الرئيسية » مقالات » هل يلجم التهديد بالاجتياح حقوق القوميات والأقليات في تركيا ؟

هل يلجم التهديد بالاجتياح حقوق القوميات والأقليات في تركيا ؟

ثمة من يعتقد أن الموقف السياسي التركي المقترن بالموقف العسكري من أجل حماية الوطن التركي من التقسيم أو الإرهاب ، وثمة من يعتقد أن الدولة التركية يجب إن تقوم بتثبيت هيبتها وسيطرتها الكاملة على كل أجزاء تركيا ، وان لاتعطي مجالا لأية جهة أن تلوي ذراعها .

وثمة من يعتقد أن من حق المؤسسة العسكرية التركية أن تتصدى لكل التنظيمات المسلحة (( الإرهابية منها وغير الإرهابية )) ، حيث لاسيادة لغير الجيش التركي فوق الأراضي التركية ، ولا مجال لحمل السلاح الا بموافقة القانون والجيش التركي .

ويغيب عن بال جميع هؤلاء حقوق القوميات والأقليات التي تتشكل منها الأمة التركية ، وفي زمن صار فيه الأقرار بتلك الحقوق الفيصل الأرأس بين من يعتقد بحقوق الإنسان ، وبين من يستخف بتلك الحقوق ، وبين من يعتقد بوجود تلك الأقليات والقوميات وبين من يعتقد أنها انصهرت ضمن المجتمع القومي .

وإذا كانت الشرائع السماوية والقوانين والمعاهدات الدولية ولوائح حقوق الإنسان تمنح الحق لتلك القوميات والأقليات ، ضمن الأطر التي يصار الى الاتفاق عليها ، بل وتساند تلك الحقوق وتسعى في سبيل أقرارها والتوصل الى تجسيد أطار دستوري وقانوني لتلك الحقوق ، فأن عصرا حديثا يوجب الأقرار بتلك الحقوق ومعالجة ترسيمها دستوريا وقانونيا بالطرق السلمية والإنسانية .

ويمكن أن تكون المشكلة الكردية في تركيا من المشاكل العصية على القيادة التركية ، التي لم تستوعب مطلقا حقوق القوميات والأقليات ولا تعترف بها ، ولكن لماذا لاتسأل هذه القيادة نفسها عن الأسباب العميقة التي تدفع بالمواطن الكردي في تركيا للقتال حتى الموت ؟ وماهي أسباب هذا الإصرار على المواجهة التي بدأت مسلحة ومن ثم جنح حزب العمال الى طرح مسألة الحوار والمداولة والتباحث من أجل التوصل الى حلول مشتركة تفيد الطرفين ، ووجد إن تلك الطريق تحقن دماء الطرفين ، وتوصل حتما الى القواسم المشتركة لإنهاء حالة النزاع والاختلاف في مسألة الحقوق بطرق لايخسر فيها الإنسان حياته .

أن إضفاء توصيف الإرهاب على الجهات التي تقاتل من أجل حقوقها المشروعة ، أصبحت مسألة تتعلق بالمصالح الدولية والمزاج السياسي ، وحري بالقيادة التركية أن تجنح للسلام وتسعى لتبادل الثقة مع تلك المجموعة البشرية التي لاتقل عن 20 مليون أنسان ، يتم تهمشيهم والاستخفاف بحقوقهم تحت مرأى ومسمع العالم ، وحري بالقيادة التركية أن تحقن دماء أبنائها سواء من الأتراك أو من الأكراد ، وأن تعمل على وقف العمليات المسلحة التي يقابلها موقف ساع الى تهدئة الحال من الجانب الأخر ، وان يتم استغلال هذا الجنوح الى السلام وتوظيفه من اجل إنهاء حزمة من المشاكل التي تعصف بحياة تركيا .

ويقينا أن استعراض العضلات واستغلال الزمن الرخو للدخول في الحدود العراقية وانتهاك السيادة العراقية لن يجدي نفعا ، ولن يحل مشكلة الحقوق التركية ، ولن يدفع الكرد الى موقف المتنازل عن الحقوق أو المتخلي عنها ، كما أن قصف القرى الكردية المدنية في أقليم كردستان في العراق انتهاكا صارخا واعتداءا كبيرا على تلك المجموعات البشرية التي تسكن تلك القرى الفقيرة والبائسة والآمنة ، ويؤشر علامة سلبية في سجل تركيا الذي بدأ يمتلأ بمثل هذه الحماقات .

أن حماية الوطن التركي من التجزئة لاتتعارض مع مسألة الإقرار بالحقوق ، كما أن هيبة الدولة التركية تكون بالتطبيق المتساوي للدستور والقوانين على كل المواطنين ، دون أن تتعكز الدولة على تقسيم الناس الى درجات ، فقد مضى زمن الدرجات وحل زمان حقوق الإنسان ، كما أن لي الأذرع لايكون بمحاصرة صاحب الحق أو من يعتقد إن له الحق ، إنما يكون بمناقشته والتوصل معه الى مفاهيم تخدم المستقبل والإنسان .

أن تلك التوصيفات التي يتم أطلاقها على تلك المجموعة البشرية ونعتها بالإرهاب لايحل القضية ولايوقف سبل المطالبة بحقوق الأكراد في تركيا ، كما أن الساسة الأتراك يدركون قبل غيرهم أن جميع تلك الأساليب المتبعة في الفصل بين الأكراد لن تنتج مطلقا فصلا حقيقيا ، لأنهم متأكدين تماما أن شعب كردستان شعب واحد جزأته الظروف والمعاهدات والأحلاف الدولية ، وهذا التوحد يتشابه مع سعي جميع الشعوب والقوميات في الأرض أن تتوحد وتلم شظاياها المتناثرة ، ويمكن أن يكون العراق عبرة وصورة لما حدث في التأريخ الحديث عن مسألة حقوق الأكراد .

فقد سبقتهم الحكومات العربية الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق ، فوصفت الأكراد بالعملاء والانفصاليين والجيب العميل والخونة والإرهابيين وسلسلة طويلة من الألفاظ التي يطلقها الحكام والتي لاتمت للحقيقة والمنطق بصلة ، فقد كان شعب كردستان في العراق يقاتل من أجل حقه المشروع وحقوقه المستلبة ، وكان يقدم التضحيات والخسائر الكبيرة في سبيل تلك الأهداف السامية ، ولم يتوقف بالرغم من كل تلك المعارك التي خاضها ضد اكبر ترسانة عسكرية في المنطقة ، متحملا كل أساليب العقل الشوفيني وكوارث الأسلحة الكيمياوية والبايلوجية ، بالإضافة الى عمليات تخريب القرى وحرق المزارع وإتلاف الغابات والطبيعة وعيون المياه ، وعلينا اليوم أن نسأل عما صار اليه حال تلك الحكومات ؟ وأين انتهى هؤلاء الحكام ؟ وهل لم يزل هناك شعب كردستان ؟

وإذ يعيد التأريخ نفسه مع الدولة التركية ، وإذ تعود عقارب الزمن حيث يعتقد الساسة الأتراك أن سياسة رد الفعل ستنتج أثرا يحمي المستقبل التركي ، وهي بهذه السياسة الهوجاء لن تستطيع تحقيق الحاجز العازل بين الكرد ، كما لن تستطيع أن تلجم الأفواه المطالبة بالحقوق ، لأن المسألة لاتتعلق بحزب العمال أو قيادته السياسية ولا بشخص عبد الله أوجلان المحتجز في جزيرة أومرلي ، حيث أن الأمر يتعلق بقضية شعب ينبغي أن يتم النظر لها بمنظار عاقل وحكيم .

ومهما كان توصيف السيد عبد الله اوردغان الذي نتوسم فيه أن لاينزلق الى مهاوي الشوفينية المقيتة للأحزاب المعارضة من الكرد ، فانه لن يستطيع مطلقا أن يلغي هذه المطالبة من قاموس الشعوب ، وسيخسر التاريخ الأنساني حين يكسب إطراء الساسة والعسكر ، فلا الهجوم المسلح ينهي المشكلة ، ولا أختراق حدود الجار الجنوبي يضع لها حدا ، وإذا لم تتمكن الدولة العراقية في ظل ظروف الاحتلال أن تحمي حدودها ، فأن الاستهجان الدولي المقترن بسخط الشعوب والمنظمات الإنسانية سيكون من حصة تركيا وساستها .

ويعرف السيد اوردغان ومعه كل الساسة الأتراك عدم صحة المزاعم التي تقول أن عناصر حزب العمال يتخذون من أراضي إقليم كردستان العراق نقاط تجمع وقواعد لشن الهجمات ، لأن الجبال المنتشرة في المنطقة لايمكن ضبطها أو تحديد من يتجاوزها ، كما أن الأقليم صرح وبشكل علني عدم دقة تلك المعلومات ، مما يسقط تلك الحجج والذرائع .

أن حالة الاستنفار وتجييش العسكر لن يدوم الى الأبد ، ولن تستطيع تركيا أن تؤجل سعيها لمستقبل تركي يليق بموقعها واقتصادها في سبيل قمع تلك الأصوات المطالبة بالحقوق ، ولن تكون تركية قوية الا بتوفير تلك الحقوق لأبناء شعبها ، ومن لايقر بحقوق القوميات والأقليات يكون ضعيفا وغير صادق مع نفسه ، ومن يريد تغليب قومية على أخرى بسعي شوفيني تحت شعارات الوطن ووحدة الأمة سيكتب له الفشل ، وسينتج أضرارا كبيرة على المستقبل التركي .

وعلى الساسة الأتراك أن لايستخفون بالمجتمع الدولي والانتقادات التي يوجهها هذا المجتمع ، ويتم بناء العلاقات السياسية مع تركيا على أساسها .

وعلى أوردغان أن يحصل على تفويض من شعبه في حل إشكاليات العلاقة بين السلطة وبين تلك القوميات ، قبل أن يستحصل على تفويض من البرلمان التركي باجتياح الحدود العراقية من إقليم كردستان العراق ، وأن لاتخسر تركيا العراق وعلاقات تركيا بأقليم كردستان ، لأن أعمال العقل والتطبيق الحكيم في قضية حقوق الأقليات والقوميات ما يتناقض مع تلك الأساليب ، كما عليها أن تسعى الى تهدئة الحال وإيجاد سبل وطرق أكثر عقلانية وإنسانية من قضية الاجتياح ، وأن لاتعتمد على الاتفاقيات الثنائية بينها وبين الحكومات في سبيل القضاء على تلك الحقوق ، وأمامها ستجد أن اتفاقيتها مع الدكتاتور العراقي المشنوق صدام في حقها باجتياح الحدود العراقية لملاحقة الأكراد لم تقضي على الحق ولا المطالبة به .

وبعيدا عن الانفعال والمواقف المتشنجة سيجد السيد أوردغان أن مستقبل الإنسان في تركيا يتشكل من خلال المحافظة على الدماء وحقنها ، ويكون من خلال احترام آدمية الإنسان بصرف النظر عن قوميته ، و من خلال الأقرار بحقوق القوميات ، وأن منطق العنف ورد الفعل والقسوة واستغلال الظروف لن يحل المشكلة التركية المزمنة مالم تلوح أشارات العقل في المواقف من أجل مستقبل الإنسان في تركيا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *