الرئيسية » مقالات » محطات في حياة المناضل معن جواد (أبو حاتم) (2)

محطات في حياة المناضل معن جواد (أبو حاتم) (2)

عندما سمع بنشوب الثورة توجه من القرية إلى مركز المحاويل سيرا على الأقدام بين ماشيا ومهرولا لعدم توفر السيارات حينها ،وكانت تبعد بحدود 8كم عن المدينة،وعند وصوله أجتمع بالرفاق،وقرروا إسناد الثورة ،وقاموا بلصق الشعارات المؤيدة لها ورفعت اللافتات على واجهات المباني والدوائر،وفي اليوم الثاني قاموا بالتحشيد لمظاهرة كبرى شاركت فيها الجماهير المؤيدة للثورة ،جابت شوارع المدينة معلنة عن فرحتها الكبرى بالخلاص من الحكم الملكي المباد،فكانت مواكب العمال والفلاحين ومختلف الشرائح تهزج بأهازيجها الداعية إلى دعم الثورة وإسنادها والوقوف بوجه المعادين لها،وبعد انتهاء المظاهرة توجه إلى مركز الحلة والتقى بالرفاق في بابل،وخرجت الحلة عن بكرة أبيها للمشاركة في المظاهرة الجماهيرية الكبرى ابتهاجا بالثورة وإسناد لها،وتصدرت المظاهرة فنانة الشعب(زينب) التي كانت في الحلة وقتذاك،وكانت الشعارات المركزية للمتظاهرين تعبر خير تعبير عن تطلعات المواطنين في التحرر والحياة الكريمة والدعوة إلى الوحدة الوطنية ومواجهة العناصر المعادية للثورة التي أخذت تلملم صفوفها في محاولة لإفشال الثورة،مما جعل العناصر الرجعية والموالية للحكم المباد تنزوي في جحورها خائفة من يوم الحساب العسير.
وفي اليوم التالي قام بالتنسيق مع مسئول معسكر المحاويل،وتنظيم العلاقة معهم،لأن التنظيم العسكري كانت له ركائزه المهمة في القوات المسلحة ،وقد قامت هذه الركائز بالسيطرة على وحداتها،ومنع التحركات المريبة للقوى المعادية للثورة،كما حدث في الديوانية عندما حاول قائد الفرقة مع بعض الضباط بمحاولة التحرك بقطاعاتهم لإجهاض الثورة إلا أن اليقظة الثورية لرفاقنا تمكنت من احتواء الأمر وإلقاء القبض على المتمردين وإفشال الزحف المقرر إلى بغداد،لذلك كان للتنظيم العسكري أثره الكبير في نجاح الثورة ومنع التحركات المعادية للعملاء والمأجورين،وقامت المنظمة بفتح مقر للحزب في مدينة المحاويل،وربط التنظيمات الريفية بالمدينة،واختير لقيادتها،وأصبح مرتبطا بمحلية بابل مباشرة.
بعد دمج المدينة مع الريف،تحرك الرفاق لتشكيل الجمعيات الفلاحية الفتية،وكان لنشاطهم المحموم أثره في حشد أعداد هائلة من الفلاحين،مما جعل الحزب المهيمن على الشارع العراقي وأرعب القوى الموتورة التي لم تجد لها مكانا بين الجماهير،من سياسيي الصالونات والأحزاب البرجوازية التي لا تملك امتدادات مؤثرة في الشارع العراقي،ولنشاطه وتاريخه السابق تقرر تنسيبه عضو في محلية بابل،فحاول الاعتذار بقلة خبرته،وحداثة عمله بالتنظيم،إلا أن الإصرار المفعم بالأمر الصارم بضرورة الموافقة ونصيحة الرفيق الموسوي بأن العمل التنظيمي هو الذي يصقل المناضلين،جعله يتحمل المسئولية فأداها على أحسن ما يكون الأداء،وقام بمسؤوليته خير قيام،وكان أن أتجه الحزب لتفعيل دوره في أوساط الفلاحين وتشكيل الجمعيات الفلاحية ونقابات العمال العلنية والمنظمات الديمقراطية الأخرى فزج الحزب بخيرة كوادره للعمل الديمقراطي فكانت النتائج مذهلة لما رافقها من حسن التخطيط وجدية المتابعة،فأنصرف الفقيد للعمل في الجمعيات الفلاحية مع نخبة رائعة من الرفاق الجيدين يتقدمهم الشهيد البطل كاظم الجاسم الكادر والخبير في العمل بين الفلاحين،لما يتمتع به من ديناميكية عالية،واحترام في الأوساط الشعبية كافة،وتم تشكيل اتحاد الجمعيات الفلاحية في الحلة،وفتح مقره في منطقة(الحشاشة)،وتولى مسؤولية الاتحاد خالد الذكر أبو قيود كاظم الجاسم،الذي كان عضوا في اللجنة التنفيذية لاتحاد الجمعيات الفلاحية في العراق، فكان أن أخذت الجمعيات دورها في المجتمع الفلاحي،وتولت حل مشاكل الفلاحين بما فيها الخاصة بعد أن أنحسر دور الإقطاع وشيوخ العشائر،فكان الاتحاد يقوم بفض المنازعات الناشبة بينهم في مجال الأرض والعمل الزراعي،ومن النوادر التي أشار إليها في مذكراته،أنه حدث خلاف بين أحد الملاكين والفلاحين ،فأرادوا الشكوى في مركز الشرطة ولكن المالك قال لهم (لنذهب إلى حكومة الحشاشة لحل النزاع) وفعلا قام الاتحاد بحل الخلاف بما يرضي جميع الأطراف.
وكان لنشاطه الدائب أثر في تنسمه للعديد من المسؤوليات الحزبية والديمقراطية،وقد تقرر أن يتولى مسؤولية تحشد الفلاحين للزيارة المرتقبة لعبد السلام عارف إلى المحافظة،وقد لعب إلى جانبه دورا مؤثرا الشهيد كاظم الجاسم،وتمكنوا من أشراك آلاف الفلاحين والعمال والطلبة وسائر الفئات الاجتماعية،فيما حاول البعث وبعض العناصر الموتورة عرقلة هذه التحشدات،لوجود ارتباطات مشبوهة مع عارف،لكن الحزب تمكن من حشد جماهيره وأنصاره ومؤازريه،ورفعت اللافتات التي تتضمن الشعارات الوطنية الداعية لوحدة الشعب،وركز الحزب على شعاره الوحدوي( الاتحاد الفدرالي)بدلا من الوحدة الفورية الساذجة التي تطالب بها الأحزاب القومية ولم تتمكن من تحقيقها طيلة نصف قرن من الحكم القومي في البلدان العربية،فكان شعار(اتحاد فدرالي صداقة سوفيتية)طاغيا على الشعارات الأخرى،وعندما وصل عبد السلام عارف استقبلته الجماهير بالهتافات والأهازيج التي لا توائم ما يريد،وكان عريف الحفل الشخصية الوطنية(خليف العبد علي) شيخ البو طيف،وكان خطيبا مفوها فألهب الجماهير بكلماته الثورية الوطنية،وردد الشعارات المتفق عليها في المحلية،وكان إلى جواره عضو أنصار السلام صاحب حمادي الحسين وبيده حمامة بيضاء،وعند وصول عبد السلام عارف إلى المنصة أطلقت الحمامة العراقية المسالمة،وتعالى الهتاف والتصفيق مما أزعج عبد السلام عارف،لأن الهتافات لا تتفق والخطة التي أنتهجها في جولته بين الألوية العراقية،التي حاول من خلالها كسب الرأي العام لصالحه في صراعه مع الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم،فكانت خيبة أمله واضحة بما بان على وجهه من علائم الذل والانكسار،مما جعله يختصر الزيارة ويعود خالي الوفاض.
وفي مسيرة السلام التي نظمتها محلية بابل،كان لأبي حاتم أثره الفاعل في تحشد الجماهير للمساهمة في المسيرة،التي شاركت فيها محافظات الفرات الأوسط،وتصدرتها المناضلة الباسلة أم موسى من محافظة المثنى،فيما كان في الشرفة الرفاق باقر إبراهيم الموسوي،ومحمد حسين أبو العيس إلى جانب كبار الموظفين،وكانت شعارات المسيرة تدعوا للسلام والمحبة بين الشعوب،وانتهاج سياسة معادية للاستعمار،وكانت أغلب الشعارات من قبيل(عيني كريم للأمام ،ديمقراطية وسلام)وحدث أن أطلق شعار لم يكن ضمن ما أتفق عليه في المحلية،فقد ردد البعض(جبهة جبهة وطنية،لا تجميد ولا رجعية)فكان الشعار الطاغي على المسيرة،وقد حضي هذا الشعار على ما يبدو بإعجاب الرفيق أبو العيس،رغم أنه يعارض ما أتفق عليه،في محاولة التقارب مع الوطني الديمقراطي،الذي دعا لتجميد نشاطه الجماهيري في محاولة لإحراج الحزب وحسر نفوذه عن الساحة العراقية،وهو ما أشار إليه الشعار(لا تجميد)وكان المفروض أن يقوم الرفيق أبو العيس بإيقاف ترديده،لا سيما وأنا ندعو إلى جبهة وطنية تضم الأطراف الفاعلة في الساحة العراقية،والوطني الديمقراطي من الأحزاب التي تمثل البرجوازية الوطنية،وكان الشعار يساري وانعزالي وسبب الكثير من الإشكالات مع ممثل الوطني الديمقراطي في بابل،ومن المفارقات المضحكة تصور بعض الفلاحين بأن الشعار يدعوا لإلغاء التجنيد الإجباري فكانوا يرددون لا( تجنيد) ولا رجعية،وقد بذلت جهود لتصحيح الشعار من تجنيد إلى تجميد.
وفي 1 أيار 1959 تقرر أجراء مسيرة حاشدة لهذه المناسبة الخالدة،فكلف أبو حاتم إلى جانب الشهيد كاظم الجاسم بحشد الفلاحين،فكانت المشاركة رائعة وكبيرة،أرعبت القوى الرجعية التي هالها النفوذ الواسع للحزب في أوساط الجماهير،يقول”ومن الطرائف توجد نقابة للكيل والحمالة في بابل،والجدير بالذكر أن جميع القيادات النقابية العمالية على نطاق العراق باستثناء نقابة الكيل والحمل مقرها في بابل،وفي المسيرة يكون موقع النقابة باعتبارهم عمال قبل الفلاحين الذين كانوا بقيادة الشهيد أبو قيود،أنتفض الفلاحون وصرخوا بصوت عال(أبو قيود نحن يجب أن يكون موقعنا قبل عمال الكيل والحمالة،)وفعلا فعلوا ذلك رغم ما بذلنا من جهود لتهدئتهم،وعملوا فوضى في المسيرة،التقيت يبعضهم بعد انتهاء المسيرة،قالوا لي أبو حاتم(الله يرضى يوميا نعطيهم بخشيش)وموقعهم في المسيرة قبلنا،في الحقيقة هذه لقطة تدل على بساطة الوعي وعفوية التصرف)ص11 .
وكانت له أدوار رائعة في متابعة النشاط الديمقراطي في المحافظة،فهو من الناشطين البارزين في نقابة المعلمين قبل الثورة وبعدها،وفي الانتخابات التي جرت بعد الثورة كان رئيس الهيئة الإدارية بدر كاظم الحبيب والآن دكتور في أحد البلدان،وكان معن عضو الهيئة الإدارية،وأنتخب عضوا في السنة التالية،وبعد النكسة حدث ما حدث من تزوير للانتخابات وهيمنة عليها القوى الرجعية،وقد صدرت بحقه في 11 تموز/1959 مذكرة إلقاء قبض بسبب نشاطه وتنقله من مدينة إلى أخرى،وعلاقاته المتميزة مع الناس فأضطر للاختباء في دار أحد الأصدقاء،وبعد أيام نقل إلى بيت آخر كان غير مكتمل البناء ويقع في أحد الأحياء الحديثة،وزود بعدة الطبخ وفانوس للإضاءة،ومارس نشاطه التنظيمي من تلك الدار ،وكانت هناك طريقة متفق عليها لطرق الباب،وذات يوم أخبره صديقه أن صاحب الدار سيزوره ،واتفقوا على طريقة لطرق الباب زيادة في الحذر،وعندما جاء صاحب الدار سلم عليه فكان أحد معلميه الذين كان يشاكسهم أيام الدراسة،وعندما رآه معلمه السابق قال الحمد لله أستطاع الحزب أن يجعل منك شخصا آخر بعد أن كنت من الطلبة المشاغبين،حيث أنهم قالوا لي أن في بيتك أحد الرفاق الجيدين الأعزاء علينا، وظل في ذلك البيت عدة أسابيع صدرها بعدها ما يشبه العفو عن المطلوبين السياسيين،فطلب منه الحزب أن يسلم نفسه،فذهب إلى الشرطة وسلم نفسه حيث أودع التوقيف مع السجناء العاديين،وعندما أعترض قيل له أن مدير الأمن الجديد قد وصل وهو يقرر مصيرك،وكان مدير الأمن الجديد وجيه عبد الله صديق له وأبن قريته،وسبق أن زوده بأدبيات الحزب،وعندما جاء مدير الأمن الجديد طلب إحضاره أمامه وعندما شاهده عانقه عناقا أخويا وقدم له الشاي وأخذ يتجاذب معه أطراف الحديث،ثم أحال قضيته إلى أحد معاونيه،لأنه لا يستطيع التحقيق معه بحكم الصداقة،وفعلا حقق معه بصورة شكلية،ثم أعيد إلى الموقف وبقي أكثر من شهر،ثم أرسل إلى حامية الديوانية حيث مقر الفرقة الأولى بطلب من قائد الفرقة حميد الحصونة بتهمة العمل في القوات المسلحة،وسفر إلى الديوانية،وعندما عرف الرفاق في الديوانية بخبر وصوله إلى هناك،أرسلوا له ما يحتاجه واعتنوا به عناية فائقة،وبعد أيام مثل أمام المجرم حميد الحصونة قائد الفرقة الأولى المعروف بعدائه للشيوعية والشيوعيين وارتباطاته المشبوهة بالسفارة البريطانية،وعلاقاته مع حثالات العهد المباد،ومواقفه غير الوطنية المعادية لطموحات الشعب العراقي،فأستقبله بكلمات بذيئة سوقية لا يتلفظ بها إلا أبناء الشوارع ومن ساءت تربيتهم وعاشوا في المجتمعات الفاسدة،وقال له(كنت أ تـصورك هرقل،أذهب وأهتم بطلابك)وأمر بإطلاق سراحه،ولكن القوانين السائدة تحتم أعادته إلى الحلة ليتم أطلاق سراحه من هناك،وعند وصوله إلى الحلة وعرض أوراقه على القاضي رفض أطلاق سراحه لأن المادة القانونية التي أحيل بموجبها غير قابلة لإطلاق السراح،وظل في المعتقل أربعة أشهر أخرى وكان الفقيد عامر عبد الله مدعو لحفل مع الحاكم العسكري العام أحمد صالح ألعبدي،فطلب منه التدخل لتغيير المادة القانونية بمادة تبيح أطلاق سراحه،وقبل أن يطلق سراحه أخبره عريف المركز الذي تربطه به علاقة قوية،بأن الشرطة ألقت القبض على مسئول الحلة،وبعد ساعة جيء بالمسئول الجديد،فكان الرفيق جاسم الحلوائي(أبو شروق) فلم يسلم أحدهما على الآخر للتعمية على علاقتهما،وبعد أن نام الموقفين همس الحلوائي في أذنه(لقد أدعيت أني تاجر حبوب جئت من كربلاء لشراء بقاله)وكان سبب إلقاء القبض عليه،وجوده مع شهاب أحمد المعروف بنشاطه الشيوعي والمكشوف من قبل الأمن،والقي القبض عليه لتواجده معه ،وكان المفروض أن لا يسير مع شخص مكشوف،ولكن عدم الحذر كان وراء ما حدث،وبحكم العلاقة التي تربط معن بالشرطة تمكن من أٌقناعهم بتسفيره إلى كربلاء بسيارة خاصة لأنه أبن عمه،ولهم هدية خاصة وفعلا سفر الحلوائي إلى كربلاء،وأطلق سراحه من هناك.
وبعد أيام أطلق سراح معن من السجن فذهب لرؤية عائلته في المحاويل،وزاره الرفاق هناك لتكليفه بمهام جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *