الرئيسية » مقالات » الرئيس مسعود البارزاني العقلانية لدرء خطر الحرب ولمواصلة البناء

الرئيس مسعود البارزاني العقلانية لدرء خطر الحرب ولمواصلة البناء

ما اشبه اليوم بالبارحة ، لا جديد في الموقف التركي من القضية الكردية ، تدخل واجتياح وتحليق طائرات عسكرية وقصف مدفعي .. وكل ذلك يجري وسط تعتيم اعلامي وصمت دولي ، ولا نحتاج الى نباهة لكي نستعلم سبب ذلك . فتركيا محصنة ضد القوانين الدولية ومتطلباته نظراً لموقعها الأستراتيجي في الحلف الأطلسي ، وهي متهمة بالأبادة الجماعية ضد الأرمن في عام 1915 ، وقتلت عشرات الآلاف من الأكراد ، وهي ترفض إعادة النظر بتاريخها ، ولا تقبل بالممارسات العقلاينة في الوقت الحاضر أيضاً .
لم يفرض على تركيا عقوبات دولية كالتي فرضت على صدام رغم انها سيرت قواتها العسكرية ودباباتها وطائراتها واجتاحت حدود العراق وتوغلت في عمق كردستان العراق ولم تصدر بحقها اية إدانة او عقوبات لحد الآن .
إن المنظور الأخلاقي للعلاقات الدولية له معايير من الصعوبة بمكان تحديدها ، ويرى ميكافيللي ان الأعتبارات الأخلاقية غير مناسبة في السياسة لا سيما في العلاقات الدولية ، وهناك من يؤكد ان الدفاع عن المصالح الوطنية او القومية هي بدوافع اخلاقية ، فمثلاً اينما تجد الولايات المتحدة مصلحتها ، فتلك قيمة اخلاقية يجب اكتسابها ، إن التضحية بالمصالح من أجل أفكار متعلقة بالمبادئ الأخلاقية عملية غير واردة على الواقع الدولي إلا ما ندر . وحينما تنشب الحروب بين الدول في الغالب تكون اسبابها هي المصالح او الخوف على هذه المصالح .
بعد سقوط النظام في نيسان 2003 أدركت القيادة الكردية وفي مقدمتها الأستاذ مسعود البارزاني اهمية العقلانية وعدم الأنجرار وراء العواطف وردود الأفعال الآنية ، لم يكن ثمة مكان للثأر او المضئ بكردستان في طريق الأنفصال ، بل كان الأنخراط الكامل في عملية بناء العراق وأصبح الأكراد شركاء في اتخاذ القرارات من موقع بات فيه الكردي مواطن من الدرجة الأولى . من ناحية اخرى فأقليم كردستان لم يتخذ من مقولة مقاومة المحتل ذريعة لشن هجمات عشوائية على المدنيين وعلى رجال الشرطة وقوات التحالف ، فسلك سلوكاًً مغايراً بعيداً عن أقحام اقليم كردستان في مستنقع الأرهاب والفوضى باسم المقاومة ، وتمسك بديلاً عن ذلك بالعقلانية والواقعية ففرض النظام والقانون في الأقليم وواكب التنمية والبناء في المناطق التي كانت تحت إدارة الأكراد منذ تحرير الكويت في اوائل سنة 1991م . واصبحت كردستان المكان الأمين لعقد اللقاءات وانعقاد المؤتمرات وأصبحت محجاً لمختلف الأطياف السياسية على خلفية مساعي القيادة الكردية لأبرام توافقات وطنية وجهودها لتقريب وجهات النظر وتوحيد كل مكونات الشعب العراقي .
واليوم وأصبح اقليم كردستان البقعة الوحيدة من العراق التي يمكن زيارتها دون خشية من عصابات القتل والخطف والأرهاب . إن كردستان اليوم حديقة عراقية غناء للمجتمع العراقي بكل اجناسه وأطيافه الجميلة تحميهم قوة النظام والقانون .
يتعرض مركب كردستان اليوم الى عاصفة هوجاء من الرياح العاتية والأمواج العالية ، وليس هناك ما يعاضدها سوى شعبها المسالم وربان دفتها الرئيس مسعود البارزاني والقيادة الكردية .
تركيا التي يؤرقها هاجس انبعاث المارد الكردي من قمقمه تريد وأد كل تجربة كردية ناجحة على حدودها والأجهاز على كل فكر قومي كردي داخل الدولة التركية ، وهي تصر على قراءة التاريخ بسذاجة حيث لا تقر بالأعتراف بمذبحة الأرمن ولا تقبل بمنح الأكراد حقوقهم القومية التي تنص عليها لوائح حقوق الأنسان وحق تقرير المصير لكل الشعوب ، ولا تريد ان تقر ان للحرب ثمن باهض .
إن الأتراك يرمون بثقل عسكري كبير نحو العراق وعلى تخوم أقليم كردستان وأولى هذه الأشارات هي القصف المدفعي التي وصلت الى مصيف أينشكي وبرور وغيرها من المناطق ، وهي تنتظر موافقة البرلمان التركي للتوغل في الأراضي العراقية تحت ذريعة ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي .
ولنا ان نتساءل : ماذا عن موافقة برلمان وحكومة العراق ؟
وماذا عن موافقة حكومة وبرلمان أقليم كردستان ؟
هل المسألة شأن تركي داخلي صرف لا شأن للعراق او لأقليم كردستان بذلك ؟ وكأن استباحة أراضي العراق شأن يقرره البرلمان التركي . إن هذا الأفتراض ينطبق مع إقرار ان الحق يعني القوة ، وسط غياب او تغييب العامل الدولي الذي لا يقر هذا المنطق .
الأرض التي تقف عليها كردستان يحف بها المخاطر من كل جانب ، فالعامل الرسمي المتمثل في الحكومات المجاورة لا يسعدها رؤية أقليم كردي يرفرف على بناياته الرسمية علم كردي ويتاخم حدودها ، لاسيما تركيا ، اما الرأي العام العربي فكان الغالب عليه البروبغندا العروبية ، فالتيار القومي العربي وفي مقدمته حزب البعث كان يرى حقوق الأكراد تنحصر او يجب ان تنحصر في بعض الحقوق الثقافية والأقتصادية على الا تخرج من مظلة الأمة العربية او الوطن العربي او القومية العربية . ولا نريد الأشارة الى ما ارتكبه الحزب بحق الأكراد لأنه واقع معلوم ولا فائدة من العودة اليه .
هذه الدعاية كانت متفشية في اوساط الشعوب العربية لكن ما يمكن استنتاجه في هذه الفترة ان شرائح كبيرة من الشعب العربي قد أدركت وأقرت بأحقية الشعب الكردي للحصول على حقوقه كاملة ويذهب بعضهم الى درجة الأقرار بحق الأكراد في تكوين دولة مستقلة على أرضهم كردستان .
لكن كما قلنا ان هذا لايمثل الأوساط الحكومية . فتحشيد القوات التركية على الحدود والتحرشات والتهديد باجتياح اقليم كردستان بنظري ليس بقصد القضاء على مقاتلي حزب العمال إنما هو بقصد اجهاض تجربة الشعب الكردي لما لها صدى طيب في الداخل والخارج على حد سواء .
إن الأكراد يقطفون ثمار تضحياتهم ونضالهم والحكومة التركية والجيش التركي لا يسعدهما رؤية هذه التجربة تزدهر وتتقدم خشية من تكرارها في أماكن أخرى .
في الجانب الاخر فإن الحكمة تقتضي من القيادة الكردية وفي مقدمتها الأستاذ مسعود البارزاني ان يكون لهم رؤية شاملة عقلانية لأفشال هذا المخطط والذي يرمي الى منع الشعب الكردي قطاف ثمرة جهودهم وتضحياتهم وإجهاض التجربة الكردية وعدم مواصلة البناء ، إن كردستان التي لم تشهد استقراراً على مدى عقود واجتاحتها حروب متتالية ، مطلوب منها اليوم اكثر من أي وقت آخر ضبط النفس وعدم الأنجرار وراء الأستفزازات والنفخ في قربة الحرب ، وذلك من اجل انقاذ سفينتهم وهي تشق سبيلها وسط المصالح والتوازنات الأقليمية ، ان الورقة الكردية ينبغي ان يتعامل بها الشعب الكردي حصراً .
ان تجربة كردستان التي تجسدت في توفير الأمان والأستقرار والبناء والتعمير وفرض القانون ينبغي تعميمها على عموم أراضي العراق . نحن ندرك المعضلات والأشكالات والصعوبات التي تعترض سبيل التجربة الكردية الرائدة واجتياز العاصفة الهوجاء يحتاج الى قيادة عقلانية حكيمة وبنظري ان القيادة الكردية وفي مقدمتها الرئيس مسعود البارزاني مؤهلين للنهوض بهذه المهمة الصعبة .
حبيب تومي / اوسلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *