الرئيسية » الملف الشهري » جمعة كنجي نجمة مؤتلقة

جمعة كنجي نجمة مؤتلقة

ذكرتني مجموعة القصص القصيرة للأديب الراحل جمعة كنجي بشاعر انجليزي يدعى توماس كراي ، اذ يقف هذا الشاعر أمام مقبرة فقراء ليعاتب الزمن القاسي قائلا كم من عبقرية تحت هذا التراب وقد عتمها الفقر . واذ أضم صوتي الى هذا الشاعر وأنا بصدد الكتابة عن أديبنا القاص ( جمعة ) فاني اؤكد – زعما مني – ان ادبه جميل وجدير بالقراءة والتوثيق أيضا . وعدا بعض القصص التي لم ترقَ الى مصاف عمله العام ، المتسم بالجودة ، فان اسلوب كتابته لقصته ( كوخ على ممر الكرمل ) يتصف بعنصر التشويق ويكسو القارئ بلحظة نسيان شيقة بل بوهج دافئ ينقله الى مناخات الحدث . أما السجع الجميل لديه في ( المقامة التكريتية) فهو لون او جنس ادبي ميت استطاع ان يحييه بقوة المضمون الذي كتب عنه . أما لو حذفت اسم جمعة كنجي ووضعت اسم أي أديب معروف من ادباء اميركا اللآتينية وقصصهم القصيرة المليئة بالغرائبيات لمافرقت في الاسلوب مابين ادبه وادبهم وخصوصا في قصة ( القلعة القديمة ) . هناك قصص اخرى جميلة أيضا لكن امتدادات جمعة كنجي للأسف مبتورة بانتهاء حياته النضالية المرهفة والنقية . تقول انطولوجياه المسطرة في نهاية الكتاب أنه ” من مواليد 1933 ناحية بعشيقة ، أنهى الدراسة الاعدادية – القسم الأدبي سنة 1953 ، خريج الدورة التدريبية سنة 1954 ، عين مدرسا في مدارس سنجار والشيخان والموصل . التحق بصفوف الانصار بعد فصله من التعليم .
بدأ الكتابة في الصحافة العراقية عام 1954حيث نشر العديد من المقالات في جريدة فتى الموصل ، وبعدها في اتحاد الشعب وطريق الشعب والفكر الجديد . كان له اهتمام بالتراث ، ونشر العديد من المواضيع في مجلة التراث الشعبي . كتب القصص ، وله عدة مجاميع غير منشورة . نشر قصص الأطفال من خلال دار ثقافة الطفل عام 1985 .

اعتقل بسبب نشاطه السياسي لأكثر من مرة في عهود مختلفة ، وتعرضت عائلته للابادة بعد اعتقالها ومن ضمنها زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته وشقيقه وأولاد أخيه وأولادهم . وكان النظام البائد مصرا طيلة الوقت على عدم الاقرار بجريمته ، رغم تدخل السيد ياكوب ميلر ودير شويل ( منظمة حقوق الانسان ) .
منع من النشر في السنوات الأخيرة ، قبل استدعائه الأخير من قبل جهاز الأمن ، والذي تعرض بسببه الى سكتة قلبية في عام 1986 ….
يظل هذا الأديب القاص نجمة مؤتلقة في ذاكرة الأدب العراقي ، وخسارة مثل آلاف بل ملايين الخسارات ، والأوضاع المفجعة لحيوات الناس وابداعاتهم ومواهبهم ومصائرهم ، وان محبي جمعة كنجي وعاشقي أدبه ليدينون بالشكر والامتنان الى كل من وقف وراء طبع مجموعته القصصية …وياليت تظهر الى العيان قصصه الاخرى وآراؤه الأدبية .
اننا رغم ندم بعض أبطاله على الغفلة الصيانية التي سقط فيها شعبنا ، نلمس يد جمعة كنجي تشد على أيدينا وقلوبنا في نداءات أدبية انسانية محرضة على السلام وحق الحرية والبحث والسعادة . يقول جمعة كنجي في ( ذلك المسافر) على لسان أحد المسافرين وبلغة قصصية وشاعرية : ” ذات يوم جميل ، قبل أعوام قليلة ، هدمنا جدارا قديما ، لكننا لم نفكر كثيرا بطرح الأنقاض خارج المدينة !!! فعاد الآخرون وبنوا ذلك الجدار مرة اخرى ثم بنوه في غفلة منا ” . حقا انها غفلة العمر الصيانية حيث تعلو جدران العهد البائد ، ويكابد المسيرة شعبا وادباؤنا فيغدو طريق ( ذلك المسافر ) شعابا يعج بالثلج والفاقة والألغام ونقاط الحراسة والتفتيش والمتابعات الظالمة ، ومن ثم يستحيل الشعب العراقي بأجمعه مسلخا لمخططات الحروب والاذلال والسجون والمشانق أو المنافي والمغتربات ..الخ .
طوبى لجمعة كنجي في نشيده النابع من الروح والمعبأ بالجمال والحنين الى عالم السلام والمحبة والدفاع عن مظلومي ومعذبي الأرض .
وأخيرا ياليت تنتبه وزارة الثقافة العراقية مشكورة الى كتابات الأديب جمعة كنجي فتقوم بنشرها أو على الأقل باعادة طبع (ذلك المسافر) واحياءا لذكرى وفاته المصادفة في 18/10/ 1986 . وهناك متسع من الوقت لو قدمت الوزارة كتابه للشعب العراقي هدية من أحد القلوب الوفية للشعب والسلام والحرية قلب حبيبنا الغالي الشهيد جمعة كنجي .
انه وعطفا على ما أوردته عن الشاعر توماس كراي ، لابد من الاضافة في كون ظروف التشرد والاعتقالات وقساوة الحياة قد ضغطت بفعلها السلبي على حياة الملايين من الناس ومنهم اديبنا القاص الذي لو توفرت له سنون حياة أفضل لكان قد أبدع أيما ابداع ، لكن القتلة ومقبرة توماس كراي كانت بالمرصا د . ( ولمحبي قراءة النص الشعري المترجم ، لا بد من الرجوع الى ديوان نازك الملائكة حيث أغنت الشاعرة المكتبة العربية بترجمتها لهذا النص الجميل ) .

وأخيرا، عهدا للأديب جمعة كنجي بل أغلى العهود، بأن نعمل على هدي ٍ من محبة شعبنا والانتصار له وايقاد كل لحظة من عمرنا نجمة ً مؤتلقة في سبيله وفي طريق المبدع الأصيل جمعة كنجي ورفاقه في الأدب والنضال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *