الرئيسية » مقالات » العمارة والقرآن

العمارة والقرآن

يثير عنوان هذا الكتاب شيء من الرهبة لدى القارىء, عنوان يفصح في البدء عن خطورته، إضافة إلى أهمية وقدسية مضمونه. عنوان يثير أكثر من تساؤل: ما المقصود ب “العمارة والقرآن” ؟ هل المقصود هو العمارة في القرآن, أم أن العنوان يشير إلى تأثير القرآن على العمارة, ولماذا لم يسبق مفردة القرآن العمارة ؟! أيهما الأساس هنا . . .
وعندما يتنبه القارئ إلى وجود عنوان فرعي للكتاب، أي: “إحياء للنفس والعمران” ومن خلال هذه الجملة، وعلى ضوء معناها يتفهم القارئ مقاصد الكاتب، ويتلمس محتوى الكتاب ومحور البحث قبل تصفحه.
وبذلك يدل العنوان أول ما يدل على أن قراءة القرآن إحياء للنفس وللعمارة والعمران، وإلا ليس للعنوان الرئيسي من معنى. فالعمارة والإنجيل، أو العمارة والتوراة، وكذلك العمارة والقرآن تبدو جميعاً عناوين ليست ذات معنى بقدر ما هي إعلانات مشوقة لخطابات مقدسة، ما لم تتضمن الأبحاث المعنونة بها عمقا معرفياً وبعدا علمياً توافق العنوان، تدعمه وتفسره في المحصلة.
هذا الكتاب بعنوانه الإشكالي منذ البدء، والذي قام بكتابته وتأليفه الأستاذ الدكتور المهندس محي الدين خطيب سلقيني، توزع على أربعة فصول ونتائج وخاتمة البحث. فهو من حيث الشكل وتوزع الفصول وتنوع وتسلسل الفقرات كتاب علمي. ولكن بعد قراءة النص وتجاوز أرقام الفقرات، نجد أننا قد انتقلنا ليس من موضوع الى آخر مختلف، وإنما من حقل معرفي إلى آخر، من عالم إلى عالم مختلف تماماً، وأحيانا لكل فقرة موضع مغاير ليس له علاقة مباشرة مع الفقرة التي تلتها أو التي سبقتها، وبالتالي يصعب إيجاد مكان واضح ومحدد لمجمل الأفكار الواردة في الكتاب سواء ضمن علوم العمارة والعمران أو فنون البناء والتشييد التقليدية.
الفصل الأول المعنون بآيات قوى الخلق، يتضمن فقرات: النور, الظل, الماء، الريح.
ينطلق الأستاذ الباحث في أول الكتاب من مقولة: “إن قوى الخلق هي الحلقة الأولى للفصول المطروحة والمتضامنة معاً, وحي للإعمار البيئي والنفسي. وتمتلك هذه القوى خاصية التغلغل الكوني الشامل تسبيحاً . . . ” ص 15
النور: وأشرقت الأرض بنور ربها.
الظل, الماء, الريح، لكل واحد من هذه العناصر جملة من الآيات القرآنية لتفسير أهمية إدراجها ضمن مكونات العمارة وحياً وإيحاءاً, يستشهد بها الكاتب على أن لها جميعاً تأثير مباشر على طابع العمارة وشكل العمران.
في الصفحات الأولى يبدو نص الكتاب موزع بشكل متخصص وممنهج بصيغة جديدة, يبدو للقارئ أن وراء هذا التصنيف ومنهج المعالجة اكتشاف مثير ليس في تأليف الكتب فحسب، وإنما في صياغة وترتيب الأبحاث العلمية, وثمة مؤشرات أولية على اكتشاف باهر لربط ما هو روحاني ضمن النص القرآني بالحياة العمرانية للمجتمعات وربما بتاريخ العمارة وفنونها.
ولكن ومع تتابع الفقرات والصفحات وتداخلها يكتشف القارىء أنه ينتقل من حالة التباس الى أخرى ومن مناخات تتسم بطغيان العواطف والهواجس الشخصية، وبالتالي يجد القارئ نفسه أمام نصوص وأفكار متشابكة تحاكي بعضها البعض، وتستنقذ أفكارها ومضامينها بآيات من الذكر الحكيم، للتأكيد على فكرة وإثبات افتراض، ولكن بإسناد علمي ضعيف وشحنات روحية وعاطفية عالية.
فالكتاب يتجه الى خارج موضوعه والباحث يبحث عن مالا يجده بسهولة, يبحث خارج ما هو في متناول أدواته المعرفية، وبالتالي خارج حقل المعارف العلمية, فيجهد النص ويحرفه للانتقال الى عوالم أخرى, تأتي هذه العوالم بإشكاليات جديدة للبحث والكتاب ولذهن القارىء, هذا القارىء الذي قد لا يوافق الكاتب هواجسه وتصوراته وتخيلاته وكذلك الدلالات الحسية والروحية لنظرته الخاصة إلى المنتج والشكل المعماريين.
في الفصل الثاني المعنون: بآيات الوجود والمتفرع الى الفقرات الرئيسية التالية:
الخلق, التسوية, إنشاء, إعمار وبنيان, زينة.
يعود الباحث ليشير الى عالم القرآن الضوئي ويعتبر ذلك تكوين فني لوجود متنوع الإيقاع.
كما يؤكد في الوقت نفسه على أن العالم القرآني هو مفردات الكون والإنسان . . .
المرايا النابضة بوقائع وقوى من الخلق المبين, يتكامل للوظيفة والمتانة والجمال ويضيف أيضاً: “في هذا الفصل نتأمل الوجود وكيف ينمو نظماً في أفلاك الذرات والخلايا والأجسام, خلائق تسبح نشوى بوجودها الجميل… خلق هو الآيات تنبض لعمران يتكون من هذه الإيقاعات جميعاً وهي تنسج للتناسب والتوازن والقوة والجمال” ص69
إن وجود مقدمة للفصل الثاني ومن ثم تمهيد آخر يمهد لأفكار جديدة وهكذا, ومن خلال منهجية الكتاب تلك وطريقة معالجة الموضوعات والفرضيات يظهر جلياً الاضطراب الفكري الذي يرافق مجمل البحث، ويفصح كل ذلك عن أن الكاتب يريد أن يكتشف شيء ما ويريد أن يربط بشكل مقنع وموضوعي بين أفكاره الهندسية وبين نصوص القرآن الكريم إلا أن الفكرة تفر من بين يديه أو لا تجد ما يسندها نظرياً. يود الباحث أن يربط بين فكرة الخلق الواردة في النص القرآني والإنشاء الذي يقوم به الإنسان, دون الإستعانة بأي منهج أو كتاب متداول لتفسير القرآن الكريم, فإجتهاداته بعيدة عن علوم تفسير القرآن، لذلك يربط الآيات القرآنية بالعمارة وفنونها والإعمار خارج نسق علوم التفسير والقرآن، وكأنه يغرد خارج السرب من جهة، ويحاول صياغة رؤيا روحانية جديدة تنظر للعمارة كمفهوم وكظاهرة فيزيائية خاصة من نتاج الإنسان من جهة أخرى.
ويخترع لهذا الإضطراب في مجال البحث جداولاً كما في الصفحة (73) من الكتاب, حيث يضع جدولاً لمراحل الوجود وأصدائها على إبداع الإنسان في مجال العمارة ومناحي الإنتاج الأخرى.
كما يدخل قسراً في الصفحة (75) الحياة الزوجية باعتباره خلقاً واستقراراً، ويستطرد للحديث مطولاً في مجال العلاقات الحميمة الإنسانية والجو المرهف بين الذكر والأنثى, ويلملم أخيراً استطراداته في نتائج أولية للفصل الثاني: “مع إيقاعات الخلق تسري فلسفة للبناء في دمائنا والأعصاب, فتتساقط القشور, ونقف عند شواطىء البقاء الأزلي خاشعين, نردد بأمواج التسبيح الرجاء والحب. ونستمر نشيداً لله. تقابلات إيقاعية بين دائرة الإنسان المحدودة والله” ص78.
وعند متابعة الحديث حول إنشاء الإنسان وخلقه يتعمق في شكل الخلايا الحية وتناظرها مع أشكال معمارية خاصة ومميزة، ويستشهد بصور للزهور والقواقع والجماجم، في الصفحة رقم 90 من الكتاب.
وكذلك يشير الى بعض الأسقف المعمارية الخفيفة كإنشاء مشابه للغيوم في الصفحة رقم93.
ويمر على فكرة إنشاء الزمن وينحرف قليلاً إلى زمن العبادات والتسبيح والتكرار ويشطح ليقول: “للزمن إنشاؤه وتجاوباته مع كل الإنشاءات الأخرى, بما فيها الزمن المعماري الذي يمكن أن يفيض بحركة الدفء الضوئي وبحركة الظلال والسجود. فيتحول المبنى والمدينة والفراغات لساعة زمنية, تجول قصائدها في الأزمان. زهرة تحمل أشرعتها الرائعة من كل الطعوم والألوان والإيقاعات” ص 96.
يعالج الكتاب في الفصل الثالث موضوع الحيز المعماري والعمراني في الآيات القرآنية, وبخاصة المفردات المتفرعة عن العنوان الرئيسي: كالسكن, المأوى, الملجأ, الدار, المنزل, العمران. ويستشهد بهذه المفردات عند ورودها في النص القرآني بالمعنى المجازي أيضاً, لذلك يستدرك القول بأن المكان هو آية للعيش تتجاوز المدى المادي لتصل للظلال النفسية أيضاً: “وبذلك يتحول المكان في المفهوم القرآني لمحطات من النور تزدحم بإيقاعات شتى يظللها جميعاً الحب الإلهي العميم” ص 119.
وبعد عدة أسطر يؤكد الباحث بأن الحيز: لقاء من المادة والبيئة, في الدنيا والآخرة. ومن ثم يبين لاحقاً المعنى الكوني للحيز في الآيات: “وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم” 13/ الأنعام ، ص 125
ويختم هذا الفصل بعنوان فرعي: “عبر ونتائج”، وهي غير واضحة، مستنداً إلى آيات قرآنية كريمة مثل: “اصنع الفلك بأعيننا ووحينا – 27/ المؤمنون” . وكذلك يدرج الباحث في الكتاب صور فوتوغرافية تجسد لقاء البيت بالخضرة والبيئة ومن ضمنها صورة لمنزل ياباني!
أما الفصل الرابع والأخير من الكتاب فهو مخصص لمعالجة موضوع بناء النص القرآني من الداخل على اعتباره “وحي لتكوين الإنسان والعمران . . . بكل أبعاده” .
الفصل الرابع موزع على فقرات متعددة وبتسميات متنوعة: ( تفتحات, بدايات, استمرار التفتحات, بناء الآيات . . .) وفي كلها يجتهد الباحث للكشف عن بنى وإيقاعات داخلية, حسابية ورقمية, نسب وتناسب داخل منظومة الكلمات والأحرف المشكلة لآيات متعددة من القرآن الكريم، مما يحرف النص نحو موضوع سبق وأن تم معالجته في أكثر من كتاب ومن قبل أكثر من باحث ومجتهد، وإن بطرائق ومناهج مختلفة. والجديد الذي أضافه الكاتب هنا هو البحث عن الإيقاعات والنهايات والنسب من منظور معماري وتركيزه على مفهوم إيقاع الحوار والإيقاع الحواري كهيكل جذري وواسع الامتدادات في بناء النص القرآني، ترتيلاً ووحياً للأعمار، وتحديده بجرأة أطراف الحوار: الله – الإنسان – الكون.
وطور الفكرة بوضعه جدولاً لأنواع ومواضيع الحوار القرآني وأصداؤها في العمران. كما يستشهد بصور معمارية فوتوغرافية لبيان هذا التضاد الحواري المفترض وإنعكاسه في العمارة، ومنها صورة لمنزل جبلي شهير قام بتصميمه المعمار فرانك لويد رايت, إضافة لصورة لمنزل آخر من كاليفورنيا في الصفحة رقم 162.
ويلخص الكاتب بعضاً من أفكاره وطروحاته الذي عرضها في متن الكتاب ضمن هذا الفصل:
“إن في لغة الرسم والشعر والعمارة مقارنات إيقاعية مع أصداء الآيات. فإحساس لقاءات الثقل والخفة، الرضى والتوتر تتحقق عبر تنوع الألوان والملابس والاتجاهات فيهما. إن كل آية حوار تحمل في جوانحها وقعاً عميقاً للمعنى والجمال والانتباه, وإذا ما كان المعمار يستطيع أن يجعل أجزاء من بناء تطفو, وأخرى تثاقل في الأرض, ويجعل من توازناته صوتاً لبعض اللقلق وآخر للرضى, فإن ذلك من وحي هذه الأصوات الإلهية الهادرة بين الكلمات حواراً” ص 179.
كما يتابع الباحث ويجتهد لوضع منطلقات وافتراضات لحسن الإعمار, ويركز ويلخص بعض من حصيلة النتائج في: التوازن, التقوى, التسبيح, الجمال, الحب والأعمار، وأخيراً يفصح عن الأمل والإبداع ويسرد عدة جمل كوصايا على دروب الإبداع.
“زرع بذور الجمال عبادة, والإنسان هو القادر على المشاركة الواعية في هذا العزف الكوني الشجي . . .
والأرض وتر مشدود ما بين السماء والبحار, وتر رائع ينتظر عزف الإنسان الخاشع المبدع.”
وأخيرا يمكن القول بأن الكتاب اتسم بجملة من الإشكاليات البحثية والمنهجية أهمها الخلط والاختلاط، فهنالك خلط في المحاور, كما تبدو المنهجية مضطربة غير مستقرة وغير واضحة، حيث نتج عن ذلك تشعب كبير في المواضيع المطروقة، وأحياناً الخلط بين المبنى والمعنى، فالدلالات عند الكاتب طابعها فيزيائي حسي في حين أنها غير ذلك في النص القرآني، فالنور على سبيل المثال في الآيات القرآنية يختلف عن الضوء, وله مدلول معنوي صرف: ربما الهداية, الإيمان بالإسلام وحب الله تعالى, أما عند الكاتب فالنور هو الضوء الذي يلقي بظلاله الدافئة هنا وهناك, وينفذ من هذه المشربية أو تلك النافذة.
كما تم الخلط بين ما هو فيزيائي حسي وما هو روحاني وإيماني.
لقد سعى الباحث لمعالجة قضايا كونية من منظار معماري, وحاول تقديم حلول معمارية لكن بلغة صوفية.
إن كتاب العمارة والقرآن يندرج اليوم ضمن المحاولات الحثيثة لقراءة جديدة ومختلفة لقضايا معاصرة لم تأخذ حقها من التنظير والبحث، ومنها موضوعات العمران والعمارة وعلاقتها بالإنسان والكون، وبالتالي هو جهد علمي بالأساس ولكن بأدوات ومنهجية روحانية غير مألوفة، منهجية لم تمتلك أدواتها بعد. فالموضوع فيزيائي حسي بصري لكن يتم شرحه وتحليله بالميتافيزياء والرؤى الشاعرية الخاصة . . .
إن هذا الجهد الكبير الذي قام به الأستاذ الدكتور محي الدين سلقيني ليقرأ به ومن خلاله العمارة في ظلال القرآن, وكذلك القرآن بلغة البصر والإنشاء، وبالتالي بالأدوات البصرية والحسية المعمارية خارج كل ما هو متعارف عليه من علوم القرآن وعلوم الهندسة الإنشائية ومناهج النقد المعماري ونظرياته، فقراءته لم تنضج بعد، ولم تكن قادرة تماما على فك رموزها الداخلية المعقدة.
فالكتاب برمته أقرب الى المغامرة والمجازفة العلمية والشطحة الصوفية منها الى مناهج البحث العلمي. فهل وفق الكاتب؟ سؤال أيضاً يقع خارج المعايير المألوفة لتقيم وقراءة الأبحاث العلمية، ومن الصعب الإجابة عليه بهذه السرعة.
لكن من الواضح أن ولادة هذا الكتاب على يد باحث وأستاذ جامعي (خريج الاتحاد السوفياني السابق) يأتي في سياق مخاض مبهم، ويترافق مع تنامي أزمة فكرية وحضارية تبدو من خلالها إضطراب العلاقة بين مناهج البحث العلمي والفلسفة والإيديولوجيا الدينية, وهي أحد التعابير عن البحث المضطرب لعنوان المرحلة. فالكتاب مؤشر على البحث عن “إعلان” إيديولوجي جديد يفضي الى مخرج من القضايا العلمية المعقدة والإشكالية، قبل القضايا العامة الأخرى. فنحن إزاء إعلان جديد عن وجود أزمة في البحث العلمي, هذا البحث الذي يبدو غير قادراً – هنا وفي هذه الحالة المشخصة – على أن يقف على رجليه في الأرض دون النظر بقلق وشوق إلى السماء واللجوء الى الآية الكريمة: “وأشرقت الأرض بنور ربها” لتضيء الطريق لمناهج البحث عن عمارة تخدم الإنسان وتوفر له السكينة والسعادة على الأرض.
ــــــــــ
الكتاب: العمارة والقرآن.
المؤلف: أ.د. محي الدين خطيب سلقيني.
– دار شعاع، حلب – 2006
– عدد الصفحات: 214