الرئيسية » مقالات » الحصافة السياسية عند الأزمات ..!!

الحصافة السياسية عند الأزمات ..!!

نائب في البرلمان، ومستشار للسيد رئيس الحكومة؛ مهمتان ومسؤوليتان، ترقيان في المستوى، منزلة لا تقل أهمية من منزلة الوزير نفسه، بل وينبغي أن يحضى صاحبهما، بقدر عال من المعرفة والتخصص في المجال المنسب اليه ؛ فمن يجد نفسه في مثل هذا الموقع، فهذا يعني تحمله مسؤولية إخلاقية لما يتقدم به من إستشارة يترتب عليها تأسيس موقف معين أو إتخاذ قرار مناسب..!

وفي الشدائد والأزمات الحادة، يصبح دور المستشار في مثل هذه المراكز، أكثر أهمية وأعظم شأناّ ومسؤولية من أي وقت في الظروف العادية، ولعل فيما تظهره الأزمة القائمة اليوم بين العراق وتركيا، من دور وعمل المستشارين في مثل هذه الظروف، ما يوضح بعض صور هذه المهمة الشاقة..!

الأزمة العراقية – التركية الراهنة، وهي تلقي بضلالها على واقع العلاقات بين البلدين، لما تظهره من نذر الشؤوم بتصدع هذه العلاقات ، وما تبطنه من إحتمالات خطيرة وراء التلويح بالغزو العسكري من الجانب التركي لحدود العراق الشمالية، فهي ومن تحصيل الحاصل، تحدد ما تفرضه الحالة الموضوعية على الحكومة العراقية الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان، من بذل المزيد والمزيد من الجهود المشتركة لإحتواء الأزمة، وتجنب حالة تأزيم الأمور، والظهور بموقف متوحد أمام الطرف الثاني بما ينزع فتيل إحتمالات المواجهة العسكرية، مما يتطلب معه موقفاّ موحداّ في وجهات النظر، وإستثمار كل إمكانات الحوار والحل السلمي ودفعها بالطريق الذي يفوت الفرصة على من يريد الصيد في المياه العكرة..!

أمام هذه التحديات الخطيرة، يفترض المرء أن الجانب العراقي سيكون السباق الى منطق الحكمة والتعقل في إدارة مجريات هذه الأزمة، وهذا ما تلمسناه في الموقف الشخصي لكل من السيدين نوري المالكي و مسعود البارزاني، رئيس الوزراء ورئيس إقليم كوردستان، من خلال دعوتهما للحوار المباشر مع الطرف التركي، وهو موقف لقى إستحساناّ من قبل جميع محبي السلام..!

ولكن ومما يثير التساؤل والإستغراب، ما تداولته صحف اليوم 17/10/07 من تصريحات مستشار رئيس الوزراء النائب السيد سامي العسكري الى “راديو سوا” ، وتحت عنوان ” الأكراد لا يتذكرون أنهم جزء من العراق إلا في الأزمات “. (1)


وعلى عكس ما يفرضه واقع الحال، وما أشرت اليه فيما تقدم من موجبات مواجهة الأزمة الراهنة، ظهر علينا السيد المستشار بما يوحي بأن الأمر ليس كما توقعناه، وبعكس ما إفترضناه، بل وطبقاّ لتصريحه المذكور فإنه يوجه النقد الى الأخوة الأكراد قائلا:
“للأسف في الكثير من الحالات لاحظنا أن الأخوة الكرد ربما يديرون ظهرهم للحكومة المركزية ويعتبرون أن ما يجري في تلك المنطقة هو شأن كردي خاص بهم، وحين تواجههم الأزمات يتذكرون أنهم جزء من العراق وجزء من الحكومة العراقية وعلى الحكومة العراقية أن تدافع عنهم وتحميهم” :

ليس هذا وحسب، بل أن السيد المستشار راح بعيداّ في تصريحه المذكور، ليميط اللثام ويوحي، بان الأمور تجري وفق منظور آخر، لا كما يتصوره الآخرون، وكما يبدو أن الغالب على ذلك هو العمل الأحادي الجانب، حيث وطبقاّ لما يقوله السيد المستشار: “إن السيد الهاشمي لم يتشاور مع رئيس الوزراء ولكن رئيس الوزراء يدعم أي جهد إذا كان في المحصلة النهائية باتجاه نزع فتيل الأزمة”
وهذا في تقديري لا يعزز الموقف العراقي من الأزمة، بل على العكس من ذلك، فهو يشتت جهدها في إحتواءها ويخلق جواّ من زعزعة الثقة وضعف الموقف التفاوضي..!؟

مهما يكن من أمر، فإن ما يثير الإستغراب، هو أن يقدم السيد مستشار رئيس الوزراء وفي مثل هذا الوقت الحساس، ولا أعلم حدود مسؤوليات مستشاري رئيس الوزراء، على الإدلاء بمثل هذا التصريح، الذي أقل ما يقال فيه، إنه لا بعبر عن حصافة سياسية ولا يخدم مصلحة الجانب العراقي في عملية الحوار التي يسعى اليها من أجل نزع فتيل الأزمة على حد قول السيد المستشار، بل يعطي صورة ضبابية عن الموقف الحكومي، الذي يبدو في ظاهره غير موحد، الأمر الذي ما كان ينبغي له أن يعلن في هذا التوقيت غير المناسب،..!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *