الرئيسية » مقالات » المتنبي وحنان

المتنبي وحنان

جاءني صاحبي المتنبي لاهثا ً متقطّع الأنفاس يتصبب عرقاً من كافة أنحاء جسده المختض كريشة في مهب ريح عاصفة . ما خطبك يا متنبي ، سألته ؟ قال وصدره يخفق بعنف صعوداً ونزول : هل تصدّق … هل تصدق ما سأقص ُّ عليك من نبأ عظيم ؟ قبل أن أجيب مد َّ لي كفا ً مرتعشة تحمل ورقة باللون السماوي الأزرق الفاتح كانت هي الأخرى شديدة الإرتعاش . إقرأ ، قال المتنبي ، إقرأ وقل لي رأيك في هذه الحادثة . شرعت أقرأ غيرَ مصدق ٍ ما كنتُ أقرأ . رسالة جاءت المتنبي من فتاة مجهولة عن طريق البريد الألكتروني للرجل مرفقةً بصورة لا أجمل منها ولا أحلى . سبحان مَن خلق العينين السابحتين بل الغارقتين في سواد عجيب هو الكحل ممزوج بالسحر البابلي . سواد خارجي يحيط بالعينين يشع في داخله سواد لمّاع صقيل ما زال غير مندرج ٍ في قائمة درجات الطيف السود . من أين أتى الفتاة َ الغامضة َ كل ُّ هذا السحر الأسود الأشد غموضاً . تركتُ قراءة الرسالة غائباً عن وعيي سارحاً وشارداً في عوالم لم أألفها من قبلُ . أفقتُ فسألتُ صاحبي : أين أنا بل مّن أنا ؟ تضاحك المتنبي ولم يجبْ مكتفياً بحثي على مواصلة قراءة ما في الورقة من كلام . وجدتُ نفسي كالمشلول يداً ولساناً . مددتُ يداً مرتجفة ً بالورقة طالباً من صاحبي أن يتم َّ هو قراءة الرسالة بصوت مسموع . إستجاب الرجل مشكوراً ، فرك سيجارته الأخيرة بأنامله بقوة لا تخلو من بعض العصبية ثم َّ بدأ يقرأ :

(( صباح الخير لمن جعلني أُحس ُّ بحقيقة مشاعري ولمن جعلني أمارس المطالعة وزادني شوقاً ولهفة ً للمتابعة … فأنتَ في أحلى أطوار العمروأتمنى من الله أنْ يُطيلَ عمرَك وأن يغمرك بوافر الصحة … لقد أرسلتُ لك صورتي لإفاجئك مَن أنا ، فالكلمة دونما صورة لا قيمة لها في هذا اليوم … إنها صورة خاصة بك ولك جداً جداً إذ لم يرَ صورتي إنسٌ قبلك أبداً . إنها آخر صورة لي فأرجو أن تنالَ إعجابك وتزيل دهشتك من أمر كتابتي لك دونما سابق معرفة بيننا . أنت بالطبع لا تعرفني لكني أنا ، أنا التي تعرفك حق المعرفة . عرفتك عن كثب بفضل ما تنشر من مقالات وبحوث وقد لفت أخي والكثير من صديقاتي نظري أن أتابع ما تكتب وما تنشر في المواقع من طريف الكلام والقصص والنقود. هل أفاجئك ـ أبا الطيب ـ أكثر ؟ إذا ً لا بأس من أن تعرف ، ولا أخفيك أمري ، أنك أنت شخصيتي ومثالي وحُلمي وفارسي مهما صَغُر عمري في نظرك وحسب تصوراتك وإجتهادك . هل أفاجئك بالمزيد ؟ لدي َّ إحساس قوي عميق أنك قريب ٌ جدا ً جداً مني وأنك تعرف أسراري فإنك أنت المتنبي … فلأكشفها أمامك جميعاً فليس من سر ِّ بيننا بعد اليوم وقد نفد الصبر ولم أعدْ أطيق السكوت ، ولطالما تمنيتُ أن أتعرف عليك منذ بدء تعرفي عليك في المواقع . ولكم تمنيتُ وحاولتُ مراسلتك لأقولَ لك [[ أنت مثالي وأنت حبيبي ]] ولأعبّر لك عن مدى إعجابي الشديد ولكم فرحتُ بقراءة مقالتك الأخيرة الموسومة (( المتنبي وحنان في عمّان )) … كم فرحتُ وكم سُعدتُ إذ قرأتها في العديد من المواقع .
أنا طالبة جامعية وأقيم في شقة قريبة من الجامعة … أخدم نفسي بنفسي فأنا طباخة ماهرة { وايد وايد } !!
سأجازيك بصورة لي جديدة عن كل مرة تذكر فيها إسمي أو تجعله تقديماً لبعض ما تنشر من كتابات هنا وهناك .
إعجابي ومحبتي لك … من حبيبتك المعجبة وإبنتك حنان )) .

هل أنهى المتنبي قراءة الرسالة ؟ لا أدري . مضى وقت طويل كنت خلاله مخدَّراً تخديراً كاملاً لا موضعياً لكأنني كنت تحت عملية جراحية طويلة معقدة. ما كنت أصدق ما كان يقرأ المتنبي . سألته ما تفسيره لمضمون الرسالة ؟ وهل هذه الفتاة الجامعية الصبيّة جادّة فيما قالت وما الذي دعاها أن تكتب ما كتبت لرجل في عمر أبيها وماذا تتوقع وتنتظر منه ؟؟!! فتاة ربما في سن المراهقة تحب رجلاً قرأت له بعض كتاباته ورأت صورته في بعض المواقع فإتخذت منه مثالا لها ورجلا لأحلامها حتى إنها قالت له إنها تحبه.
ما رأيك يا متنبي ؟ قال علمي علمك . وماذا أنت صانع بما أتاك به القدرُ ؟ قال لا أدري ، سأسلم أمري بيديك . ماذا تعني يا متنبي ؟ قال سأرجوك بكل حرارة أن تتولى أمر الرد على رسالة هذه الصبية الجامعية . أنا ؟ أنا أرد عليها نيابةً عنك يا رجل ؟ قال إي والله ، أنت لا غيرك ، فأنت أفضل من يجيد كتابة الرسائل ، أنتَ أنت وليس إبن العميد . شر البلية ما يضحك . هل سأقول لهذه الفتاة إني أنا المتنبي نفسه … أقصد نسخة مزوَّرة منه ؟ هل أقول لها إنه هو من كلفني بالرد على مكتوبها ؟ ماذا ستقول عنه وقد عرفته كاتباً جيداً فراسلته وأعربت له عن إعجابها وحبها ثم بعثت له بصورة حديثة لها تمَّ إلتقاطها خصيصاً لمناسبة تدشين مرحلة التعرف عليه .
حسناً ، سأردُّ يا متنبي لكنك أنت مَن سيواجه النتائج السيئة . قال ماذا تقصد ، أية نتائج سيئة ؟ هل نسيتَ يا متنبي شعرك الذي قلت فيه فأحسنتَ

كلما عادَ مَنْ بعثتُ إليها
غارَ مني وخانَ فيما يقول ُ

قال قد قلت هذا الكلام ذات يوم ولكن في شخص حاشاك من ذكر إسمه . أنت لستَ كباقي الناس . ثقتي بك لا حدودَ لها . توكلْ وأكتب رسالة جوابية لحنان نيابةً عني لا مسخاً لي ولا خيانةً لصديقك أبي الطيّب المتنبي . قلْ لها إن المتنبي يشكرك على كرم مشاعرك نحوه ويبادلك حباً بحب ولكن من نمط حب الوالد لكريمته المراهقة لا أكثر ولا أعمق . أكتب لها ما شئتَ فأنت الأقدر وقد وهن العظم مني وإشتعل الرأسُ شيبا . متى سأكتب يا صديق المهمات الصعبة ؟ الآن … الآن … فالعصبُ حام ٍ والحديدة حارّة والمشاعر في أوج عنفوانها والشوق للمزيد طاغٍ .
كتبتُ على لسان المتنبي جواباً لرسالتها وقد تأهبت ُ بالفعل لأمثل دور الرجل الأب ـ المحب ـ العاشق لإبنته < ألكترا > الإغريقية المعروفة .

الأربعاء الموافق 17.10.2007
الساعة الثامنة صباحا + 57 دقيقة

صباح الخير يا حلوة صباح الخير يا فاتنة صباح الخير يا بللورة نور مدينتك وكل مدائن الدنيا وكل عواصم العرب شرقاً وغرباً . كيف حال طفلتي التي شرفتني دون سابق معرفة فكتبت لي أجمل وأصفى الكلام ؟ كيف حال طفلتي الغالية والأكثر من غالية ؟ كيف حال إبنتي / حبيبة القلب والروح ؟ كيف حال سيدتي ومليكة المدائن ؟
صورتك ـ بصراحة ـ تجنن العاقل ، بكيف بالشاعر المحلّق أبداً بعيداً عن عالمي العقل والمنطق !! كلما تمعنتُ فيها أكثر طار مني المزيد من بقايا عقلي . ما هذا الجمال غير المسبوق يا مليكة الملكات ويا زينة الزينات وبهجة الأكباد وأحلى البنات ؟ من أين أتاك ومن أين أتيتِ أنتِ به ؟ لا أحسب أنَّ أبويك يشبهانك … كلا ثم كلا …ليس في الكون مِن شبيه ٍ لك ِ .
جمالكِ ساحر وعيونك آسرة تستعبد حتى جبل الصخر الأصم فتجعله يلين فيقعى راكعاً ساجداً أمام جبروتِ سحرك أيتها الحب الطاهر الملائكي النقي … يا بُنيتي ويا روحي ونسمة الحياة في صدري . سأعشق طفلتي وسأرفعها فوق صدري وأسيح بها في عواصم الدنيا والأسواق والشوارع الجميلة والمكتظة بالبشر . سأقبّلها عَلناً أمام الناس جهاراً نهاراً ولكن … أين ومتى وكيف ؟؟ في أي موضع سأسمح لنفسي أنْ أُقبّل طفلتي وحبيبتي وحبّة قلبي ؟ قولي لي رجاءً .
كيف ومتى سأستطيع أن أتمتعَ بشمّكِ وأنْ أغرقَ وأن أسكرَ بجنان وحنان عبيرك الطبيعي وعطر خديكِ ونعمة الخيال في رضابكِ ؟ ))

[ توقيع : بابا العاشق ].

كنت أقرأ للمتنبي أثناء الكتابة فكان يتابعني مغمض العينين خاشعاً صامتاً دونما أي تعليق . إذا ً … كان الرجل مرتاحاً لما كتبتُ نيابةً عنه وأصالةً عن نفسه . سألته مداعباً : هل سأطبعها على الكومبيوتر وأرسلها لها كذلك نيابةً عنك ؟ . فز َّ من حالة خَدَره ِ وإسترخائه بعنف مستكثراً ذلك عليَّ ثم قال : بل أنا سأرسل الرسالة إلى حنان . أضاف ، قد تبدّل وتغيّر في محتوى الرسالة في غيابي … تذكرتُ شعري إياه [ كلما عاد مَن بعثتُ إليها // غارَ مني وخانَ فيما يقولُ ] . !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *