للقيم المقدسة. ايمانا من الكل بان ضعف الطرح دون تاسيس مدرسة ثقافية له ذو اصول تاريخية اصيلة , ينتج حقيقة ان الضعيف ليس له الحق في الدفاع عن نفسه وقيمه . فان مفاهيم الدفاع والتحصن الثقافي تكون من اجل سنوات الجهاد لمفاهيم الحرية والتمسك باخلاقيات الحضارة الانسانية في مواجهة لعبة ان تكون الثقافة ومنها المراة ضحية الغش الفكري بالاصرار على الفكر الحق والمعتقد التنويري لهذه الامة والتى من اساسياته حيوية الثقافة الاسلامية الحرة الحوارية النيرة. وهذا ما نجده في كل محاضرات نازك الملائكة ومؤلفاتها النقدية. واني كنت اعتقد ان الغضب والموقف هما الصورة الاخرى للعشق , وان الحنان والانسانية وغيرها من المشاعر اذا لم تتميز بمثل هذه الخصال فان المرء لايمكن ان يقال عنه انسانا. ليس بالضرورة ان نكون باحثين نفسيين لنستخدم تعاريف نفسية في حالاتنا وضروراتنا ومواقفنا . ان ضحايا الظلم , وجروح الروح والشلل النفسي , مهما كانت فانها لها ديمومتها على طول العمر والذكريات , ولكنها ستكون مادة الابداع والانجاز الحضاري كيما تتيح الامل بان الشعب المتميز بهذه الخصال عندما يخرج من ماساته مادة ابداعية ويظهر للعالم شخصيات عملاقة تعبر عن ذلك فان ذلك عامل من تخفيف الالام والجراح لانها باتت ملحمة له وليس ظلما اخرا يسلط على رقاب جيل جديد من نفس الامة بحجة الظلم لظلم الاخرين , لتكون المادة الثقافية عبر الزمان محاكمة تاريخية لذلك الظلم وليس التلاعب السياسي ومصالحه , وان مثل هذه التضحية التى يعمل عليها ابداع نازك الملائكة وابداعها المثالي جعلت الشعب بمنزلة السمو والارتقاء وكونه جيل يمكن ان يسامح رغم انه هو الضحية , ولكنه لاينساها , كيما لايتكرر الظلم من جديد , ولايكون هو عامل انبعاث شر جديد, وبذلك توصف الثقافة بالفكر الحر والانساني والحضارة الحقة التى لاتولد وحشها الكارثي لفناء البشرية كما هي الحضارة المادية المجردة التى تفني البشرية اما بالقنبلة النووية او بالاحتكار, او الحضارة الروحية المجردة وهي تبيد العقل البشري والانسانية بالتطرف او بسلاح العصبية , وفي كلا الحضارتين جاهلية ثقافية تقود في افضل الحالات الى الدموية , وهذا هو ظلم النفس بعينه. وان مواجهة مثل هذه الحقيقة الشريرة يشكل ابداعا وجهادا في نفس الوقت سلاحه الشعر والنقد.وان مثل هذا الابداع هو منهجية لايقاظ الذكريات الكثيرة مابين الخطورة ومابين الامان, ولتظهر التجربة بمعناها الانساني وجيل حماتها الانسانيين هي الحصن والحامي لهذه الثقافة ولهذه الامة ولهذا الوطن , الا اللهم ان يسير المثقف في انحرافات المؤامرة والتلاعب بالعقول لنأسف عندها على ثقافته وقدراته العقلية التى تسيطر عليها عوامل الغريزة وشهوات النفس المحرمة وتوحش الدماء , ونحن نعرف مسميات كثيرة عبر التاريخ تسقط في مثل هذا الوحل من المستنقعات الانانية والشيطانية. وكانت قد عقبت على جواب سؤالي عندما سالتني… (ماهي مشاريعك؟)… قلت لها: باني اشتركت مع الشاعر وسام هاشم في مشروع صور بوستر لنادي الزوراء في تلك الظروف لاشغال انفسنا وبفكرة من الاخ وسام.. قبل سفره الى اوربا. واوضحت لها في الوقت الذي فشلنا في المشروع في العراق فانه حقق ارباح مذهلة في الاردن ولكن لاندري كيف وصل المشروع الى الاردن , المهم ابتسم الحاضرون, لتعقب…( على المرء ان لايخطأ بمسار ابداعه , ومعرفة هذا المسار على رغم ضرورة حرية الاختيار فيه ولكن للبعد العائلي والبيئة دور في نشأة الانجاز الناجح , فلابد ان تقصد دواوينكم ومجالسكم وعائلتكم وتعرف ان من هناك يبدا ابداعك ,ان كان تجارة او شعرا , فكم اضاع عبقري دربه لانه اخطأ بوابة خصوصيته و ليحسب على الاميين )… اثارة ما بعدها اثارة ,انه ليس من المهم ان نقول شيئا في حياتنا , ولكن الاهم ماذا يقال عن ما قلناه .واعتقد مثل هذا الاعتقاد اسس عليه امثال نازك الملائكة تجربتهم والا فان القول من السهولة ان نحيكه في أي شيء وبالتالي يمكن ان يدرك لماذا يكون الصمت بوزن الذهب اذا لم تكن تستطيع ان يكون الكلام بوزن الفضة , لان الحكمة واضحة عندما نوؤلها من انه الكلام لاترتفع قيمته اكثر من الفضة , وعندها ربما يظهر انسان امي اكثر حكمة من انسان متعلم عندما يفضل الصمت لانه وصل بموقفه الى قيمة الذهب . وان هذا المعنى يوضح انه ليس لدينا ابطال دائميين ولكن يمكن ان يخلد فكر انساني ليشرح زمن البطولة, والزمان علم الاجيال بان الابطال لهم نفس مميزات الضعف والقوة لدى الاخرين العاديين غير المشهورين, وربما في التاريخ سنطلع بان قيمتهم تكون اقل بكثيرمن البشرالعاديين. ولذلك ليس لدي شك بان الحداثة المعاصرة هي عربية عراقية , وهذا ما توحيه لنا نازك الملائكة بتجربتي السياب والبياتي , حيث كان التحديث يهمس عواطفه الجياشة في هذه المعاصرة على اساس اصالة التجربة بالبلاغة العربية , ولابد من القول لاتجديد للفكر دون بلاغة عربية وهي لغة الشعر والنقد…( أن الشاعر لا بد أن يُوَثِّق صلته باللغة وقوانينها بحيث تصبح مَلَكَة اللغة فطرة في نفسه يغرف منها بلا انتهاء، فيبدع الصور والموسيقى، ويأتي بأروع الأنغام دون أن يخرج على أسس اللغة وقواعدها… أن يتمسك الشاعر المعاصر بالقافية ولا يتفلت منها؛ لأنها جزء أساسي من موسيقى الشعر لا يصح الاستغناء عنه… أن تقفية القصيدة مطلب سيكولوجي فني مُلِحّ… أن القافية تُقَوِّي بصيرة الشاعر تَقْوِية عجيبة، وتفتح له الأبواب المغلقة الغامضة، وتقوده في دروب خلابة تموج بالحياة، وأنها تفتح كنوز المعاني الخفية، بل إنها تُنْبِتُ الأفكار، وتغير اتجاه القصيدة إلى مجالات خصبة مفاجئة، وأن القافية وسيلة أمان واستقرار لمن يقرأ القصيدة، ووجودها يُشعر بوجود نظام في ذهن الشاعر وبتنسيق الفكر لديه ووضوح الرؤية، وقوة التجربة… أن ترادف القافية يعطي إحساسًا بأن الشاعر مجهز بعزيمة صلبة لا تلين، فالقافية قتال ومصاولة، وهي تنزل على السمع نزول الرعود، وكل قافية قنبلة تنفجر في آخر الشطر… إن الشاعر المبدع هو الذي يُلْهِمُهُ حِسُّه الفني المواضع التي يتخلى فيها عن القافية والمواضع التي يلتزم بها فيها. وإن القافية ليست مجرد كلمات عابرة موحدة تُرْوى، وإنما هي حياة كاملة… إن علينا اليوم أن نستعمل البحور على أساس الوزن العربي الموجود القائم الذي استعمله شعراؤنا في كل عصورهم دون أن نفترض لكل بحر مألوف أصلاً غير مألوف، فذلك ما لا نفع له، وإنما هو شيء يقرب من التعجيز للشعراء والنقاد وطلاب العروض )…ومثل ما كانت أي تجربة سابقة لسان القلب وعواطف البشر في عراق العربية والاسلام عموما , فان العصر اليوم هو ينهج نفس المنهج في التاصيل والتجديد دون انقطاع ان اريد من الانجاز ابداعا . هكذا ياخذ الوزن ابداعه من المعنى كما ياخذ الحر ابداعه من البلاغة والصورة , ولابد ان نقول ان المعنى دون بلاغة لغوية يكون ناقص الفعل في التعبير وفيه جهل من الفكرة. ليخرج الوزن مقبولا ذوقيا وبلذة عاطفية وذو طبع لائق بالابداع كفكرة وصورة , لترغب به النفوس النفيسة وتتقبلها الطباع السليمة سريعا ,وتميل الى صاحبها لابداعه هذا اللون , وان مثل هذا الابداع يحتاج ذكاء طبيعي وصفاء الذهن والقريحة المتفتحة , وان ما يستنتج مما يقراه القارىء ياخذ انطباعه ان الشاعرة مجبولة لقول مثل هذا الشعر من المعنى والشكل سوية .وبنظرة متفحصة في تشكيل القالب الشعري والمعنى له يتبين عند نازك الملائكة ان التعبير والصورة ناضجتان وهما باحسن اسلوبهما , وفي النظرة الاولى تستبعد البداهة في القول وان وجدت في طيات الانجاز والابداع , ولها قوة الطرح الشفهي الارتجالي في ابراز الحالات من كونها تعبير عن حالة لحياة نازك الملائكة او فكرة لها لتعالجها بفلسفتها النقدية المعروفة , ولانجد ما يشبهها في موضع اخر. وعندما ادخلت الاستاذ الفليسوف مدني صالح اليها في المستشفى , كان كالعادة هناك الدكتور عناد غزوان , والاستاذ عب الجبار داود البصري وفي جوارها الدكتور المعالج وزوجها الوفي الدكتور المحبوبة , وبعد الترحيب كان جو من القدسية يسود الغرفة , حيث لايمكن ان تجد صلة بين الرغبة بالثرثرة ووحي الادب الا في هذه الاجواء, وكانها تفرض عليك ان تفهمها من وراء معاناتها المرضية , ونحن نستمتع بصمتها وبسمتها الهادئة, راغبا بمحادثته عبر اعماقها الغنية . وفي تلك اللحظة يدرك المرء انه ادرك القليل منها, فكيف اذا جمعت عباقرة العراق الى جوارها من سيابها ومتنبيها وغيرهم عبر العصور فمن سيضن المرء بنفسه امامهم, لتخترق رهبة الصمت متحفزة بعبارة عناد غزوان , لتكون للكلمة المهيبة وقعها ومثل هؤلاء الرجال يبادلونها الحوار الهادىء ومقاطع من شعرها .وبمقدار ما كانت اصوات الموتى تسمع من خلال صمتها فاني في الكلام استمتعت بحديث كل الاحياء ايضا لاعرف قدرة الايحاء والمعنى في تبادل هادىء دون جدال لهؤلاء الاعلام وفي وسطهم قلادة العراق المقدسة . وقد شغلهم لدقائد الحديث عن والدي ودوره الاجنماعي والادبي وان هناك مشروع اعلامي للاستاذ حميد المطبعي يشمل تاريخ الوالد الثقافي , ليردف قائلا الاستاذ المحبوبة : ان الجميع لن يحسم الصراع عنه ما بين الفكر الديني والعلاماني وما بين نموذجه المدرسي فهناك مطالبة بصراوية للانتماء اليها , وهناك نجفية ,وادرف عناد غزوان ولاتنسى ان هنام مطالة من الناصرية وكذلك المحمرة , فبتسمت نزك الملائكة قائلة … ( جميل ذلك ليشكل فسيفساء ثقافة عراقية عربية )…وقد انتشيت من هذه الشهادة وان كان هو اكثر من ذلك ولكل مقام حديث . وهكذا بحكم نشاتي كنت اعرف انني في مواجهة معرفة جديدة دون المعارف الاخرى في الحداثة والنقد, فهي ليس أي كائن بل نوع من معنى الفكر الذي اوجد نفسه في امراة , وكأنها تعتصر دمائها ودموعها كيما يطوفان في حجيج الشعراء, وهكذا تبحر دون ان ترسو على مرفىء ما. . شاعرا بها انها لم تتوقف في دراستها الأدبية والفنية في الحدود الاكاديمية إذ درست اللغة اللاتينية في جامعة برستن في الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك درست اللغة الفرنسية والإنكليزية وأتقنت الأخيرة وترجمت بعض الأعمال الأدبية عنها، .. لتتجه إلى انشغالاتها الأدبية في مجالي الشعر والنقد، والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة وسكونسن لدراسة الأدب المقارن، وقد ساعدتها دراستها هذه المرة للاطلاع على اخصب الآداب العالمية، فإضافة لتمرسها بالآداب الإنكليزية والفرنسية فقد اطلعت على الأدب الألماني والإيطالي والروسي والصيني والهندي. ليتبادر لنا انها تدخل ايضا صراع الاجيال والامم في مفاهيم التفعيلة والوزن لتعطي للعراق بعده الحضاري كفارسة في حلبة الدفاع عنه وحفظ خصوصيته الابداعية, ولديها شعور ان تصرفت خلاف ذلك يكون نوع من انواع الخيانة لتقترب من الموقف السياسي للشعر, وكانها امراة سياسية . وهي تحاول العمل المختصر لتبيان الفكرة الشعرية , في بعدها الفكري وجمالية عمارتها البنائية , وبتعبير اخر توسيع فكرة الشاعر على مساحة العمارة الشعرية , وجعل التمهيد والمقدمة والحبكة متداخلات ولكن بنظام دون فوضى او ضياع للفكرة, لتتبين الارضية للمعنى المقصود والتى تحفز الشاعرة بالتفكير به , احيانا على شكل فلسفة واحيانا تستخدم المنهج الملغز والمرمز . وللوهلة الاولى اسمي ما اقراه لها انه عنوان للفكرة الحائرة في الشعر , ليبرز في جمالية من الابداع ما بين فلسفة لقلب واعي وبين عرفان لقلب محترق , وما بين عالم بالافلاك متجانسة معرفته التى يبصر بها بالنور وما بين شخصية تحاول ان تستوعب الكون دون عجز , واحيانا في حالة من الجبر هناك اندفاع لقضايا معقدة ومتداخلة ما يشبه المسائل الرياضية , او اتباع جهاد النفس ورياضتها الذاتية من اجل مواجهة شياطين النفس والجسد بفعل ثوري وانتفاضة انسانية , تعبير عن دمار العصر وصراعات الثقافة ما بين الدخيل والخصوصية بشاعرية محكمة…( إن النسيان نقيصة في الإنسان، وكل نقيصة لا يصح أن تُقَدَّم على أنها عذر)… لتذهب الى محتوى الفكرة فضلا عن المضمون وسهولة البيان المتميز بالفصاحة والبلاغة والسلاسة بعيدا عن التصنع والتكلف , فالى جانب الخيال الخصب فهناك المعنى وتوجهاته . ليظهر منهجها في محاور فكرها , وهي التفكر من اجل معرفة الذات , وان هذا الفكر لايخص به الفلاسفة فقط , وانه لايخص ايضا أي متخصص في فرع من فروع المعرفة , اذا ما كان الفكر يستند على سؤال كهذا , ماهو الانسان ؟ ماهو اصله ؟ ومن اين جاء ؟ ومن اجل أي شيء ظهر هذا الكائن المسمى بالانسان؟ وماذا يفعل في هذا العالم او الدنيا ؟ وما هي سبل شقاءه او سعادته ؟ لتوضح هذا القول نازك الملائكة ومجموع هذه الاسالة التى مازالت تشغل المعرفة واهلها من العلماء عبر العصور ليتوظف المعنى والتسائلات في النقد والشعر والفلسفة وغيرها …( ان مجموع هذه الاسالة هي التى تشغلنا والمعرفة عموما لمعرفة انفسنا وتبعا لذلك لمعرفة الله عزوجل ) …وهذا هو مطلب المعرفة الفلسفية الشعرية والنقدية التى طالما جعلها الشاعر البليغ مورد مراتبه الذهنية وتشذيب لسانه , وطالما كررها اهل الفلسفة والنقد .وان مثلها كانت مطالب لافضل الاشعار والتحديث في الثقافة العربية وحتى العالمية وهم يلهجون بها الما من خلال اناشيدهم وقصائدهم.وقد شغلتنا تسائلات الموت والحياة و في مثل ظروف العراق المتصارعة الدموية بنظام محكم من التامر , ليس اليوم وليس من اوائل ايام نازك الملائكة الشعري بل من اول لحظة في الزمن تم تطبيق منهج التامر عل العراق بعد دراسات مضنية وبعد ان كان عفوية عبر العصور . ومثل هذه التسائلات ما يبررها هو الوصول الى نتائج من كل هذا الجهد للوصول الى درجات الكمال واكثر , ولكن فجئة يظهر الموت وكانه يعيد الامور الى الصفر وكاننا لم نفعل شيئا من المعرفة وكاننا غير موجودين , وهذا ما تتناقض معه نازك الملائكة من ان الموت مرحلة كما اظهرتها بوضوح في نهايات مشوارها برثاء زوجها الحبيب الدكتور عبد الهادي محبوبة , او من خلال قصيدتها جاء عزرائيل . ومن العجيب ان تكون النتائج متشابه لمن ينظر الى فلسفة الموت برحابة صدر , ولكنها تعيش النتائج في صراعها المعهود كصراع الحضارات بسبب النظرة للحياة والموت بياس وتشكيك وضعف وحزن . وهذا الفرق بين فلسفة النظام من استغلال الحياة وفكرة الموت كحق لانجاز ما مقابل الفوضى الفكرية واللانظام في العقل البشري للطرف المعاكس , ليظهر الفرق بين الحسرة والندم مقابل الرضا , وهي مسميات لفلسفات متعددة ارادت نازك الملائكة ان توحي بها نظاما للمعرفة والنهوض الانساني ونتائج للحداثة والتجدد.وان هذه الفلسفة ومعيارها النقدي وطرحها الشعري مابين التفكر واسرار الخلقة والتعامل مع رموز الموت ونماذج الحياة وتفعيلها بالذات والنفس تعكس استناد الحداثة على تراث عميق اصيل لم يغب عن منهجية العظماء من شعراء العرب والعراق خصوصا عبر العصور ماقبل الجاهلية الى اليوم وهم من مؤسسيه ايضا كاسلوب اخر للمعرفة واكتشافاتها .وقد حاولت نازك الملائكة ان تظهرها ببعد فلسفي اعمق , لاسباب الظرف العراقي ولتاريخ العرب المعاصر من نكبات وماسي ولكن بقوة المعنى والكلمة لمعالجة الشقاء والظلم نحو حقائق الانسان وسعادته مهما بلغ الزمن من مدة فلابد من علاج ورجوع الى طبيعة هذا الانسان المحب للمعرفة والعاشق دوما . وهو نوع من الوسواس الفلسفي مع نموذج عرفاني.وهي تحاول الكشف ان مثل هذه الحكم قد تطرق لهااعلام العرب وقادة الفكر الاسلامي كالامام علي(ع) والرسول محمد(ص) والقران المجيد وما هي الا ان تستجلب البلاغة لتفسيرها كما فعل ابو علاء المعري والمتنبي او المعاصرين كنزار قباني وايليا ابو ماضي وشاعر العرب الكبير عبد الرزاق عبد الواحد, وان العراق محفز تاريخي وتراثي وفطري وطبيعي لهذا الواقع انطلاقا من تاريخه قبل الاسلام كمدرسة للانبياء واسس التاسيس الحضاري والقانوني ماقبل حامورابي مرورا بمدارسه كمدرسة الكوفة والبصرة وبغداد وواسط انتهاء بالتحدي الجديد في معيار الحضارات وهو يبدي استعداده للنهوض العلمي والثقافي ليواجه المؤامرات والحروب والحصار ومن ثم الاستعمار اخيرا كنتيجة لهذا التحليل , وهي فطرة وطبيعة بشرية تتجاوز تبريرات الظلم وانحرافات السياسة حيث لم يخلو التاريخ منها ولكن كان له اساسه النهضوي في كل مراحل التاريخ مهما كان النظام السياسي والفكري. تتشكل هنا لدينا نماذج ابداعية من الشعراء اسست لهم نازك الملائكة تجربة ما وهي سارت على تجربة غنية من التراث , وهي تجارب تدفع الى الفلسفة وتضع الانسان في حالة من التنور وفي نفس الوقت من الحيرة . فهي على رغم النضوج وتعملق المنهج فانها محاولات لحداثة وتجديد الرؤية الانسانية من شهوة المناصب الى الفناء في الله , على اساس الارتقاء في درجات السلم واحدة بعد اخرى بهدوء, وكل الهمة هو التاسيس وليس الوصول الى النهاية , من اجل عوامل مساعدة اخرى بالتفكر بالخلقة دون الخالق لمعالجة الشك والعبور الى اليقين حيث التفكر بالخالق درب يقود الى الظلمة والكفر وان التفكر في الخلقة يؤسس الى الايمان , من اجل النظر في عالم الخليقة وادراك اسباب فناء الجسد وخلود الروح , ومن ثم العودة بامل الى السكن في الجنان .وهي لحظات الدقيقة من العرفان والدمج الغزلي والتفاعل مع العشق والمحبة عبر بوابات انسان مع الانسان نفسه والوطن والعبادة والطبيعة في ان واحد , ايحاء بمنهج يؤدي التخلي عن أي واحد منها يطلق الخيانة والامية . فمن اجل اسلوب الملاحظة يؤشر نحو ما يمكن يظهر بالاركان من المعنى للتوغل الى الاعماق وهو من بوابات المجهدة في اعداد ارضية الورود لعوالم الاشعار المحاطة بالورق او العيون او الهادر من اللسان , وهذه من عبقريات نفس المبدعين في الادب .ومن هذه الاركان الجانب الاجتماعي ومنشأه من حيث الحكم عليه كدليل للمعرفة من حيث البداية والفعل في الوسط والمحيط . ليكون مثل هذا الحكم دليل على الابداع والنهضة .ليكون الادب والشعر من دلائل المعرفة ايضا و من حيث ان الشاعر او المثقف عموما هو الذي يصنع حاكميته وحكومته بنفسه , وهي من المفاهيم البسيطة الدالة على عبقرية الشاعر وابداع الانجاز .مما يؤدي الى تحفز بالتفكير بالمعنى وكيفية اللفظ في ابداء هذه المعمارية الشعرية , وقد تقلد رايا ان هناك لاحدود مانعة لمعاني شعره . ليرتفع في دلائله واشكاله كيما يحصل على الربح الاكبر في اداء الابداع , حيث يذهب الابداع دون اهتمام بمواجهة االاخرين ولكن يحترم ارائهم و اعتمادا على قدراته وبذائقته الطبيعية وفطرته المتحفزة لكل شيء جديد , لمعالجة قفص الحرمان الذي يودع الغزو الثقافي فيه المبدعون كعبودية خالصة للانحراف والنسخ والتقليد . في سعي لاحترام الاطراف الاخرى و مع التاكيد على قوة الذات في تجاوز المنافسة , وكانه يتضمن معنى ان قوة الاخرين من حقه هو وسيستخدمها, ليكون المدخل الى الابداع ليس باقل من الاخرين على الاقل , ايحاء لاستخدام قوى الطبيعة والطيور وجمالية المحيط في ابداعه , ما بين ادراك ابتلاع الافعى للانسان وتحطيم اضلعه بالالتفاف حول اغصان شجرة عملاقة , او ما يتم التهامه من قبل مفترس ما او تقتله لدغة حيوان سام وغير ذلك من رموز الابداع والمواجهة المدل لمفاهيم حياتية تفسر الوطنية والوفاء وربما العكس كالاغتيال ان كان جسديا او روحيا ونفسيا , وربما الشلل بانواعه . هذا هوالتعبير بان الانسان هو الذي يقرر ماذا يفعل وربما لفعله لايهتم الاخرون وان كان شاعرا او عالما او ناقدا او فليسوفا او ربما حتى حاكما , وهذا ما يوؤل الوضوح او الابهام احيانا في الانجازات . لتحاول نازك الملائكة ان تكون اكثر وضوحا وسهولة ,دون الايمان بالانتحار او عدم الادلاء بالمعرفة الكلية وتوضيح الجهد نحوها , في ادراك تقلبات الحياة التى ربما لايتصورها الانسان من مفاجئات .فان اصحاب القرار القوي يمتلكون ذاتية قوية ولكن ليست انانية . وربما يعتبر هذا نوع من العصيان على الطبيعة البشرية المعروفة بالتدمير وليس البناء , ولكن هنا تاكيد على ان الطبيعة البشرية بناءة اذا لم يتداخل بها الجهل فكل السعي هو التخلص من الامية والجهل. وهو ايمان بان الله عزوجل لم يجعل الجهل حاكماعلى الدنيا , في نفس الوقت ليس من الضرورة ان يكون المبدع معروفا ومسيطرا على واجهات الاعلام , ومثل هذا الاعتقاد يحفظ طاقة المثقف للطفرة المبدعة دوما من الانجاز والالهام , وان يكون قادر على تقييم الاداء دون مبالغة ليتوقف في الوقت المناسب من هذا الارتفاع لكي لاتكون هناك ثرثرة , وهنا فكرة عملية من اجل المبدع ان يميل لازدياد المبدعين , وبهذه الفكرة الواحد منا يدرك لماذا يكون المنهج من اصحاب القلوب السليمة دون الانانية وهم ياخذون بناصية الحداثة والتجديد, لانه هناك اطمئنان بذوق الانسان نفسه. وربما ما لمسته من الدكتور محبوبة عن نازك الملائكة له اشارة بهذا الحديث , فاول رؤية لي معه عندما زرت الوالد في القاهرة في منتصف عام 1977م ولاعرف ان هناك شخص باسم عبدالهادي محبوبة زوج نازك الملائكة , وكان رده عن الشاعرة الكبيرة انها غير موجودة , ولكن التفت لوالدي ليقول انها معتكفة لديها فكرة لانجازها, وفي لقاء اخر في بداية الثمانينات وفي اوائل دخولي للعراق للدراسة الجامعية ببغداد وفي احد مؤتمرات جامعة البصرة ووجود حشد اعلام العراق وعلمائه وشخصيات عربية واجنبية, وكان الدكتور محبوبة قادما من الكويت , وقد كان رده على المتسائلين عن الشاعرة الكبيرة من انها في الكويت, ليلتفت الى الوالد وانا بالقرب منهما في باحة فندق شيراتون البصرة , انها هنا ولكن ترغب بالاعتكاف. وحقيقة شعرت ان وفاة هذا الرجل عام 2001م في القاهرة يجعل تحصينات نازك الملائكة اقل قدرة على الصمود في شيخوختها . حيث لايوجد في الحياة منهج يقوي الانسان ذوقيا و كيما يضعفه ايضا لاوجود لمثل ذلك , ان ما موجود هو الانسان الذي لابد من اكتشافه واكتشاف حقائق قوته وضعفه. وكنت قد تلقيت نهاية التسعينات وكنت خارج الوطن من الدكتور المحبوبة دعوة لحضور مؤتمر في القاهرة عن نازك الملائكة , وكان لظروفي وحالتى الصحية انذاك ما منعني من التشرف بهذا المؤتمر . اذن فان مسببات الفناء والالم ثابتة , وبالتالي فان أي امر لايرعب وليس من الصعوبة انجازه , لكي لايبقى الانسان لمفرده بسبب هواجسه القاتلة , فهذا خلاف الابداع, وهذا ما ارتقت له بعد الخمسينات نازك الملائكة في فهم حقائق الامور وما تحتاجه الثقافة العربية والعراقية عموما . فالتراث والانسان وايضا المستقبل كالارض المحكومة بالجاذبية واثار الفلك وقوانين الكون بثوابت معينة ومتغيرات خاضعة لسنن محددة , مهما بلغ تاريخ الارض ومها بلغت قوة الكون فان النظام يحكمها لتبيان هذه المعجزة الالهية , وبيان القدرات, فلايمكن الخروج على الجاذبية , ومن هنا يتبين القرار السليم وترابط الاشياء.. الحب ..الوطن.. الحبيب.. والله عزوجل, واي خلل سيدخل في عناوين اخرى مثل الكفر والشرك والجهل والخيانة . ولابد ان ناخذ بنظر الاعتبار ان هذه المعمارية الشعرية والمنهج النقدي من حيث جعل الفكرة هي المدخل للتعبير , للايحاء بان الورود الى عالم المتن بحاجة ابتداء الى توضيح المفاهيم وطبيعة رمزها وادائها الوظيفي . وقد لخصت تجربتها الشعرية قبل موتها عبر صحيفة العربي في القاهرة الأحد 24/8/2003 العدد 873 السنة 11 وقدأجرى اللقاء الصحفي : فتحي عامرفي عيد مولدها الثمانين, وقد وجدت اللقاء مرسلا لي عبر بريدي الالكتروني عام 1995م بواسطة الاديبة ليال الفردان , والتى كانت في حالة متابعة لها ما بين بلدها والقاهرة…(..سحبني المرض، ومادمت أحلم بمعاودة الكتابة,والاستمتاع بالبحث والقراءة، تلك هي أسعد لحظات حياتي…هناك موضوعات كثيرة ترسو علي شاطئ وجداني كل يوم،وما من لحظة إلا وتداهمني أفكار قصائد مداهمة مندفعة، خاصة في الساعات المتأخرة من الليل،فلا أستطيع أن أنهض لأسجلها، وسرعان ما تضيع وتتلاشي الفكرة،وبذلك تموت القصائد في مهدها، يؤرقني جدا أنه لم تعد تكتمل القصيدة عندي،لأنها تكون في حاجة إلي تنقيح، تعديل أو إضافة،فلا تكفي الفكرة وحدها لإنتاج القصيدة،وإنما لابد من التقاط الصور والأفكار الصغيرة والأصوات والنبرات من داخل نفسي ومن الحياة الواقعية التي تحيط بي،كما أن اختيار الوزن يبقي أبرز عنصر يؤثر في سير القصيدة، فقد كان عدم اختياره يعرقل الحركة العاطفية،ويعوق المعاني وخلجات الروح، وبذلك تفسد القصيدة. وبشكل عام فإن الإبداع في الشعر حالة من التوهج لا يصل إليها الشاعر دائما،وأنا أعتز دائما بأنني لا أرضي عن إنتاجي في الشعر والنثر وإنما اتطلع أبدا إلي الكمال. ..الحقيقة أنا من أسرة شعراء.. أبي وأمي شاعران، وأخي نزار شاعر، ولي خالان من الشعراء، وجدتي لأمي شاعرة، وأبوها الشيخ محمد حسن كبه شاعر معروف في العراق،كلهم شعراء، ولكنني اهتديت إلي الشعر بالمطالعة الشعرية الغزيرة بالعربية والإنجليزية والفرنسية، وحتي اللاتينية،واهتديت إلي الشعر بممارسة نظم الشعر نظما متواصلا،منذ بداية حياتي الشعرية، واهتديت أيضا بالمعاناة الشعرية المستمرة،والانغماس في تجارب الحياة الكثيرة الغنية، وكان أسلوبي يتطور بين يدي علي شكل مذهل يحيرني أنا نفسي,ولكنني أخيرا أصبحت أعتقد أن كل إبداع يصل إليه الشاعر إنما هو هبة من الخالق عز وجل يمنحه للشاعر ليحمل أداءه فيسحر قراءه ومستمعيه، ولا يمكن الحصول علي الأسلوب لدي شاعر لا تنمو روحه، ولا ينغمس في تجارب الحياة المنوعة أعمق الانغماس، إن الشعر الباهر ليس إلا حصيلة النفس الجميلة، العميقة الأبعاد، التي تعيش الحياة إلي أعماقها…أحب أن يكون لي أسلوبي الخاص، وشخصيتي المتميزة، وعندي تحرق دائم وشغف مستمر أن يكون كل شيء أكتبه شعرا أو نثرا جديدامبتكرا، لم يكتبه أحد قبلي، أنا مثلا معجبة بالأدب الأوروبي، وبتراثنا العربي، في آن واحد.. ولكن لا أسمح لأحدهما أن يطل بوجهه وعينه من كتاباتي، وإنما استوحي منهما صورا معاصرة أريد لها أن تخصب إنتاجنا الحديث، ولهذا أجدني أضيق ضيقا شديدا بصنفين من الأدباء العرب المعاصرين: الصنف الأول: هم الذين يقلدون تراثنا القديم،فيكتب شاعر معاصر علي طريقة البحتري، ويظن أنه يبدع أثرا معاصرا،والصنف الثاني: هم الذين ينقلون الأدب الغربي خاصة الشعر نقلا مباشرا بصوره وأجوائه ويظنون أنهم بذلك يجددون إنتاجنا، هذان الصنفان يسقطان كلاهما ضحية للتقليد، وهؤلاء الأدباء يقتلون شخصياتهم بهذه الوسيلة، ويسيئون إلي أدبنا العربي المعاصر إساءة بالغة…الجمود والتقليد يستقلان عن الوزن والشكل، ومن الممكن تماما أن تكون هناك قصيدة حرة بسبب محتواها الحديث المعاصر،والواقع أن أغلب الشعر الخليلي المعاصر عتيق المضمون بالي اللغة، فالتقليدية تنبع، لا من وزنه وشكله كما يتوهم الزملاء من الشعراء، وإنما من روحه ولغته وأسلوبه، الشعر حالة من التوهج ولا يمكن الحصول علي الأسلوب لدي شاعرلا تنمو روحه وذلك هو الذي يسيء إليه، ويجعل شعراءنا اليافعين يهاجمونه ويهينونه بكلمة تقليدي… صوتي الأول، مازال صوتي الحالي، لم يتغير، ومسألة التراجع هذه مجرد خطأ شائع أو وهم أو تهمة، وأبرز دليل علي ما أقول هو شعري المنشور نفسه، فأنا لم أترك نظم الشعر الحر في أية فترة من حياتي منذ عام 1947 حتي اليوم، ومجموعاتي الشعرية المتتالية تثبت ما أقول،وإنما شاعت هذه الإشاعة عني لأنني عندما رأيت الفوضي والضعف والركاكة التي غلبت علي كثير من الشعر الحر الذي تنشره الصحف بادرت إلي الاحتجاج عليها هي، وليس علي الشعر الحر نفسه،وكان ذلك خاصة عندما لاحظت أن كثيرا من الشعراء اليافعين راحوا يهاجمون شعر الشطرين ويحقرونه داعين إلي نبذه نبذا تاما،وذلك أمر لا أرضاه وقد كان لابد لي أن أسهم في ردع هذا الاتجاه، وإنما كنت ولاأزال أؤمن بأن الشعر الحر ليس بديلا لشعر الشطرينوإنما هو زميل له أو رفيق، ففي وسعنا أن نستعمل الصنفين معا دونما حرج،ومن جهة ثانية، جاءتني السنوات التالية بمرحلة من النضج في النظر إلي الموضوع، استطعت أن أكتب بحثين بينت في أحدهما معايب الشعر الحر وبسطت في الآخر معايب شعر الشطرين، وكلا هذين البحثين منشور في كتابي “قضايا الشعر المعاصر”…الواقع أن حديثي عن معايب شعر الشطرين كان مثل حديثي عن معايب الشعر الحر، فإن أيا منهما لا ينفي وجود مزاياأكيدة إلي جانب العيوب، وإنما لشعرنا القديم وشعرنا الجديد كليهما مزايا جميلة عذبة تجعل الشاعر يُجنِّح،ومعايب مخلة تضايقه، فلكل طريقة وردها وشوكها، ولايزال البعض يردد فكرة أن نازك الملائكة قد تراجعت عن الشعر..)… تعالج الضميرالمهشم للانسان كيما تكون مراة القاريء الى الاعماق .معالجة لعنة الزمان والحروب وتدهور امة. دون الهروب من الحقيقة في اعادة ملامح غائرة في الضياع واعادة تشكيلها في الادب والنقد, فكانت الزيت المقدس لجلاء صدأ الدماء وتمزق النقس , والدخول قي الاخطارمن اجل التجربة , في رؤية ما بين عطاء يغني عن لوك الجياع للتراب بين اسنانهم وبين اشكالية مفهوم الثورية التى تخرج عن اسلوبها نحو الوحشية والدماء لتخرج عن اهدافه لتحقيق العدالة نحو الظلم. وعلى رغم رغبتها بانها الاول في التجربة ولكن منهجها يعكس فكرا خاصا لها ليس باناني واكثر فالية وانانية وهي تقول…( انني اؤسس خطوتي على خطوات الاخرين وما كان تاسيسي من فراغ لان ثفافتنا اصيلة, اني اتصارع مع الوهم لاقول ان كل شىء حقيقة فاخرج من هو على استعداد والفكرة التى تستحق الحياة من الظلمة عبر العوالم نحو النور)…مصرة على ان تعالج قصة حيرة المفكر في قفص بحجم الارض , ولكنها قبل ذلك قد صاغها التاريح كنزا من كنوزه عبر لقب الملائكة التى وصفها الناس والجيران بذلك لهدؤ بيتها معنونا بالعقد المقدس في جيد حضارة العراق الخالدة.