الرئيسية » مقالات » الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان في حوار مع الصحافي نزار جاف

الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان في حوار مع الصحافي نزار جاف


الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان : شاعرة أنا أقترف شعري المتمرد … أنغص به حياة كل عاهر نذل من الأشخاص والعادات والمعتقدات والسياسات والأنظمة !


مليکة مزان..أنثى أمازيغية أدافت الحلم بالهوية و سعت من خلال بوابات الکلمات أن تکسر أقفال الصمت العالمي حيال قضيتها.
مليکة..أمرأة صعبة المراس و صاحبة موقف عنيد مع أعدائها و خصومها، لکنها مع أصدقائها و محبيها تغدو أرق من ورقة زهرة يانعة و تفتح قلبها و أفکارها لکي تسرد سفر العذاب للشعب الامازيغي و مشاهد و صفحات في منتهى التراجيدية لأرض تامازغا.
صحيفة”کوردستان ريبورت”أنتهزت الفرصة لکي تحاور المسافرة بهموم الامازيغ و تعرف القارئ الکوردي من خلالها بشئ من القضية الامازيغية وکان هذا الحوار.


ـ س : هل بإمکان الشاعرة مليکة مزان أن تشرح القضية الأمازيغية للشعب الکوردي بإيجاز ؟

ـ ج : القضية الأمازيغية قضية شعب بكامله ، شعب عريق أصيل يسمى الشعب الأمازيغي ، شعب موطنه الأصلي ، كما عرف عنه ومنذ الأزل ، هو تامازغا ، أرضه الممتدة بشمال إفريقيا من واحة سيوا غربَ مصر حتى جزر الكناري في المحيط الأطلسي مروراً بدول مالي والنيجر وموريطانيا بالصحراء الكبرى .

نشأت القضية أول ما نشأت عندما وجد هذا الشعب نفسه ذات لحظة من تاريخه الحديث ومباشرة بعد طرده للاستعمار الغربي عن جل أراضيه أواسط القرن الماضي ـ وجد نفسه مضطراً لمواجهة كيان آخر لم يكن الشعب الأمازيغي ليعتبره استعمارياً عنصريا أو لينتبه إلى مخططاته ونواياه اللإنسانية من قبل هذا التاريخ ، هذا الكيان هو الكيان العربي الذي مازال ن وفي مفارقة صارخة فظيعة ، يقدم نفسه للشعب الأمازيغي على أنه صاحب دين هو نبع الرحمة وعين الكرامة بالنسبة للناس أجمعين ، بينما كل تصرفات هذا الكيان تنم عن كثير من الخبث والعنف ، وعن مجرد رغبة وضيعة في استلاب الأمازيغ ، السكان الأصليين ، بهدف استغلال طيبتهم وكرمهم وخيرات بلادهم أبشع استغلال .

إنها إذاً قضية شعب انتبه فجأة إلى خطر التلاشي المحدق به ليدافع عن وجوده وحقه في البقاء على أرضه ، ضد ما صار هذا الكيان العربي القديم/الجديد يحيكه من أساليب إبادته ، أو على الأقل من أساليب مسخ هويته بجعله تابعاً في كل شيء لعروبة ما كان لها أن تتجاوز حدودها الجغرافية الحقيقية ( والتي لا تعدو أن تكون منطقة الحجاز ) لولا هذا الغزو القديم المتجدد لما حولها من أراضي الآخرين .

لقد كان من الوارد جداً ألا تظهر أصلاً في شمال إفريقيا أية قضية من وزن وعدالة القضية الأمازيغية ، وبالتالي ألا تكون هناك أية ضرورة لأي احتجاج أمازيغي لولا تعصب العرب لعرقهم وثقافتهم ، ولولا إقصاؤهم الفظيع لنا نحن الأمازيغ السكان الأصليين من كل مشاركة فعالة واستفادة حقيقية ودائمة من خيرات مغربنا الأمازيغي الكبير .

ـ س : ماذا عن قضية الأقليات العرقية والدينية في المنطقة ، هل هي فعلا قضية أم أنها لا تستحق هکذا حجم ؟

ـ ج : ما يغيظني جداً أن عدداً من العرب العنصريين ( الحكام منهم والمؤرخون والمثقفون ) يحلو لهم أن يتحدثوا عن وجود أقلية عرقية أمازيغية في شمال إفريقيا فقط ليريحوا ضميرهم ويبرروا جرائمهم في حق الأمازيغ ، لكن من سوء حظهم أن الواقع الفعلي يقول أننا في هذه المنطقة لسنا أمام قضية أقلية ( سواء أكانت عرقية أو ثقافية ) ، وأن ضمير العالم كله في شمال إفريقيا أمام قضية عادلة حقيقية لشعب أصيل بكامله ، شعب كان هنا ومن حقه أن يظل هنا يتمتع بكل مقومات وجوده . قضية أغلبية مهمشة مهضومةِ كل حق لها مشروع ، أغلبية تستحق دعم كل ذي ضمير حي وكل من لديه ما يكفي من النزاهة والموضوعية للنظر فيها بعين العقل والعدل .

إن كانت هناك من أقلية عرقية أو ثقافية عندنا في بلاد تامزاغا بشمال إفريقيا فهما أقليتان أساسيتان هما : ‌
1 ـ الأقلية العربية ، وهي أقلية تتمتع بكامل حقوقها بل ( وهنا أصل المشكلة ) هي من صارت تتصرف بكل وقاحة في حقوق السكان الأصليين . تشرع وتحلل منها ما تريد ، وتحرم وتمنع منها ما لا يخدم وجودها الأناني ومصالحها الخاصة .

2 ـ الأقلية اليهودية وتتمتع بكامل حريتها في ممارسة طقوسها الدينية ونشاطاتها الشرعية المختلفة ، كما تتمتع بالاحترام التام في كل المدن التي مازالت متواجدة بها ، كما لها حق التنقل الحر من وإلى بلدان تامازغا خاصة المغرب ، بل إننا نحن الأمازيغ لندعو اليوم إلى مزيد من إنصاف هذه الأقلية اليهودية وإكرامها بتدريس لغتها الأم والنهوض بثقافتها الأصلية . بل إلى المزيد من الصرامة مع كل أشكال الإرهاب التي تهدد التواجد اليهودي على أراضينا ، ومع كل موقف عربي إسلامي عنصري يجرم التعاون والتعامل مع اليهود المغاربة لما فيه خير الشعبين العريقين اليهودي والأمازيغي .

إذا كان إذاً هذا هو وضع الأقليات العربية واليهودية عندنا ، وهو وضع مريح تماماً فلم يبق لدينا في شمال إفريقيا من يتجرع كل أشكال الإقصاء والحرمان والهوان إلا الأغلبية الأمازيغية التي صارت في ظل هذا الواقع ( ويا للمفارقة ) هي الغريبة في وطنها ، المحرومة من خيرات بلادها ، المتجرعة لكل أشكال الذل والهوان !

ـ س : قبل عصر العولمة لم نسمع عن الأمازيغية شيئا يذكر ، لکننا اليوم بتنا نعلم الکثير عنها ، هل يعني ذلك أن عصر العولمة هو عصر الشعوب المنسية ؟

ـ ج : عصر العولمة عصر كل الشعوب التي انتبهت إلى خطر الذوبان الثقافي في ثقافة عالمية واحدة هي ثقافة الأقوى اقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً . بالتالي لا يمكن أن نقول أنه عصر الشعوب المنسية فقط .

إلا أنه يمكن القول أنه عصر هذه الشعوب المنسية بامتياز على أساس أن هذه الشعوب هي الأكثر عرضة من غيرها ، ومن أي وقت مضى ، لخطر التلاشي والذوبان ، ومن أكثر من جهة مهدِدَة ؛ وبالتالي صارت هي المعنية الأولى بالخوف على وجودها والتصدي من ثم لكل محاولات سحب آخر إمكانيات التواجد والبقاء من يدها ، خاصة وأنها لا اقتصاد لديها قوي يحميها ، ولا قرار سياسي نافذ يفعل إراداتها ، أو يستجيب لحاجياتها ومطالبها .

عصر العولمة هذا ـ بالإضافة إلى عصر ثقافة احترام حقوق الإنسان المتزامن معه ، وعصر التواصل التيكنولوجي الواسع والسريع ـ فرصة ذهبية لانبعاث هذه الشعوب المنسية ، والشعب الأمازيغي بدوره يستغل هذه التحولات والإنجازات الهامة ليسمع صوته وينتزع حقوقه ، تلك الحقوق التي لم يكن في ما مضى ـ تحت نير التسلط العربي الحاكم والحصار الإعلامي والقانوني المضروب عليه ـ ليقوى على المطالبة بها أو فضح كل الانتهاكات والخروقات الممارسة ضدها .

في هذا الإطار أستذنك لتسجيل ملاحظتين :

ـ أولا : إذا كان من ˝ سوء حظ ˝ العولمة ، في بعدها الثقافي ، أن انتبهت الشعوب المستهدَفة إلى هذا الخطر المحدق بخصوصياتها الثقافية المحلية مع محاولة تصديها لهذا الخطر ، فإن عصابة العرب العنصريين كانت ، على العكس من ذلك وقبل عصر العولمة هذا ، أسعد حظاَ من العولمة نفسها ، ذاك أن هذه العصابة المجرمة وعلى امتداد تاريخها الدموي الطويل في حق الآخرين ، وحيثما وصلت بغزواتها واستتب لها الأمن ـ لم تجد عامة من يفطن باكراً لخطورة مدها ولا من يتصدى ، وبما كان ينبغي من كل قوة ، لمشروعها الثقافي اللاإنساني الهادف إلى فرض ثقافة واحدة على كل الشعوب التي غزتها باسم التبشير بدين حق وعدل لا مثيل له !!!

ويبقى على كل عولمة ذكية تريد النجاح في سعيها اللامباشر هذا إلى إبادة الثقافات المحلية أن تأخذ العبرة من التجربة العربية الناجحة في هذا المجال وتحاول الاستفادة من دروسها الجهنمية !!!

ـ ثانيا : أن العرب الذين يحتجون الآن على الآثار الثقافية السلبية للعولمة خوفاً على ثقافتهم من الانقراض أو التراجع يتناسون ، في نفس الوقت ، أن ما يخشونه من العولمة على أنفسهم قد جرعوه هم ، ومنذ غابر الأزمنة ( ودون حسيب أو رقيب أو مستنكر أو رافض أو مقاوم ) ، لكل الشعوب التي صاروا يحكمونها باسم الاعتقاد بسمو العرق العربي وبعروبة أهل الجنة ، وادعاء أن ما جاء به محمد هو الدين/الرحمة ، وهو الصراط /الاستقامة والهدي/الخلاص .

ـ س : ماذا يهم مليکة مزان من أمازيغيتها وماذا تريد أن تقول للعالم من خلال ذلك ؟

ـ ج : الذي يهمني من أمازيغيتي لابد وأن يهم أصلاً كل هذا العالم ، فإذا كانت الأمازيغية شأن وطني يهم كل المغاربة وكل المغاربيين في العالم الأمازيغي ( = المغربي الأمازيغي الكبير) ، فهي كذلك شأن إنساني عام . فكما لم يكن للعالم القديم والحديث أن يكونا لولا ما قدمه الأمازيغ من مساهمات حضارية هامة ، كذلك لا أتصور عالماً معاصراً بدون أمازيغية .

ذاك أن الأمازيغية ما تزال بالنسبة للإنسانية نبع عطاء فكري وعلمي وأدبي عظيم ، والأهم من ذلك أنها ما تزال قاموساً كونياً رائعاً خالداً لكثير من القيم الإنسانية الرائعة ، لعل أهمها بالنسبة لعصرنا هذا ، عصر الإرهاب والقتل الرخيص الذي دشنه العرب المسلمون ضد ˝ كفار ˝ العالم ، هو الانفتاح على جميع الأعراق والثقافات ، واحترام خصوصية وحريات الآخرين .

هذا كله يكفي لأن يكون دافعاً قوياً لكل القوى التقدمية الحقيقية في العالم إلى احترام وإكرام الأمازيغية ، احترام وإكرام لن يكونا إلا بالاعتراف الرسمي المحلي والعالمي الكامل بهذه الأمازيغية : أرضاً وتاريخاً ، عرقاً وشعباً ، هويةً وانتماءً ، ثقافةً وحضارةً ، حقا مشروعاً في البقاء والكرامة ، كما لن يكون هذا الإكرام بغير العمل على حمايتها حماية قانونية دولية ومحلية ، حماية ستبقى مهمة أخلاقية لا تقل نبلاً وشهامةً عن أي مهمة إنسانية أخرى .

من جهة أخرى إن احترام الأمازيغية ، في كل أبعادها السالفة الذكر ، لمن شأنه أن يدعم أسس الحق والعدل في هذا العالم ، ومن ثم ركائز السلم والاستقرار . فمن أراد السلم من الشعب الأمازيغي والأمن والرخاء لجميع شعوب العالم فليحترم أمازيغيتي وليقر بكامل حقوقها ، ومن يبحث عن مزيد من استفزاز شعبي الأمازيغي فلينتظر حين يشتد الضغط على هذا الشعب كيف سيكون الانفجار !!!

عامة إن من لا تهمه أمازيغيتي وبقاؤها وتمتعها بكامل حقوقها كأي انتماء آخر لن تهمني ، لا أنا ولا شعبي ، هويته الخاصة ولا قضاياه المرتبطة بها ، ومن لا يرى في دفاعي عن أمازيغيتي كقيمة مضافة للوجود الإنساني لا يبقى أمامي غير التشطيب عليه من قائمة ساكنة الأرض الجديرة باحترامي ومحبتي وتضامني .

ـ س : في شعرك هنالك مساحات کبيرة من النزوع المتأصل للثورة والتمرد والنأي بعيداً في عوالم جديدة ، هل تفعلين ذلك في عالمك الشعري فقط ، أم إنك تسحبينه أيضا على المجالات الأخرى ؟

ـ ج : صحيح أن الروح التي تميز أشعاري لن تكون غير روح التمرد الذي يجد كامل نشوته في اقتراف كل ما هو صادم قوي للقارئ التقليدي وعلى كل المستويات ، مستويات مضامين النص وصوره الشعرية بل ومفرداته اللغوية .

إذا كان هذا تمردي على مستوى كتابة القصيدة شكلاً ومضموناً فإن لتمردي هذا امتداداً في حياتي اليومية . ذاك أن كل ما أكتبه أعتقده أيضاً عقيدة راسخة ، بل وأمر به إلى مستوى التفعيل والممارسة فأرفض بتمردي ما أستطيع رفضه ، وأتحايل به على ما استعصى علي حتى أول فرصة مواتية .

بل إن تمردي الشعري نابع أصلاً من مبادراتي الحقيقية (السابقة عليه زمنياً ) إلى إعلان العصيان والرفض والاحتجاج على كل ما هو لاعقلاني ولاإنساني ، فمع اقتراف أي نص متمرد غالباً ما أكون ، قبل اقترافه ، قد ثرت على كل معاملة وحشية بحقي ، أو أكون قد خرجت إلى الشارع للتنديد بسياسة جهنمية ما ، أو قد وقعت على عريضة تضامنية مع أي مقهور مستصرخ شعباً كان أو فرداَ ، أو قدمت دعماً معنوياً أو مادياً ولو بسيطاً ، إلى كل من لجأ إلى قدرتي المتواضعة على كل عطاء ومحبة .

إن التمرد دافعي وغايتي ووسيلتي ، كما أنه فلسفتي وكل معنى حياتي ، ولكَم أخاف عليه من لحظات الضعف وقد صار كل رصيدي ، بل أراني أتحمل تبعاته بتمام رضى بعد أن ألحقتُ من أجل البقاء عليه عقيدة لي عظيماً من الخراب ببيتي وحياتي ، وليس لي أن أتنكر أبداً لهذا التمرد : لا أعرف توبة عنه : فيه أصالتي ، فتحرري ، فكرامتي ، بل فيه انتقامي من كل أشكال الإفلاس الخاص والعام حتى أرى الاعتبار من حولي يرد للعقل والعدل والحق . ذاك أني أؤمن عامة أن الشاعر إما أن يكون منسجماً في سلوكاته مع نفسه وقناعاته ، وفيا أيما وفاء لمعتقداته ومبادئه أو لا يكون .

ـ س : بإمكان الأديب أن يصبح سياسياً ، لکن العکس ليس بالإمکان ، ما هي وظيفة الأديب تحديداً خصوصاً في هذا العصر المتخم بالتطورات الغريبة المتلاحقة ، هل مازال في المقدمة ؟

ـ ج : وظيفة الأديب في أي لحظة وبكل مكان أن يكون ضمير الإنسانية الذي لا يغفو ولا يموت ، وعلى أديب اليوم أن يجعل من التطورات التي يعرفها العالم الآن دافعاً له أقوى ، وأكثر من أي وقت مضى ، إلى مزيد من لعب هذا الدور الريادي العظيم ، خاصة وقد استجد ما استجد من قضايا وظواهر خطيرة متعلقة بشكل وثيق بحياة الإنسان المعاصر ، أمنه وكرامته وسعادته ومصيره .

هذا الدور الريادي للأديب نوع من المشاركة السياسية منه ، ولو من بعد ، في تدبير الشأن العام محلياً كان أم عالمياً ، وهو دور يجعله دائماً في المقدمة ، ولا شيء يجبره على التخلي عنه غير خيانته لأمانة الرسالة التي على عاتقه بأن يبيع ضميره مقابل مصالح شخصية تافهة أو مكاسب مادية زائلة ، أو يفتعل الصمم والعمى إزاء كل أشكال القبح ومستوياته فيبدي القاتل من اللامبالاة إزاء كل شأن إنساني مصيري ، أو يجبن أمام قوى الطغيان وضغوطاتها القوية المقيتة ، أو يتوقف عن الإيمان بجدوى ما يؤديه للإنسانية من خدمات الفضح والنقد والتوجيه كلما أحس بالواقع يزداد وقاحة وفظاعة .

ـ س : مليکة لها العديد من الأصدقاء الکورد ومن مجالات متباينة ، ماذا تعلمت من خلال هؤلاء عن القضية الکوردية ؟

ـ ج : بفضل علاقتي مع شعراء وناشطين سياسيين أكراد لهم وزنهم بالساحة الثقافية والسياسية داخل كردستان العراق وكردستان سوريا بصفة خاصة وبعض الأكراد المقيمين بالمهجر اطلعت على أهم الخطوط العريضة في القضية الكردية .

لم يكن لي أمام قصائد ملتزمة رائعة لشعراء كبار من هؤلاء الأكراد ، ومقالات قوية للسياسيين منهم إلا أن أؤمن بالقضية الكردية قضية إنسانية عادلة ، عادلة من حيث أنها قضية كيان إنساني ، عرقي وثقافي ، له جذوره القوية العريقة في المنطقة ، كما له مميزاته الخاصة التي هي مقومات وجوده وشروط بقائه واستمراره ، قضية شعب عانى ما عاناه من التسلط العربي والتركي والإيراني وبنفس القوة ، قضية لم تتعامل معها حكومات وشعوب العالم والمنطقة بغير منطق الاتهام والعمالة ( الموقف العربي الإسلامي ) أو منطق الاستخفاف والدفاع فقط عن المصلحة الخاصة ( الموقف العربي والإيراني والتركي والغربي على حد سواء ) .

كما اطلعت على أشياء أخرى مؤسفة ما كان لها أن تخدم عدالة القضية الكردية في شيء وتتعلق بالشعب الكردي نفسه ( تماما كما نعاني منها نحن الأمازيغ ) . تتجلى هذه الأشياء المؤسفة في :

1 ـ تشتت الصف الكردي من خلال الصراع الدائر بين الأحزاب والتيارات المختلفة التي تشكل النسيج النضالي الكردي ، مع سوء اختيار وسائل التحرر وإستراتيجيته والاتفاق بصدد كل ذلك .

2 ـ بعض الخيانات التي يقترفها الأكراد أنفسهم ضد قضيتهم كالتعامل مع الأعداء ( ولو بحسن نية وبكثير من الغباء ) قبل الأصدقاء ، على ندرة هؤلاء إن لم نقل انعدامهم .

3 ـ بقاء كثير من فئات الشعب الكردي تحت هيمنة الإيديولوجية الجهنمية للعقلية والثقافة العربية الإسلامية المتخلفة ، ورفض الإتيان بأي مبادرة حقيقية جريئة للتحرر الذاتي من كل أشكال الاستلاب والاستغلال .

ـ س : ينظر العديد من الکتاب والمثقفين العرب وغير العرب من أبناء المنطقة إلى تجربة حکومة وبرلمان إقليم کوردستان ، على إنها إسرائيل ثانية ، ماذا تقول مليکة مزان بهذا الصدد ؟

ـ ج : حين يتعلق الأمر بقضية إنسانية عادلة وبضرورة انعتاق شعب أصيل عريق مثل الشعب الكردي الصامد لا يجب الالتفات إلى هذه المواقف العنصرية اللامسئولة من أشباه مثقفين كهؤلاء ، هي مواقف لن تسيء إلا إليهم ، إنهم بها يحاولون وضع العصا في عجلات انفراج هو سائر حتماً نحو استرداد الشعب الكردي لكامل أراضيه وممارسته لحقه في الاختلاف ، والتمتع بكل حقوق هذا الاختلاف .

إن نظرة كهذه لكردستان على أساس أنها إسرائيل ثانية ليس فيها رفض فقط لحق الأكراد في إقليم اسمه كردستان العراق ( إن لم يكن حقهم في وطن قومي قائم بذاته ومن واجب كل نضال كردي أن يسير في اتجاه تحقيقه ) ، وإنما فيها أيضا رفض ضمني وشبه صريح لكل اعتراف بإسرائيل . مما تتضح معه النزعة العنصرية المغالية لهؤلاء المثقفين ولاواقعيتهم .

ويبقى على أشباه هؤلاء المثقفين أن يقولوها جهاراً : (( الموت لإسرائيل ! )) ، ثم أن ينْظموا بعدها لكل الإرهابيين البشعين ، هؤلاء الإرهابيين الذين لا يعيش العالم ما يعيشه الآن من مظاهر الرعب والقتل والخراب إلا بسبب استنكارهم لحق إسرائيل في الوجود ، بل بسبب رغبةٍ منهم مجنونة ولاإنسانية في محو أي وجود آخر غير عربي وغير إسلامي في المنطقة بل وفي العالم بأسره !!!

شخصياً لا أستطيع تحمل منطق مريض كمنطق هؤلاء ، فكلما ناضل صاحب حق لنيل حقه ، ثم نال ( أو لا يكاد ) من ذاك الحق بعضه إلا وتعالت أصوات بعض القذرين باتهام صاحب الحق هذا بالعمالة ، أو بالرغبة في إشعال نار الفتنة والحرب الأهلية ، أو بالنزوع إلى تشتيت وحدة الوطن وتمزيق جسد الأمة ( ولا أعرف عن أي وطن ولا عن أي أمة يتحدثون ) وكأن عقول هؤلاء القذرين لا تتصور وجوداً للآخرين ، إلا بمواصلة تجرع هؤلاء الآخرين لكل أنواع الإهانة العربية لهم ، وشتى أشكال الإبادة الممنهجة ضدهم ، كما لا تتصور سلماً بين الشعوب إلا أن ترضخ كل الشعوب لنزوات العرب كأقلية حقيقية تريد أن تعيش على حساب كرامة وحقوق أغلبية سواء في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا …

ويبقى أن نتساءل أمام بشاعة عقلية مثل هذه : ماذا لو لم تكن هناك هذه الشرذمة العربية في المنطقة هل نحرم الناس من أي حق في الحياة وفي الكرامة فقط لأن المنطقة لا يوجد بها عرب ؟!

والله إن هذا لمنطق مريض وجنون مبين لم أر له مثيلاً في العالم بأسره غير منطق الرجل الغربي في الأمريكيتين وفي أستراليا ، هذا الرجل الغربي الذي لا يكف العرب والمسلمون عن انتقاده وهم مثله أو أفظع منه بكثير !

ـ س : هل من رسالة خاصة تبعثين بها للشعب الکوردي؟

ـ ج : للشعب الكردي العظيم أقول :

إني لدائمة الإحساس ( ومعي كل الأمازيغ طبعاً ) بفظيع من الألم كلما تكررت مشاهدتي لصور تلك المذابح المقترفة في حق مدنييك العزل ، أو قرأت أخباراً عن اعتقال نشطائك السياسيين والحقوقيين ، أو قمع وتهديد مثقفيك وصحافييك الشجعان الرائعين ، أو عن رحيل عدد من مناضليك الأوفياء إلى دار البقاء وفي أنفسهم غصة : كونهم رحلوا ولم يروا بعدُ وطناً قومياً يجمع شتاتك أخيراً ما بين دول عنصرية ودول إرهابية ومناف شتى بكل أنحاء المعمور .

وأراني أتساءل مع هذا وذلك حائرة عاجزة :

بأي اللغات يا ترى يمكن إقناع كل هؤلاء الطغاة من العرب والفرس والأتراك بحاجتك أيها الشعب الكردي المقاوم الصامد إلى تفهم الجميع ومحبة الجميع وتضامن الجميع ؟!

كما أني ، أمام إحساس فظيع كهذا بالقهر أمام تعنت كل الحكام العنصريين والمثقفين المستلـَبين في المنطقة ، ليراودني حلم أعرف كم أنه صعب ، حلم مفاده لو أن شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستدرك أنها لا تعدو أن تكون مجرد مستوطنات عربية ليس إلا … وأن تبادر من ثم إلى القيام بثورة عارمة في وجه الطغيان العربي والإرهاب الإسلامي ، لعل هذه الشعوب تتمكن أخيراً من حقها في الحياة الكريمة الحرة الآمنة ، بعيداً عن الذوبان المقيت في ثقافة العربي الجاحد لحقوق غيره في المنطقة ، وبعيداً عن ضغوطات أي إرهابي يهدد أمن الناس وسعادة الناس في سبيل الانتصار لدين ، أثبت التاريخ الدموي القديم والحديث للعرب والمسلمين أن لا رحمة فيه إلا ادعاء وبهتانا !

وخلاصة رسالتي للشعب الكردي : كن أيها الشعب العريق العظيم في مستوى أي شعب يستحق الاحترام والحياة ، ولا تقنع من يد الطغاة بغير وطن قومي يثأر لكل شهدائك الأبرياء ، ويجمع شتاتك من كل تشرذمات الأمس واليوم ، ويمنح من الظل والشمس ، ومن الحب والدفء ، ومن الماء والخبز ، ومن الكرامة والمجد ما ينبغي لكل أبنائك الرائعين !
ملاحظة: نشرت الترجمة الکوردية للحوار في صحيفة کوردستان ريبورت بمدينة أربيل عاصمة إقليم کوردستان العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *