الرئيسية » مقالات » المتنبي يزور الخيمةَ سرّاً / إلى حنان ودينا

المتنبي يزور الخيمةَ سرّاً / إلى حنان ودينا

رومانس المتنبي

(( 9 ))


كيف حال صاحبي بعد رحلة المغامرة التي إعترضتْ سبيلك مع صبيّة ساقتها القسمة زوجاً لك فإعتذرت منها ورفضت المقسوم ؟ قال ندمتُ ، ندمتُ أشد َّ الندم !! ليتني ما ركبتُ رأسي … ليتني قبلتُ عَرض الشيخ أبيها ونكحتها وبنيتُ بها وقضيّت العمر معها ومع قبيلة أبيها صهراً مدللاً وشاعراً منقطعاً لأبيها وقبيلها . بعد هذه الحادثة رأيت ما رأيت من أهوال ومصائب وكان آخرها وليس أولها حادث مقتلي بين واسطَ وبغداد في دير العاقول قريباً من النعمانية كما تعرف . هل نسيتها يا أبا الطيّب ؟ هل حاولتَ نسيانها ؟ أفلمْ تحاول ؟ تنهدَّ صاحبي بحرقة وجر َّ نَفسا ً عميقاً طويلاً من سيجارته ثم قال : لو أقص عليك الحكاية قد لا تصدق . بل قلْ وأنتَ المُصدّق يا صاحبي . قال كبرت البنت تلك وكانت تتابع حركاتي وسكناتي وحلّي وترحالي . أخذنا نتبادل الرسائل مع الرُسل والمسافرين والمستطرقين . رسائل حب ملتهب ورومانس راقٍ أفلاطوني المزاج حتى وجدنا نفسينا نحترق كما القش في نار حامية . نسيتُ فارق العمر . نسيتُ أني رجل متزوج . نسيتْ هي بدورها فارق العمر بيننا … لم تعرْهُ أيَّ إهتمام ، ولا إلى حقيقة كونها فتاة رائعة الحسن متزوجة من إبن شيخ قبيلة فتى في مثل عمرها تقريباً . زوجّها أبوها منه رغم إرادتها فظلّت له كارهة لزمن طويل . نعم ، ظللنا نتبادل الهوى والغرام الطاغي حتى خلال أعوام إقامتي في فسطاط مصر أنظم للخصيِّ الأسود أشعاراً أمدح بها الكركدن والشمس المنيرة السوداء وزِق رياح بَطين مِشفرُه نصفهُ وقدماه مشققتان أراهما بنعلين في حين أنهما حافيتان (( أراكَ بنعلٍ غيرَ أنك حافيا )) . تجرأتُ أن أسأله فقلتُ : كيف كانت تصلك رسائل عاشقتك إلى مصرَ ؟ قال إنَّ قبيلتها كانت تترحل في ربوع مناطق كانت تابعة لسلطان مصر وخاضعة لحكم كافور الإخشيدي . وكانت الرسائل تتَرى مع رجال البريد من راكبي الجِمال والخيول السريعة الجري وفرسانها كانوا من التتار والبربر . هل معك شئ من هذه الرسائل يا أبا الطيب ؟ قد واللهِ شوّقتني لسماع ما كنتما تتبادلان من رومانس الهوى العارم من جانبك والهوى والشباب من جانبها. قال ليس معي رسائل مكتوبة على الورق . إني أحفظ الرسائل في صدري حرفاً حرفاً . هل نبدأ الآن ؟ قال دعني قليلاً أستذكر ما حفظتُ في صدري . لكَ ما تريد . ما تشرب أثناء القراءة ؟ لا شئ لا شئ … قال . المشروب يعرّقل عملية الإستذكار . إما المعدة أو الرأس … ضدّان لا يجتمعان .
قال سأقرأ عليك رسالة مني كتبتها لها وختمتها وسلّمتها يداً بيد ٍ لتتاري من خيّالة البريد السريع مع حفنة من النقود الفضية تحمل صورة خليفة بغداد المطيع لله ِ في وجه وصورة أحمد إبن بويه في الوجه الآخر . قبّلَ يدي وقبّل ما أعطيتُ من نقود ثم إمتطى صهوة جواده وطار به يسابق الريح .

يا حبّي /

كيف أنتِ يا حبّي الأوحد وأنتِ البداية وأنتِ النهاية ؟ فيكِ ومعكِ إبتدأتُ وفيك ومعك سأنتهي . كنتُ معك ليلةَ أمس … إلى جانب مفرشك في خيمتك الخاصة … كنتُ أعد ُّ أنفاسك ِ نَفَسا ً نَفَسَا ً … شهيقاً وزفيرا ً … أُرقبكِ كيف تتقلبين وكيف تنقلبين فأقول : حبيبتي قلقة في نومها … حبيبتي تُزيح ُ أغطيتها عنها … حبيبتي ربما تعاني من إرتفاع حرارة ما فوقها من أغطية صوفية ومن جلود الماعيز . أُعيد الأغطية مرّة ً بعد مرّ ة على الجسد / المعبد الأبدي كما قال بعض الشعراء . أَجل ْ ، كنتُ أُراقبُ حبيبتي النائمة ، هل تعلمين ؟ الجمال النائم غير الجمال اليومي المتحرك ، لذا أعجبُ كيف تتنفس حبيبتي نائمة ً وفيها كل حيوية الحياة وطاقاتها الظاهرة والمُختزنة . كيف تدور ذات الشَمال وذات اليمين وتظل نائمة ً غير حاسّة ٍ بوجودي بقربها أتطفّل ُ عليها … أُراقبها … أُحصي أنفاسها … تحدثني نفسي أن أقبّل لُماها وكل مليمتر في وجهها وصدرها الذي أهيم به حبّا ً وغراما ً وسُكرا ً . ما هذا السحر الممدد ُ أمامي ولا أجرؤ على مخاطبته إلاّ في سرّي ؟ لا أستطيع لثمه لئلاّ يستفيق . فيه علّتي ومنه طبّي وأدويتي … هو يمرضني وإنه هو مَن يُعالجني فيُحييني . هو الآول وهو الآخر . هو البداية وفيه النهاية . خسرتكِ وأنت المعجزة ، فهل ستتحقق بعض المعجزات في أن أراكِ يوماً وأن نلتقي بعد أن إعتذرت من عَرض أبيك ورفضتُ مصاهرته بالإقتران بك . كنتُ عنيداً وكنتُ غبياً وكنتُ قصير النظر يا حبّي فهل ستصفحين ؟ أين أنتِ … أين أنتِ … هل تسمعينني ؟ سأغادرك ، أغادر خيمتك قبل شروق الشمس لكني وقبل مغادرتي سأشم ُّ ما في جسدكِ من مخزون قرنفل ِ وبخور ِ وكافور ِ ومِسك وزعفران وعنبر ِ جنّات الخلود . سأتشمم جديلتيك ثم أقوم سريعاً مودِّعاً ، فخيمة زوجكِ منكِ قريبة .

أحسنتَ يا متنبي بهذا الإنشاء الجميل ، قلت لصاحبي معلّقاً . قال ما كان هذا محض ُ إنشاء يا رجل . وإني كما تعلم لستُ كاتباً كالجاحظ أو إبن العميد . قرأت عليك ما بقي في صدري محفوظاً من رسائل رومانس الزمن الغابر وحسب طلبك . إعتذرتُ . قلت حصل سوء فهم يا شاعري العنيف العاشق . قال قد كان ذلك فيما مضى من أعوام . قال بالمناسبة … كانت رسالتي هذه والزيارة الخيالية لخيمة الحبيبة هي موضوع المقدمة الغزلية لقصيدة ( الملك ُ الأُستاذ // مَن الجآذر ُ في زي ِّ الأعاريب ِ ) التي قلتها في مصر عام 346 للهجرة مادحاً بها كافوراً الإخشيدي حيث قلت في جملة ما قلتُ :

كم زورة ٍ لك َ في الأعراب ِ خافية ٍ
أدهى وقد رقدوا من زورة ِ الذيب ِ

أزورهم ْ وسواد ُ الليل ِ يشفع ُ لي
وأنثني وبياض ُ الصبح ِ يُغري بي

حين لم يكن من سبيل للقاء مَن نُحب نلجأ إلى الخيال وعالم الأحلام ونخترع القصص ونمضي أشواطاً في وصف ما لا وجودَ له على الإطلاق. يعوّض الإنسان حرمانه الحقيقي بالتحليق مع أخيلة تخدره ويحسبها تكفيه . الشعر جزء هام من هذه ( الآليات ) الخدّاعة … أضفتُ فقال : أيوه . ( أيوه ؟ ) … تذكّرتُ … قال المتنبي هذه القصيدة يومَ أنْ كان في مصر !! هل تستريح َ قليلاً وتتناول شيئاً من مأكول أو مشروب ؟ قال إي ، هات ما عندك في مطبخك ِ والثلاّجة . نصف ساعة تكفيني لإلتقاط أنفاسي وإعداد جواب صاحبتي على رسالتي هذه التي هدّت حيلي إذ رجعت ُ معها القهقرى إلى سالف الأعوام ووضعت نُصب عيني َّ ندمي على ما إقترفت ُ من غباء وعجرفة وقصر نظر وتطرف ( يساري ) لا مبررَ لها ولا من مسوّغ .

جواب البدوية الحسناء في نومها . ما زالت في خيمتها غاطّة في نوم عميق :

عمري وحبّي / أُحبّك َ

كيف تركتني في خيمتي وحدي وحول خيمتي ضباع ٌ وذئآب ؟ أحبك من أعماق أعماقي يا أيها الشاعر المغرور الذي أعرض عني وقد تعلّقت به طفلة ً صغيرة ً وكان أول وآخر تعلق وحب في حياتي . لا تنخذل ْ مني ومن ترددي فزوجي نائم ٌ بالقرب مني . أُحبُّك َ أُحبُّك َ وأحب حبّك َ لي . لا تقل إني تورطت ُ فيك َ .أنتَ لستَ ورطة أبداً ، أنتَ أجملُ ما في حياتي وقد تفتّحت عليك ساعة أن أنقذتني من ورطتي في تلك البريّة وقد ظعنَ قومي وتركوني وحيدة ً لا مَن يؤاسيني غير الدموع وبعض الشجيرات .
أُحبك أحبك أحبك جداً جداً جداً وإني سعيدة بك جداً يا عمري . هذا الزواج المفروض عليَّ يكاد أن يقتلني إنسانة ً وإمرأة ً . الأماكن كلها محفوظة ٌ لك ستقبّلها كيفما شئت َ وكيفما أردت َ وبأية شروط تحب أنت َ . قبّلني على فمي ولساني وصدري لأني ما زلتُ أُحبّك .
سيّد َ كلماتي وليلي ونهاري … السر العميق الجميل الذي أُخاطبه في لحظات ليلي ونهاري …. أنا ثَمِلة بك ومن حبّك َ لي … ثَمِلة ٌ جدا ً جدا ً بين يديك فإفعل ْ بي ما شئت َ لأني أُحبّك َ من أعماق أعماقي .

أراح المتنبي رأسه على مسند أريكته مُجهداً حقاً يعاني من ظمأ نفساني وضنى ً روحاني لم أعهدهما بهذا العمق فيه . إنه محب وإنه عاشق ومغرم حد َّ الصبابة والولَه . مسكين أبو الطيّب … لم ينسَ تلك الصبية التي أنقذها ذات فجر . يعذ ُّبه ضميره أشد َّ عذاب ويتآكله ندم ٌ جد َّ غريب. أهذا هو حال الرجال حين تهِن عظامُهم ُ وتشتعل ُ رؤوسهم شيبا ؟ ضعيفون ضعيفون حتى أمام ذكريات ماضيهم ؟ ينكصون إلى عهود الصِبا ويتعلقون بأيما خاطفة يخالونها حباً أو شفقة ً أو أملاً خلَّبا ً في شئ إسمه (( حب )) . أيها العُمر، أرذل العمر !! لا أريدك بعد أن رأيتُ اليوم َ ما رأيتُ من أمر صاحبي المتنبي . لا أُطيق طغواك الذي يكبر ويتضخم مع مر ِّ السنين. لا تقوى عظامي على حمل إزرك الثقيل . عظامي فارغة لا كلس ٌ فيها ولا نُخاع . قصب ٌ أجوف جففته الشمس من أهوار جنوب العراق .
أين صاحبي الشاعر والدون جوان وعاشق أعياد الفالنتاين ؟
غاب عني كما عوّدني فصرت ُ أردد بعض شعره من باب تمنّي المفلسين

كم ْ زورة ٍ لك َ في الأعراب ِ خافية ٍ
أدهى ، وقد رقدوا ، من زورة ِ الذيب ِ

أزورهمْ وسوادُ الليل ِ يشفع ُ لي
وأنثني وبياض ُ الصبح ِ يُغري بي

متى سأكتب الحلقة العاشرة ؟ جاءني صوت المتنبي عالياً من كوكب مارس : لا تؤجّل ْ عملَ اليوم للغد !! إبدأ الآن ولا تتأخر ْ . إني سأنتظر أن تفرغ َ منه لتقرأه علي َّ . لا بد َّ سيكتنفه بعض رومانس أو رسائل رومانس … إبدأ ْ ولا تتوان َ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *