الرئيسية » مقالات » الصدمة ..!

الصدمة ..!

في حوار مع أحد الساسة العراقيين (د.علي العلاوي) في إحدى الفضائيات وقد ، أعجبتُ بالتعبير الذي أتي به لمعالجة الوضع السياسي في العراق ، حيث قال نحتاج الى” صدمة ” لإعادة الساسة الى رشدهم ، صدق الدكتور في تعبيره هذا ولكن !

ولكن متى كانت الصدمات تفيد الدول العربية والإسلامية ، بينما إستفادت منها كثير من الشعوب وإن كانت تلك الصدمات كارثية ، فقد جاءت صدمة مؤلمة للشعب الألماني على نازيته وعنجهيته وتعاليه على بقية الشعوب ، وساقه هتلر ،عريف متهور كجمع مخدّر بالخطب الحماسية والحركات البهلوانية الى حرب طاحنة قاسية دمرت البنية التحتية الألمانية والشعب الألماني و سبب الكوارث لعشرات البلدان والشعوب وعشرات الملايين من الضحايا الأبرياء ، فأقنعت الصدمة الشعب الألماني بأنه كان على خطأ وترك تلك العنجهيات وأعلن التوبة !، وهكذا بالنسبة الى الشعب الإيطالي وفاشية موسليني ،وكانت الصدمة التي تلقاها الشعب الياباني قاسية جدا عندما إحترق بنار القنابل الذرية التي إستعملت لأول مرة ، وأطاحت بأحلام العنتريات العسكرية اليابانية التي تحدت دولا وشعوبا وإبتلت بعسكريها المغامرين ، شعوب جنوبي شرقي آسيا والصين ، إلا أن هذه الصدمة القاسية أعادت الرشد الى الشعب الياباني المسالم وطالت حتى مقدساتهم ، فتنازل هيرهيتو عن الوهيته وأصبح إنسانا عاديا يتمشى في الشوارع والحدائق كبقية البشر ، بعد أن كان الشعب الياباني يعتبره بمقام إلاه !! إن تلك الشعوب كانت ولا زالت شعوب واعية ووعيها نابع من إعترافها بالخطأ ولم تلق أو تحمّل خطأها على الغير .

أما عندنا في الشعوب العربية والإسلامية ،الذين يكررون بمناسبة وغير مناسبة أنهم خير أمة أخرجت الى الناس ،أي أنهم أمة لا تخطئ ، فكم نكبة وكم صدمة أتتهم منذ سقوط الدولة الإسلامية في بغداد ، دون أن يعترفوا بالخطأ أو التقصير للسبب المذكور ، ولكن كل الخطأ كان من الشيطان الرجيم والعدو اللئيم ، والحمد الله الرحمن الرحيم الذي لا يحمد على مكروه سواه ولا هم يحزنون !!، ومعنى هذا أنهم يعيد الكرة بعد الكرة ولم يقولوا التوبة بس هالمرة ! ويكرروها كل مرة ويقولون نعملها بس هالمرة ، وهكذا يستمرون على نفس السلوك طالما لاخطأ في سلوكهم حسب إعتقادهم وقناعتهم ، وقد يلجأون الى الأناشيد الحماسية ، علّها تعينهم على النجاح هذه المرة حتى توصلوا الى أكثرها حماسا وتخويفا للعدو ! وهو نشيد ” الله ..الله اكبر ، الله فوق المعتدي ..” وحاولوا أن يعوضوا بهذا النشيد الحماسي عن الفانتوم وعن الخطط العسكرية الذكية للعدو وغباء خططهم العسكرية ، كما دعموا هذا النشيد بخطب الجمعة ولكن دون جدوى .

وكم صدمة أتتهم بقضية فلسطين ثم يتأسفون على ما فات ولكن يكررونه بنفس الإسلوب وبنفس الأخطاء ، ودون أن يعترفوا يوما أنهم أخطأ ، لاسمح الله ، فهم خير أمة أخرجت ، كما ذكرنا أعلاه وأما الإسلاميين فرفعوا شعارا ” الإسلام هو الحل ” والحل عند هؤلاء ليس التطور ورفع معاناة شعوبهم ومكافحة الثالوث البغيض الفقر والمرض والبطالة والوصول الى ما وصلت بقية شعوب العالم المتطور ، بل قتل وأسر أكبر عدد من غير المسلمين حتى تدين كل شعوب العالم بدينهم أو يدفعون الجزية وهم صاغرون ! وإذا تحقق هذا لهم !! فلم يتوقفوا عن إكمال الحل ! بل يوحدون الطوائف ويعودوهم الى السراط المستقيم ، كالروافض وغيرهم وعلى قول الشاعر العربي ” وأحيانا على يكر أخينا … إذا لم ما لم نجد إلا أخانا ” ، والله في خلقه شؤون ! .

وما يهمنا هنا وضعنا في العراق ، لأن الدكتورالمحاور كان يريدها الصدمة للقادة العراقيين ليعودوا الى رشدهم ، وخاصة قادة الشيعة ، ولكن هل ستفيدهم الصدمة بل الصدمات ، فالصدمة التي أتتهم سنة 1991 التي يسمونها الإنتفاضة الشعبانية ! بل الكارثة الشعبانية ، كانت قاسية لهم وللضحايا الأبرياء غيرهم دون أن يعترفوا أن الخطأ كان خطأهم برفعهم شعارات دينية متطرفة لا علاقة لها بما كان يريده الشعب العراقي ولا التحالف ، مما أعطى إنطباعا للتحالف أنه إنقلاب بما يشبه ثورة الخميني بل جزء متمم لتلك الثورة مع تدفق الحرس الثوري الإيراني لما يشبه إحتلال جنوب العراق بما ما يحتويه من آبار النفط ،ورأوا أن صداما ضعيفا لايهدد الجيران أهون من ملالي العراق وإيران !! فضربوا العصفورين بحجر ،ضرب الملالي وزيادة الحقد على صدام من الأهالي وقالوا أن الأمريكان نكتوا بنا !!

إلا أن قادة الشيعة لم يتعلموا درسا من الصدمة الشعبانية كما ذكرنا أعلاه ، بل كرروا التجربة في 2003 ورفعوا نفس الشعارات ودعموا شعاراتهم بتشكيل وتسليح المليشيات المنضبطة والمنفلتة مدعومة من إيران الملالي ومن دولارات النفط المنهوب وسمحوا لتدفق المخابرات والإستخبارات الإيرانية وعصابات الإغتيال على الهوية بالتدخل والإنتشار وخلقوا رعبا في بقية الطوائف والبلدان المجاورة ودول التحالف ، ولم يدرك الشيعة ولم تعيدهم تلك الصدمة ، الصدمة الشعبانية الى رشدهم ولم يعترفوا بخطأهم وبخطأ تلك الشعارات ،وأخلوا البلاد في نفق الطائفية المقيتة وإعتقدوا أنهم جاءوا ليبقوا !!

إن نفق الطائفية الذي أدخلوا البلد فيه قد لا يخرجون منه بسلام ، عدا أن ضحاياهم لا تقل عددا عن ضحايا الطوائف الأخرى ، ويبدو أن صدمة جديدة تقترب منهم ، فقد بدأ الإئتلاف يتفكك ، بل التصارع المسلح والصراع بين الإخوان في الإسلام الشيعي أخطر من القتال مع الأعداء ،هذا وفي الوقت الذي بدأت العشائر السنية بمحاربة القاعدة العدو لكل العراقيين ، في هذا الوقت لا زال الشيعة مشغولون بالزيارات ومهرجانات البكاء واللطم على الحسين ، وقادتهم مشغولون بالصراع على دولارات النفط والصراع على الكراسي وإعطاء المكان غير المناسب للشخص غير المناسب !! وسمحوا لأنفسهم أن يتولى أمورهم ويقودوهم مراهقون جاهلون إلا من حفلات البكاء واللطم ، مراهقون من أمثال مقتدى الصدر وعمار الحكيم وأمثالهما لا لسبب إلا لأنهم من أحفاد السلف المعصومين !.

إن أكبر خطأ يقع فيه أي حاكم عندما يعتقد ويصر على أنه جاء ليبقى !، كما قالها أحمد حسن البكر ، عندما وصل الى كرسي الرئاسة بإنقلاب سنة 68 بجهود غيره ، قال ” جئنا لنبقى ” ! وهذا ما يقوله الآن قادة العراق وخاصة الشيعة منهم الذين جاءوا بجهود غيرهم ، دون أن يعلموا أن هذا الطريق ” طريق جئنا لنبقى ” حتما يقودهم الى الدكتاتورية المقنعة والمغلفة بشعارات الديمقراطية والوحدة الوطنية .

متى يتعلم هؤلاء دروسا من الصدمات ويعترفون بأخطائهم ويصححوا سلوكهم كغيرهم من الشعوب ؟ ربما لن يحدث هذا لأنهم سادة أحفاد المعصومين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *