الرئيسية » بيستون » الكورد الفيليين: المأساة المزدوجة

الكورد الفيليين: المأساة المزدوجة

الكورد الفيليون جزءٌ أصيل من الشعب الكوردي ، وجلهم يعتنق (المذهب الشيعي ). يذهب المؤرخين بآرائهم حول تسمية الفيليين إلى أن كلمة (فيلي) هي اسم لسلالة حاكمة وجدت في المنطقة وتعاقب على حكمها (12) ملكاً بدءاً بالملك العيلامي (بيلي – 220 ق . م ) ، وأما عن دلالات كلمة (فيلي) فيذكر البعض على أنها تعني العاصي أو المتمرد أو بالأحرى الثوري ، كما تعني الفدائي أو الشجاع أيضا”. يمتد موطن سكناهم بين العراق وإيران ، فهم يقطنون في إيران جنوب كرمنشاه وشمال ديزفول على امتداد جبال زاكروس في ايران، وفي العراق يعيشون في وسطه وجنوبه مثل مناطق : مندلي ، زرباطية ، بدرة ، جصان ، بلدروز ،السعدية ، جلولاء ، خانقين ، ديالى ، كركوك و بغداد، وغيرها من المدن والقصبات. كما يقدر تعدادهم السكاني بين مليون والنصف إلى مليوني نسمة تقريباً.

للكورد الفيليين تاريخ مليء بالمآسي والويلات ، حيث عانوا من آثار الصراع الطويل بين الدولة العثمانية والفارسية ، وقد اختار العديد منهم (ومن العرب أيضا) الجنسية الإيرانية للتخلص من الخدمة العسكرية ضمن الجيش التركي. تكرر ذلك في التاريخ الحديث إبان الحرب العراقية الإيرانية أيضاً حيث هرب العديد منهم إلى إيران للتخلص من الالتحاق الإلزامي بالجيش العراقي وهو ما جعل الفيليين في العراق يدفعون ضريبة ثقيلة.

لقد حمل الفيليون دوما عبء موقعهم الجغرافي القلق بين العراق وإيران ، حيث تشتت العائلة الواحدة والعشيرة الواحدة جراء المشكلات السياسية على جانبي حدود هاتين الدولتين، وقد واجهوا محاولات طمس الهوية على جانبي الحدود أيضا، وهم يعانون في ايران كما في العراق و لازال إلى يومنا هذهِ في إيران من يعتبرونهم من البدو! و في العراق من يعدهم فرسا !! هذا الوضع المعقد قاد إلى حرمان الفيليين من أبسط حقوقهم كتقلد مناصب في الدولة على سبيل المثال كذلك عدد كبير منهم نزعت منه الجنسية العراقية .

معظم المراقبين يتفقون على أن الفترة السوداء في تاريخ الكورد الفيليين هي منذ عام 1970 وحتى عام 1988 ، حيث أقدم النظام العراقي البائد إلى ممارسة شتى صنوف الاضطهاد والجرائم الدولية ، كتهجير وإخفاء الآلاف منهم ، وذنبهم في هذا أنهم أكراد القومية وشيعيي المذهب . ويذكر الباحث الفيلي كمال قيتولي عن محنة الكورد الفيليين: “بدأت عمليات تهجير هؤلاء المواطنين بتاريخ 4/4/1980 ، حيث تم تهجير العوائل بعد مصادرة كل ممتلكاتهم ووثائقهم الشخصية: الجنسية العراقية ، هوية الأحوال المدنية ، دفتر الخدمة العسكرية ، رخصة القيادة ، هوية غرفة التجارة بالنسبة للتجار ، هوية إتحاد الصناعات العراقي بالنسبة لأصحاب المشاريع الصناعية ، وثائق الممتلكات ، الشهادات المدرسية والجامعية … الخ ” ويضيف فيتولي “أن القيادة العراقية العليا وبأمر من صدام حسين اتخذت هذا القرار غير الرسمي واعتبرت شرائح معينة من المجتمع العراقي تبعية إيرانية أو ذوي أصول إيرانية وذلك بالرغم من أنهم مولودون هم وآباؤهم وأجدادهم في أرض العراق ، وقد بلغ مجموع العراقيين المهجرين إلى إيران خلال الفترة من 4/4/1980 لغاية 19/5/1990 حوالي مليون فرد ، وذلك حسب تقديرات الصليب الأحمر الدولي “.

هنا أود أن أضيف بأن الكورد الفيليين وخلال هذه الفترة العصيبة لم يقفوا مكتوفي الأيدي ، حيث إنخرطوا في صفوف الثورة الكوردية بقيادة مصطفى البارزاني ، فأبدوا أدواراً مشهودة في مقاومة النظام البعثي لنيل حقوقهم القومية المشروعة ، فظهر بينهم مناضلون أشداء، وهذا ما قاد النظام البعثي إلى تصفية الشباب الفيليين جسدياً ، فأقترف بحقهم الإعدامات و زجهم في المعتقلات … ويتحدث الفيليون عن ممارسات عجيبة اتخذت بحقهم ويروون قصصا عن استخدام النظام السابق لمعتقلين منهم في المختبرات الخاصة لإجراء تجارب كيماوية عليهم.

بعد إنهيار النظام الصدامي في التاسع من نيسان عام 2003 ، تنفس أبناء الكورد الفيليين كباقي مكونات الشعب العراقي الصعداء ، بل نستطيع القول إنهم كانوا أكثر الناس سعادة على الإطلاق ، لأنهم كورد أولاً وشيعة ثانياً ، وكما كانت مأساتهم مزدوجة ، كانت فرحتهم أيضاً مزدوجة ، لكنهم إصطدموا بواقع أمرٍ منَ السابقْ ، وفي هذه المرة كانت مصيبتهم أعظم ، وهو موقف الحوزة العلمية في النجف ، وموقف السيد مقتدى الصدر الغير المرحب والغير الحاضن لهم ، حيث جرى التعامل معهم وكأنهم شيعة من الدرجة الثانية بسبب أصولهم الكردية. كان ذلك على خلاف موقف الحزبين الرئيسيين في إقليم كوردستان العراق ( الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني ) اللذين قاما باحتضانهم و تمثيلهم في قائمة التحالف الكوردستاني معتبرة إياهم جزءا أساسيا من الأكراد.

في الانتخابات النيابية الاخيرة قام بعض الكورد الفيليين أيضا بدخول الانتخابات بقائمتين منفصلتين وبعيدا عن قائمة التحالف الكوردستاني وهما الاتحاد الإسلامي لكورد العراق الفيليين وإئتلاف العدالة والمستقبل، وما حصلت عليه هاتين القائمتين من الأصوات كان لا يتجاوز الـ (10) آلاف صوت فقط أي ثلث مايكفي لوصول عضو واحد إلى البرلمان وذلك بسبب ذهاب بقية أصوات الناخبين إلى قائمة التحالف الكوردستاني .

الفيليون طالبوا الحكومة العراقیە بإعادة النظر في قانون الجنسية العراقي لإستعادة جنسيتهم العراقية، وهم يطالبون اليوم بالتعويض عن مصادرة الأراضي والممتلكات التي أخذت منهم، وتعويض عوائل الشهداء والمغيبين، والسعي للكشف عن مصير المغيبين من الكورد الفيليينن ويسعون إلى المشاركة في العملية السياسية وتقلد المناصب الوظيفية العالية. بقي أن أشير إلى أن محاكمة صدام حسين شكلت خيبة أمل جديدة للكورد الفيليين، حيث شعروا أن حقوقهم قد هضمت أيضاً ، فلم يفتح أي ملف يذكر فيه الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام البائد بحقهم ، وهي جرائم ضد الإنسانية بامتياز، ولكن الإنسانية تصاب أحيانا بالصم والبكم كما هو حالها معهم!

31/8/2007
http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=88&id=1952&lang=1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *