الرئيسية » الملف الشهري » ليلة الوداع الأخيرة

ليلة الوداع الأخيرة

لازلت اذكر، وسأبقى اذكر، التفاصيل الدقيقة لليلةِ الأخيرة قبل أن اترك الدار في فجر الخامس عشر من تشرين الأول من عام 1978.. قضيت مساؤها بين التخلص من أوراقي، كي لا أدع شيئا ً مهما ً منها قبل أن اتأكد من تلفه وحرقه تماما ً في صفيحة التنك التي إسْتخدَمْتهَا كمِشْعل ومحرق فوق السطح التي كان يتصاعد منها الدخان بين الحين والآخر عندما القي المزيد من الأوراق فيها..

كنت أحرق حينها جزءً من روحي وفؤادي قبل أن تحترق تلك الأوراق وتتحول إلى دخان ورماد..

و في ذات الوقت أطيل النظر في وجوه أشقائي وشقيقاتي الواحد بعد الآخر، كنت أحاول أن أتفرس في وجوههم وملامحهم الواحد بعد الآخر إبتداءً من أصغرهم سنا ً إخلاص التي لم تكن قد بلغت السابعة من عمرها والأكبر منها أميل ومن ثم شامل وخيري و أمل وماجد وباسلة .
كنا موزعين من حيث الولادات بين دفعتين ، قبل دخول والدي السجن وبعد خروجه منه ، لذلك كان ثمة فارق بيننا كأننا جيلين..


كانَ قلق الليلة الأخيرة لا يدعني أغمض جفنا ً، وبقيت ساهرا ً أنتقلُ في أجواءِ الدار ، بعد أن نام أشقائي ، أراقبُ المحيط والشارع من فوق السطح تحسبا ً لطرقة باب غير محسوبة العواقب أو محاولة رجال الأمن تطويق الدار واقتحامه لأجل القبض عليّ ..

كنت قد قررت في حالة مجيئهم الإفلات منهم بالقفز إلى بيت الجار أو حتى رمي نفسي من السطح في محاولة للهروب.. ومع كل دقيقة كانت تمر كنت أقول يجب أنْ أخرج قبل أن يأتوا لأعتقالي ، ومع كل لحظة تمر أختلسُ النظر إلى أشقائي النائمين ،القي عليهم نظرة سريعة وأقول محدثا ً نفسي:

ستكون الأخيرة ، ومن ثم أتنقل بين الهول و الطارمة المواجهة لغرفة أبي وأمي ، ومن ثم أتسلق الدرج نحو السطح وبالعكس أنزل وأعيد الكرة لعشرات المرات ، وبين الحين والآخر أقول : لأغادر قبل أن يأتوا..
هكذا قضيت ليلتي الأخيرة ساهرا ً يقضا ً ، وحين دقت الساعة لتعلن الرابعة من ذلك الفجر حملت حقيبتي الصغيرة ،ونزلت من غرفتي بهدوء مودعا ً الجدران وزوايا الدار ، ومن ثم فتحت باب الغرفة التي ينام فيها أشقائي بهدوء، أطلت النظر إليهم..

نزلت الدموع على خدي ، كنت رغم الدموع ، أنقل نظراتي بينهم الواحد بعد الآخر موقنا ً إنه وداع طويل ،لأني إخترت طريق اللاعودة للظهور العلني ، طالما بقي النظام متربعا ً على رقاب البشر ، قررت الإختفاء والبحث عن وسيلة للمقاومة …

ورددت مع نفسي، بحزن وألم ، وداعا ً أحبتي قد يكون الفراق طويلا ً أو قد يكون الأخير، كنت قد عاهدت أمي أن أبقى حيا ً كي لا تبقى قلقة ً عليّ…

هاهي الذكرى تعود من جديد بعد ثلاثين عاما ً على ذلك الوداع ( وأنا اسجل شيئا ً من محنة تلك الأيام).. بقيت حيا ً كما عاهدت ُ أمي.. لكني إفتقدتها وإفتقدت عائلتي..
يا أمي لم أكن اعرف انه سيكون وداعا ً وفراقا ً وموت ! 

2 تعليقان

  1. المهندس منير الخزرجي

    نحيكم لهذه الالتفاتات الرائعة وعلى هذه المقاربة بين رمزية الثور وكلكامش . ويبدو ان كل ما لدينا من الموروث القديم هو محض تقريب وصور رمزية للواقع القديم وكأن ان الابطال اصحاب التاثير القوي يتناسبون والثيران.
    شكرا

  2. المهندس منير الخزرجي

    نحيكم لهذه المشاعر التي تشع من كتاباتكم ,على انها لايمكن ان تكون هي ذاتها ..ان المظهر الخارجي للمشاعر او اية حقيقة تعجز عنه اللغة ويبقى لطيفا في الوجدان ..وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *