الرئيسية » مقالات » حزب العمال الكردستاني والكفاح المسلح والمحنة العراقية

حزب العمال الكردستاني والكفاح المسلح والمحنة العراقية

يمر الشعب العراقي، ومنذ سنوات، في محنة لا يُحسد عليها، ولا يمكن له تحمل المزيد من المحن. فبلدان الشرق الأوسط حافلة بالمشاكل المزمنة، وليس من الإنصاف أن يدفع الشعب العراقي وحده الثمن الباهظ لحل جميع هذه المشاكل. كذلك نعرف أن معاناة الشعب الكردي هي واحدة من تلك المشاكل الكبرى في المنطقة والتي بدأت منذ الحرب العالمية الأولى عندما اتخذ الحلفاء المنتصرون، بريطانيا وفرنسا، قرارهم المجحف القاضي بتقسيم كردستان على أربع دول مجاورة (إيران، العراق، تركيا وسوريا)، بدلاً من مساعدة شعبها في تحقيق طموحاته بتكوين دولته القومية أسوة بالأمم الأخرى وفق معاهدة سيفر ومبدأ (حق الشعوب في تقرير المصير). ولكن استبدلت مواد معاهدة سيفر المتعلقة بالكرد باتفاقية لوزان التي قررت التقسيم وحرمان الشعب الكردستاني من إقامة دولته القومية.

ومنذ ذلك الوقت والشعب العراقي ومعه الشعب الكردي يدفعان ثمناً باهظاً. وقد خاض الشعب الكردي في الدول الأربعة، نضالاً مستميتاً بلا هوادة في سبيل تحقيق حقوقه العادلة، ودفع في سبيل ذلك تضحيات كبيرة. ومن الإنصاف القول أن الشعب الكردي في العراق هو الوحيد في المنطقة الذي نجح في تحقيق أكبر قدر ممكن من الحقوق، ويتمتع الآن بمكاسب كبيرة يجب عدم التفريط بها بمغامرات انتحارية غير مجدية.

وفيما يخص الكرد في جنوب شرقي تركياً، فليس هناك منصف من لا يقر بحقهم في نيل حقوقهم القومية الكاملة. فهذا الشعب حرم من جميع حقوقه القومية والتاريخية والثقافية، بما فيه حتى حقه في استخدام كلمة كرد وكردستان، ففرض عليهم اسم (أتراك الجبال) بدلاً من أكراد، وهذا ظلم بحق الإنسانية، خاصة في دولة تدعي أنها علمانية وديمقراطية مثل تركيا. ونتيجة لهذه المظالم، ولد حزب العمال الكردستاني (PKK) في السبعينات من القرن المنصرم. وقد تبنى هذا الحزب الكفاح المسلح، والذي أدى إلى مقتل نحو 30 ألف إنسان في تركيا، معظمهم من المدنيين الأبرياء.

ومن استراتيجية هذا الحزب أن مقاتليه اتخذوا من كردستان العراق منطلقاً لهم لشن الغارات على المناطق التركية المجاورة، الأمر الذي دفعت تركيا إلى عقد اتفاقية مع حكومة صدام حسين في الثمانينات، تسمح لقواتها بالتوغل في الأراضي العراقية بعمق 30 ميلاً، لملاحقة مقاتلي الحزب. كذلك نعرف ما حصل لزعيم الحزب، السيد عبدالله أوجلان في التسعينات، والذي كان مقيماً في سوريا، حيث هددت تركيا نظام حافظ الأسد بطرد أوجلان وإلا عليه أن يواجه الضربة العسكرية الماحقة. وكعادته، انحنى حافظ الأسد أمام العاصفة ليسلم على نظامه، فطرد عبدالله أوجلان الذي ألقي عليه القبض فيما بعد من قبل القوات التركية وهو في السجن الآن.
ومنذ سنوات، عاد حزب العمال الكردستاني إلى نشاطه القتالي ضد تركيا، متخذاً من شمال العراق منصة انطلاق له. ومن نشاطاته العسكرية أن قتل نحو 30 جندياً ومدنياً تركياً خلال الشهر الماضي فقط، مما أثار غضب الشعب التركي الذي طالب حكومة رجب طيب أردوغان بعمل شيء ما في مواجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
وفي يوم 17/10/2007، صادق البرلمان التركي بأغلبية كبيرة (526 نائبا صوتوا لصالح القرار وعارضه 19)على مشروع قرار يجيز للقوات التركية التوغل داخل الأراضي العراقية لملاحقة مسلحي حزب العمال الكردستاني. كما أكد القرار على احترام وحدة العراق الاقليمية، وعلى أن أي تدخل عسكري سيكون هدفه الوحيد هو حزب العمال الكردستاني. كما واستبعد رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، اجتياحا وشيكا عبر الحدود وقال إن صدور القرار لا يعني أن العملية العسكرية وشيكة. (بي بي سي العربية، 17/10/2007).
والسؤال الملح الذي يفرض نفسه هو، ما الموقف الصحيح الذي يجب أن تتخذه الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق، والمثقفون العراقيون وغيرهم، من حزب العمال الكردستاني وقرار البرلمان التركي؟
مسبقاً نؤكد، وكما بينا أعلاه، أن الشعب الكردي له حقوق مهضومة، ومن حقه النضال من أجل تحقيق هذه الحقوق. ولكن.. يجب أن نضع في حسابنا الربح والخسارة في كل شيء وخاصة فيما يتعلق بحياة الإنسان. إذ ليس من الحكمة التفريط بحياة البشر عن طريق الكفاح المسلح، وخاصة إذا كانت هناك وسائل سلمية أفضل لتحقيق الحقوق. فنحن نعيش في عصر التنوير والعقلانية على الرغم من تفشي الإرهاب الإسلامي الذي لا يقيم وزناً لحياة الإنسان. ولكن هذا الاستهتار بحياة البشر من قبل الإرهابيين الإسلاميين هو رد فعل مضاد لصعود ونمو العقلانية والتنوير وحركات حقوق الإنسان والديمقراطية. لذا نقولها بصراحة، أن على كل المعنيين بالأمر من أصدقاء الشعب الكردي، أن يقولوا آراءهم بكل وضوح من أجل حقن الدماء وعدم الإفراط بحياة البشر، وعدم السماح بتغليب العواطف ومشاعر الانتقام على صوت العقل والحكمة. وليتعلموا درساً من هزائم العرب الذين رفعوا شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) و(كل شيء من أجل المعركة) ولم يحصدوا من هذه الشعارات والسياسات الطائشة سوى الدمار والهزائم.
أجل، نحن مع حقوق الشعب الكردي في كل مكان وفي كل وقت، ولكننا نعيش في عصر يمكن تحقيق هذه الحقوق بالوسائل السلمية المتاحة وبأقل قدر من الخسائر. فلو راجعنا التاريخ القريب لوجدنا أن جميع الحركات المسلحة قد فشلت، ولم تجلب لشعوبها غير الدمار والخسائر الكارثية في الأرواح والممتلكات، مقارنة بالشعوب التي تبنت الوسائل السلمية في تحقيق الحقوق. فهذه الهند العظيمة رفضت بقيادة المهاتما غاندي الكفاح المسلح وتبنت العصيان المدني، وبذلك ألحقت الهزيمة المنكرة بالاستعمار البريطاني. والآن الهند هي أكبر دولة علمانية ديمقراطية، ومن أصدق أصدقاء بريطانيا، وهي تحقق النجاح المضطرد في النمو الاقتصادي. كذلك لو قارنا بين الشعوب العربية التي تبنت الكفاح المسلح في نيل استقلالها مع تلك التي تبنت النضال السلمي، لوجدنا أن التي تبنت النضال السلمي مثل الدول الخليجية التي كانت مستعمرات ومحميات لبريطانيا وتتمتع الآن بالاستقلال التام، نرى هذه الأخيرة قد حققت أقوى اقتصاد وأسرع إعمار وتقدم لبلدانها. فمسار التاريخ لا يمكن تغييره بالكفاح المسلح، بل له قوانينه الخاصة.
وحتى لو راجعنا نضال الشعب الكردي في العراق نراه أنه لم يجن من كفاحه المسلح سوى الكوارث، أما منجزاته التي تحققت فمعظمها كانت بسبب الدعم الدولي لها وخاصة من الحكومات الغربية، أمريكا وبريطانيا اللتين فرضتا مشروع (الملاذ الآمن) على منطقة كردستان العراق بعد هزيمة صدام حسين من الكويت، وتشكيل حكومة الإقليم وما تحقق لهذا الشعب من منجزات قبل وبعد سقوط البعث في 9 نيسان 2003. ولعل أشد الأضرار التي لحقت بالشعب الكردي خاصة، والشعب العراقي عموماً هو تبني الحركة الكردية الكفاح المسلح ضد حكومة الشهيد الزعيم عبدالكريم قاسم. فباعتراف الزعيم الكردي السيد مسعود البرزاني أنه كان خطأ معالجة الأمور مع عبدالكريم قاسم بالسلاح. ونتائج ذلك الكفاح المسلح باتت معروفة للقاصي والداني حيث من ثمارها المرة كان انقلاب 8 شباط 1963 الأسود وما أنتجه من سلسلة متواصلة من الكوارث على الشعب العراقي والكردي، وصولاً إلى هذا الوضع المأساوي الحالي.
لذلك وبناءً على ما تقدم، نستميح الأصدقاء الكرد عذراً، أن يقبلوا صراحتنا بأن نقدم لهم مشورة دوافعها المحبة والحرص على مصالح الشعب الكردي قبل غيره، وفق الحكمة القائلة “صديقك هو من صدقك، لا من صدّقك”. لذلك نقول يجب تقديم النصح إلى قيادة حزب العمال الكردستاني أن لا يفرطوا بما حققه الشعب الكردستاني في العراق من حقوق، ولا يعرضوا هذه الحقوق للضياع. أنه من الخطأ التضحية بمكتسبات الشعب الكردي في العراق بتأييد حزب العمال الكردستاني في اتخاذه شمال العراق منطلقاً له لشن كفاحه المسلح ضد تركيا.
قد أختلف مع بعض الأصدقاء الأكراد في الخارج الذين وجهوا النقد الشديد إلى الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق بعدم الدفاع عن حزب العمال الكردستاني وتبنيهم المرونة مع الحكومة التركية. إذ نؤكد للأخوة أنه ليس من مصلحة الشعب العراقي ولا الشعب الكردستاني أن يسمح لحزب العمال الكردستاني باتخاذ الأراضي العراقية منصة لشن الحرب على تركيا. ووفق القوانين الدولية، فمن حق الحكومة التركية أن تحمي شعبها بمختلف الوسائل المتاحة، خاصة وهناك اتفاقية أمنية مشتركة بين الحكومتين، العرقية والتركية، بحماية الحدود ضد أي عمل يسئ إلى أمن البلدين.
وفي نفس الوقت هناك ضغوط دولية من قبل الرئيس الأمريكي، والأمين العام للأمم المتحدة ومفوضية الوحدة الأوربية وغيرها، على الحكومة التركية ومطالبتها بضبط النفس واحترام سيادة الدولة العراقية بعدم القيام بأي عمل عسكري ضد شمال العراق. ونأمل من كل هذه المحاولات احتواء الأزمة ودرأ الخطر. وهذا يتطلب من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق أن لا تسمحا لحزب العمال الكردستاني بالقيام بأي عمل ضد تركيا من الأراضي العراقية.

ما العمل؟
أعتقد في ظل الظروف الدولية الحالية، وفي عصر العولمة وانتشار الديمقراطية وتنامي الوعي بحقوق الإنسان، والدور المؤثر الذي يلعبه الرأي العام العالمي، وتصاعد التعاطف الدولي مع حقوق الشعوب المضطهدة ومنها الشعب الكردستاني، هناك مجال أفضل لتحقيق حقوق الشعب الكردي في تركيا بالوسائل السلمية والتخلي عن الكفاح المسلح الذي أثبت التاريخ فشله حيث لا يجلب سوى الكوارث، كما بيننا أعلاه.
فالعراق يعيش مأساته الخاصة به وبما فيه الكفاية في حربه على الإرهاب، وليس من الإنصاف استغلال وضعه الهش لاتخاذ أراضيه منطلقاً لشن الهجمات المسلحة ضد أمن تركيا. والعراق بحاجة إلى تعاون تركيا معه في استتباب أمنه. كذلك ليس من مصلحة شعب كردستان العراق التفريط بالمكتسبات التي حققها خلال العقدين الماضيين. وعليه نرى من واجب حكومة إقليم كردستان العراق إقناع قيادة حزب العمال الكردستاني بشتى الوسائل، بالتخلي عن الكفاح المسلح، لمنعه من تدمير كردستان العراق وجر المنطقة إلى صدامات مسلحة كارثية أخرى.
كما أرى من واجب المثقفين، تقديم النصح إلى حزب العمال الكردستاني أن يتخلى عن الكفاح المسلح ودعوته إلى أن يعيد النظر في إستراتيجيته من جديد، وأن يستفيد من تجاربه الماضية وتجارب غيره من الحركات المماثلة التي لم تجلب لشعوبها عير الدمار. وأن هناك وسائل سلمية متاحة يمكن اتباعها لنيل الحقوق، وبالأخص استثمار ضغوط الوحدة الأوربية على تركيا في الاستجابة لحقوق الأكراد، خاصة وأن تركيا تسعى للانضمام إلى الوحدة الأوربية، ولا يمكن قبول عضويتها إلا بتأكيد سجلها في تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. فتركيا، سواءً اتفقنا معها أم لا نتفق، هي دولة ديمقراطية وعلمانية، ولأكراد تركيا نحو خمسين نائباً في البرلمان التركي الحالي. وهذا يؤكد لنا أنه من الممكن تحقيق حقوق الشعب الكردي في تركيا بالنضال السلمي والتخلي عن الكفاح المسلح.
كذلك نطالب الحكومة التركية أن تفهم بأن ليس من مصلحة الشعب التركي مصادرة حقوق الأقليات في بلادها، وإن إضطهادها للشعب الكردي يسيء إلى سمعة نظامها العلماني الديمقراطي وتكون عقبة مانعة لانضمامها للوحدة الأوربية التي تحلم به. كما لا يمكن للأمة التركية أن تعيش بسلام طالما بقي الشعب الكردي محروم من حقوقه في المواطنة الكاملة. فكما قال ماركس: “إن أمة تستعبد أخرى لا يمكن أن تكون حرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *