الرئيسية » مقالات » الأسد في تركيا : سر الزيارة في توقيتها

الأسد في تركيا : سر الزيارة في توقيتها

قد يعتبر الرئيس السوري التصعيد التركي الأخير ضد العراق وكردها الى درجة التهديد بالاجتياح العسكري – هبة – سماوية لم يكن يحلم بها وفرصة سانحة لاتقبل التأجيل للتوجه الى أنقرة بغية استثمار الحدث وصب المزيد من الزيت على نار الشوفينية العنصرية التي تتأجج في نفوس وأجندة أنظمة الاستبداد في الدول التي تقتسم الشعب الكردي ومن ثم – وكما يشي بذلك لسان حاله – الاقدام على ابرام صفقة بمقايضة موقفه المؤيد للغزو العسكري التركي باتجاه الأراضي العراقية عبر كردستان بطلبات تتعلق بالحد من عزلة نظامه الاقليمية والدولية وانقاذ رأسه عبر توسط تركيا لمصالحة – ذليلة – مع اسرائيل وتنازلات أذل للولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصورة عامة .
تتم الزيارة الرسمية لرأس النظام السوري وهو يجتاز ظروفا داخلية واقليمية عسيرة من عناوينها الرفض الشعبي السوري العام عبر السبل الممكنة والمتوفرة للقوى الوطنية والمعارضة الديموقراطية لتسلط نظام الاستبداد وسياساته المغامرة التي حولت سورية الى سجن كبير تنتهك فيه حقوق السوريين من عرب وكرد وأوصلت البلاد الى عزلة خانقة ووضعت مقدرات البلاد في خدمة المحور الايراني وبالضد من مصالح شعوب لبنان والعراق وفلسطين وفي صف قوى الردة الأصولية والارهاب الى درجة وصول النظام الحاكم ورغم كل عسكره وأجهزة مخابراته الى حالة لايحسد عليها من الارتباك من اقتراب موعد المحكمة الدولية بشأن اغتيال الرئيس الحريري والاجماع الدولي في تأمين الاستحقاق الرئاسي رغما عن مخططاته المشبوهة في اثارة الفتنة وتنفيذ الاغتيالات وانكشاف شعاراته الممانعة الزائفة بعد الهجمات الاسرائيلية الجوية التي لم تستطع أجهزة النظام معرفة ما جرى وحجب ما كشف عن مسامع ومرأى الشعب السوري وهو آخر من يعلم ما يحدث في وطنه وفي ظل هذا الوضع المتردي يتوجه مهرولا نحو من وافق لهم بالعشرة على ضم لواء الاسكندرون السوري وتعهد بحفظ أمنهم وخدمة مصالحهم في اتفاقية أضنة المذلة ليستجدي منهم الايفاء بجزء من الجميل والمساعدة والتوسط لضمان أمن نظامه الآيل للسقوط , ان ما يصدر عن هذا النظام الآن وما صدر عن سلفه من قبل من ممارسات مسيئة وأفعال مؤذية وانحرافات ضد مصالح الشعب السوري وقضايا الحرية والحق في المنطقة ليس بالأمر المفاجىء .
فمن السهل على نظام السلف والخلف التغريد خارج السرب بمعزل عن محيطه وعلى النقيض من الاجماع العربي والانخراط في محاور مع أنظمة استبدادية أخرى مثل نظامي ايران وتركيا اذا اقتضت مصالحه الخاصة ذلك أولم يسلك السلف درب الارتزاق على أبواب طهران عقودا واستثمار – ثورة – الخميني لفرض الخوة على بلدان الخليج ودعم احتلال جزرها ؟ ألم يسر الخلف على خطى السلف وعلى الدرب ذاته وضمن نفس المحور ؟ ألم يؤيد الخلف – كأول نظام في العالم – الاجتياح العسكري التركي لأراضي العراق ؟
ألم ينتهك السلف ومن بعده الخلف سيادة الشقيقة لبنان بغزوه واحتلاله بموافقة اسرائيلية مقابل ثمن معلوم باهظ على حساب الحركة الوطني اللبنانية والمقاومة الفلسطينية واغتيال قائده الوطني كمال جنبلاط والهيمنة عليه وزرع الفتنة الطائفية في ربوعه واصطياد رموزه الوطنية واحدا بعد آخر بما فيهم رفيق الحريري وجورج حاوي ؟ ألم يدمر السلف مخيمات صبرا وشاتيلا ويشق الصف الفلسطيني ويضرب منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ؟ ألم يسلك الخلف الطريق ذاته في استغلال حركة حماس ودفعها نحو نسف اتفاقية مكة للمصالحة الوطنية والقيام بالحركة الانقلابية الدموية في غزة ؟
ألم يكمل الخلف ما بدأه السلف في ركوب الموجة المذهبية في المنطقة وخاصة في لبنان والعراق ؟ ألم يتحول كأحد مصادر الارهاب والتفجير والمفخخات في استهداف العراقيين خدمة لمصلحة بقائه ؟
نظام بهذا التاريخ وبهذه المواصفات وبهذه الطبيعة يمكن أن يسلك أي طريق ويتزين بأي لون ويختبىء في أية لبوس ويتغنى بأي شعار خاصة وأنه يشعر كمن يعيش اليوم وكأنه يموت غدا …
من الواضح أن تلاقي نظامي سورية وتركيا في المرحلة الراهنة حول جملة من المبادىء والمواقف السياسية ليس لقاء الأضداد حسب ادعاء أبواق الأصوليين الذين ينتظرون بفارغ الصبر – فتوحات – رفاقهم ! بل يعبر بجلاء عن مشهد الأصولية الجديدة التي تتنامى في بعض المواقع بين طرفيها الاسلامي السياسي والقومي العنصري حسب مقتضيات حاجاتهما من أجل البقاء ومواجهة ما يهددهما من حقائق ومستجدات وفي المقدمة العملية السياسية الديموقراطية الجارية في العراق بعد سقوط الدكتاتورية والانجاز الذي تحقق بفضل التوافق في المصالح بين الداخل والخارج والنجاح في حل المسألة الكردية بالأسلوب الفدرالي واحتمال تجسيده نموذجا نافعا في حل القضايا القومية في بلدان المنطقة في اطار الاتحاد والتوافق وظهور العراق الفدرالي الجديد كأول وليد لعملية التغيير الديموقراطي المنشود في المنطقة وقد كنا نسمع منذ حين أصواتا من مجموعات أصولية شوفينية مثل – المؤتمر القومي العربي والقومي الا سلامي – تدعو تركيا صراحة ومواربة الى التدخل في العراق من أجل منع قيام دولة كردية حسب زعمها ومن هنا لايمكن تفسير الاندفاع التركي باتجاه الاجتياح العسكري للأراضي العراقية عبر كردستان والتأييد السوري العلني لذلك والموافقة الايرانية الضمنية الا في اطار محاولة التصدي للانجاز العراقي في التغيير واعادة عقارب الساعة الى الوراء وتصفية المكاسب والانجازات لذلك فان ما يجري على الحدود التركية – الكردستانية العراقية لايقتصر على ادعاءات حكام أنقرة حول ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني بل يطال مختلف جوانب الصراع الدائر في المنطقة والعالم بين التغيير الديموقراطي والاستبداد وبين الاستقرار المجتمعي والارهاب وبين الحرية والتقدم والأصولية والظلامية وبين حرية الشعوب والعبودية والاضطهاد وبين حقوق المرأة واستعبادها وبين حقوق الانسان وانتهاكها وبين السلم المجتمعي والحرب الأهلية وبين الاتحاد والتوافق والعنصرية والصراع المذهبي وهذا ما يتأكد من ردود الفعل المحلية والاقليمية والدولية على النوايا العدوانية التركية تجاه العراق وكردستانه والاصطفاف العالمي الناشىء في مواجهة المعتدين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *