الرئيسية » مقالات » المتنبي وإبن بطوطة ( مداخلة إشتراكية رمزية ) / إلى مليكة الحنان في عمّان

المتنبي وإبن بطوطة ( مداخلة إشتراكية رمزية ) / إلى مليكة الحنان في عمّان

المتنبي والرحالة إبن بطوطة

طلب أبو الطيب المتنبي مني أنْ أصطحبه لزيارة إسبانيا ( فردوس العرب المفقود ) كما يصر على تسمية هذه البلاد . قال سمعتُ أنَّ الرحالة المغربي الشهير إبن بطوطة في زيارة دبلوماسية قصيرة للعاصمة الإسبانية مدريد وإنها لمناسبة نادرة الوقوع أن نلتقيه هناك ، ولربما ننجح في ترتيب لقاء إستثنائي يجمعنا جميعاً والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي . قلتُ لصاحبي إنها لاريبَ فكرة رائعة يا أبا الطيب ولكن ، من قال لك أنَّ وقت الدبلوماسي إبن بطوطة يسمح له بلقاء آخرين طارئين على مدريد ؟ ثم من قالَ لك إنَّ المرحوم البياتي ما زال مقيماً هناك موظفاً في المركز الثقافي العراقي ؟ قال أما الأولى فلا من ضمان لديَّ عليها وحولها ، أما الثانية فإني أؤكد لك أنَّ الشاعر المرحوم ما زال هناك يرتاد مقاهيها ولا سيما مقهى [ مانيلا ] الغاصّة بمخبري وشرطة السفارة العراقية من عراقيين وعرب رجالاً ونساءً . سألته هل يعرف عنوان إقامة إبن بطوطة في العاصمة مدريد ؟ قال إنه مقيم في كل زاوية ومكان فيها . سوف نجده أينما ذهبنا فإنه رجل معروف هناك بل وصاحب سطوة وسلطان . لقد عينته حكومته سفيراً لها فوق العادة بعد أن وجدت فيه كافة متطلبات العمل الدبلوماسي من لغة ولباقة ومعرفة دقيقة بتأريخ الشعوب والأمم فضلاً عن الجغرافية . أصبح الرجل موسوعة ثابتة ومتحركة بعد أن أنفق ربع قرن من حياته متجوِّلاً في شتى أصقاع العالم ولا سيما الأجزاء الشرقية من المعمورة كالهند وآسيا الوسطى ثم الصين. سألته : وهل سيتقبل فكرة أن نجتمع أربعتنا في مقهى مانيلا ، أنت وهو والبياتي وأنا ؟ قال ولِمَ لا يتقبلها ؟ إنها لفرصة نادرة الوقوع في تأريخ البشر أن نلتقي نحن الأربعة في مدريد . قلت إنما أقصد إنكم ثلاثة رجال معروفين لكن َّ رابعكم رجل مغمور مجهول الهوية والوطن !! قال لا عليك ، لا تكنْ سوداوي المزاج … ستكون بعد تمام هذا اللقاء رجلاً مثلنا معروفاً إذ ستكتب الصحف عنك كما دأبت أنْ تكتب عنا ، نحن الثلاثة الباقين . ستكتب عن هذا اللقاء صحف بغداد ولندن والقاهرة ودمشق وعمان . ستتبارى كبريات الصحف في نشر أخباره وأخبارنا . لقد أضعتَ ـ واصل صاحبي كلامه ـ الكثير من الفُرص الجيدة في حياتك فلا تدعْ هذه الفُرصة تفلت منك . كنْ { براغماتياً } … كنْ { علمانياً } … كن لُب { رالياً } … كنْ { مسقفاً متأمركاً } كأولئك الذين أعرف وتعرف ممن إنتهزوا وتسلقوا سريعاً وأكلوا الحرام في كافة الموائد والذين يكثرون الثرثرة والكلام الفارغ في أي شأن وأمر يخطف سريعاً في سماوات العراق اليوم . كنْ مرناً بعض الشئ … جاملْ وإصطنع المداراة … هل نسيتَ شعري الذي قلتُ فيه :

ومن نكدِ الدنيا على الحرِّ أنْ يرى
عدوَّاً له ما من صداقته بدُّ ؟؟

لا لم أنسَ قولك هذا يا أبا الطيب لكنه مخالف جذرياً لما أحمل من خُلق وتواضع . وقد سبق وأن لامك عليه عدد من نقادك والكثير من خصومك .

وصلنا مدريد على متن إحدى طائرات خطوط برلين
Air Berlin
المخفضّة جداً جداً فوجدنا إبن بطوطة في إستقبالنا على أرض المطار . أدخلنا في القسم الخاص بحملة جوازات السفر الدبلوماسية وجاءت حقائبنا خلفنا يحملها بعض موظفي مطار مدريد . بعد الإستراحة وتناول القهوة وبعض المرطبات أخذنا الرحالة الشهير في سيارة المانية سوداء مغطاة النوافذ إلى مقر إقامته في ضواحي العاصمة . فيلا أنيقة محاطة بغاب كثيف الشجر لا يحرسها أحد سوى كلب ضخم مدرّب . قال ما رأيكما في قيلولة قصيرة يليها حمام ماء ساخن ووجبة طعام سريعة مختصرة مع القهوة ثم نتجّه جميعاً نحو مركز مدينة مدريد حيث مقهى ( مانيلا ) لنتمتع بلقاء نادر مع الشاعر المرحوم عبد الوهاب البياتي ؟ وافقتُ على الفكرة لكنَّ صاحبي المتنبي تحفظ عليها بكل جديّة . قال فلنرجئ النزول لقلب المدينة إلى الغد . ما زلنا تعابى وقد أنهكنا السفرُ والبياتي قد غدا في متناول أيدينا نطاله متى وكيف شئنا . سألته معترضاً : وماذا عسانا فاعلين بأنفسنا ووقتنا خلال ما تبقى من يومنا هذا ؟ قال سنمكث الليلة مع الرحالة العظيم في قصره المنيف الذي لا تضاهيه قصور خلفاء المنطقة الخضراء في قلب بغداد . أجلْ ، سنمضّي الليلة نتسامر ونتجاذب أطراف الحديث خاصةً ولديَّ سؤال يقلقني كثيراً أودُّ أن أوجهه لسيد الرحالة والمرتحلين والمترحلين … المهجّرين والمهاجرين والمتهجرين من أصحاب الهجير . ما سؤالك يا متنبي ؟ سأل إبن بطوطة . أجاب المتنبي : ما دمتَ يا صديقنا ودولة إبن بطوطة قد زرت الهند والسند والصين وبلاد الترك والمغول والتتر والمسقوف … فلا بدَّ وأنك خلال أسفارك هذه قد سمعت بقصة ذلك الرجل الذي شاء حظه أن يكمل دراسته في جامعة موسكو ، ثم يغادر موسكو عائداً إلى بلاده البعيدة . وعُرف عنه فيما بعد أنه كان كثيراً ما يتمنى أن يموت في بلد شيوعي أو إشتراكي . كان إبن بطوطة مصغياً لحديث أبي الطيب . مرّت فترة صمت قصيرة فبادر المترحل الشهير إلى القول : نعمْ ، سمعت هذه القصة ونسيتها لكنك الآن جعلتني أتذكرها . إنها لقصة عجيبة لا يصدقها إنسانٌ عاقل . نعمْ ، ما دمتَ تعرف أولياتها فسأقص عليك خاتمتها الأغرب من كل خيال . قالوا إنَّ هذا الشخص الذي أتم دراسته في بعض الجامعات الروسية كان قد حاول مراراً أن يزورَ موسكو لكنه لم يستطع الحصول على تأشيرة دخول [ فيزا ] الأراضي الروسية . قال له القنصل الروسي في السفارة إنَّ ذلك ممكن في حالة واحدة فقط . أنْ يوجه له أستاذه المشرف على دراسته أو رئاسة القسم الذي أنجز أبحاثه فيه … أن يوجّه َ أحدهما له دعوة رسمية لزيارة القسم والجامعة للإطلاع على آخر منجزات العلم والتكنولوجيا وما نُشر من كتب وبحوث في مجال إختصاصه . قلت معلقاً على عجل : إذا ً قد حلوا له المشكلة . قال إبن بطوطة لا تكنْ عجولا ، إنتظرْ قليلاً . كتب المسكين رسائلَ لرئاسة القسم وللبروفسور الذي كان مسؤولا ً عنه وعن أبحاثه ينقل للجميع موقف السفارة الروسية من هذا الأمر . كيف كان الرد ؟ لم يجبْ رئيس القسم فقد كان طريح الفراش في غيبوبة طويلة . أجاب البروفسور (( ولكن عن طريق إحدى الباحثات العلميات )) إنه لا يرى أية مشكلة في الموضوع وأنَّ بإمكان تلميذه السابق زيارة موسكو متى ما يشاء بدون الحاجة لتوجيه دعوة رسمية !! عرب وين طنبورة وين ؟ علّق أبو الطيب المتنبي في حين كنت غائباً لا أدري أين ، غير مصدق لما يحدث أمامي من قصص . وأخيراً ماذا جرى لهذا الشخص الذي وضع نصب عينيه أن لا يموت إلا في بلد إشتراكي أو شيوعي بعد أن حُرمَ من زيارة البلد الذي درس فيه ونشأ وتربى وتثقف ؟؟ سأل المتنبي . إقترح إبن بطوطة فترة إستراحة قصيرة قبل أن يجيب عن هذا السؤال . تناولنا كؤوس الشاي وملحقاته مما تيسر من حلويات إسبانبا مع فاكهة التين والرمان السكري والبطيخ الأصفر فائق الحلاوة . دخنَّ المتنبي وتخفف إبن بطوطة من بعض ملابسه فقد إرتفعت حرارة الجو وتعالت الإنفعالات والفضول . قال إبن بطوطة الرحالة : سمعت أخيراً أنَّ هذا الشخص العجيب الوفاء النقي السريرة قرر أن يزور العاصمة الجيكية [ براغ ] بعد أن عجز عن زيارة موسكو في سالف الزمان وزهد من ثم َّ في رؤيتها بعد أن هانت وذلت وتبدلت وصارت تستقبل كل من هبَّ ودبَّ من سياح البشر وكل من يحمل في جيبه دولاراً أمريكياً . زهد فيها فقال فلآجرب غيرها فعزم على زيارة عاصمة أخرى كانت في يومٍ ما إشتراكية . وهل نفذَ عزمه ومشروعه يا ترى يا إبن بطوطة ؟ سألتُ . قال نعم ْ ، قد نفذَّ رغبته ولكن يا للعجب !! إشرأبت أعناقنا صوب محدثنا نروم معرفة ما حصل لهذا الرجل الغريب الأطوار الذي طردته عاصمة شيوعية حياً {{ لم تستقبله }} فآثر أن يموت في عاصمة كانت إشتراكية !! صمت إبن بطوطة طويلاً مفكراً منقبض الجبين لا يرفع رأسه لكأنَّ في الأمر الكثير من الحرج . ما تجرّأنا أن نحثه على مواصلة الكلام . دخلنا معه في لجّة عميقة غيبية متلهفين لسماع نهاية القصة الشديدة الغرابة . رفع الرحالة أخيراً رأسه وشرع يتكلم ببطء فقال : كان وحيداً في مدينة ( براغ ) يجوب الشوارع ويزور المخازن ويرتاد المقاهي والمطاعم ويقوم بجولات طويلة على ظهر يخوت تمخر نهر ( فولتافا ) . يكرر ذات البرنامج نهار كل يوم حتى تسرب إليه الملل فقرر أن يحدث تغييراً في مجرى حياته هناك . راودته نفسه أنْ يدخل ذات مساء واحداً من نوادي قمار الروليت الأمريكي وما أكثرها في ( براغ ) . إختار نادياً يقع في أحد فنادق النجوم الخمس في قلب المدينة . سجلوا إسمه في جهاز الكومبيوتر وإلتقطوا له صورةً ثبتوها بإزاء إسمه ورقم جواز سفره . وجد الصالة الواسعة جميلة أخاذة ً جذابةً تدور فتيات ٌ في عمر الصبا بين الضيوف لتوزيع شتى أنواع المشروبات دون مقابل . وقع نظره على إحدى مناضد الروليت يتحلق حولها عدد كبير من المقامرين والمقامرات أكثرهم وأكثرهن من جنوب شرق آسيا … الصين ؟ كوريا ؟ تايلاند ؟ الفليبين ؟ صعب الفرز ومعرفة الجواب . بدأ اللعب بالمقامرة على الأرقام الدائرة مع العجلة الدوّارة . ربح من ربح وخسر من خسر وكان حظه بادئ الأمر مع الرابحين . إنسحب من خسر وتبقى من ربح . وكانت كؤوس المشروبات تترى على اللاعبين . تناول كأسين من البيرة القوية ثم طلب عصير برتقال تلاه كأس ماءٍ معدني فأتاه هاجس غريب يشبه الوحي الخفي ينصحه لأن يقامر ثقيلاً على ( الصفر ) لا على سواه . وضع بالفعل مائة ( يورو ) على الرقم صفر ودارت العجلة الدوّارة ومعها الكرة البيضاء الصغيرة تخالف إتجاه دورانها وفيها كل أسرار اللعبة الخبيثة . بعد فترة لم تطل وقعت الكرة البيضاء على الرقم (( صفر )) فربح صاحبنا مبلغاً مقداره 100 مضروباً في 35 كما تقتضي أصول اللعبة ، أي إنه ربح ( 3500 يورو ) . أورا أورا صاح بعض جيرانه من اللاعبين مهنئين . لم يتحرك …ظلَّ مسمَّراً في مكانه وعيناه مثبتتان على الرقم صفر في العجلة… لم يجبْ ولم يتجاوبْ … بعد لحظة سقط على الأرض ميتاً !!
سادت فترة صمت مهيبة طويلة . قرأ المتنبي الفاتحة ثم دخّن سيجارة . أترع إبن بطوطة كأس شاي ثقيل آخر . أما أنا فقد غرقت في حالة صمت لم أعهدها من قبلُ . كيف تحققت نبوءة هذا الرجل ؟ كيف أراد أن يموت في عاصمة إشتراكية أو كانت يوماً ما إشتراكية ولماذا الموت في آثار وبقايا إشتراكية درست في مهودها ومواطنها ومنابتها الأولى ؟؟ لماذا ؟؟ لماذا ؟؟ مات رابحاً في منطقة الصفر . مات في عاصمة بديلة لموسكو التي حرموه من رؤيتها فإنتقم منهم فإختار عاصمةً آخرى بديلة ً ليموتَ فيها كانت يوماً أختاً أو نظيراً وظهيراً لموسكو .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *