الرئيسية » مقالات » الأحزاب الكوردية والعوامل الكامنة وراء انشقاقاتها

الأحزاب الكوردية والعوامل الكامنة وراء انشقاقاتها

قبل الخوض في التفاصيل والبحث عن العوامل والأسباب الكامنة وراء الانشقاقات والتمزقات في جسد الحركة السياسية الكوردية وأحزابها وتياراتها، لا بد من التأكيد على أن هذا الموضوع قد أخذ – وما زال – الكثير من الجهد والاهتمام به، إن كان من قبل الشارع والجماهير الكوردية أو من قبل المهتمين بحقلي الثقافة والسياسة الكورديتين؛ حيث كتب – وما زال – العديد من المقالات والدراسات بخصوص هذه القضية وكذلك أقيمت الكثير من الندوات والمحاضرات عنها وذلك كونها تهم الجميع من جهة ومن الجهة الأخرى، تعتبر هذه المسألة والقضية الإشكالية؛ انشقاقات الأحزاب أحد أهم العوامل التي تضعف القضية الكوردية وتسلب منها أسباب القوة والمنعة والعمل الجاد وذلك على كافة المسارات السياسية والفكرية والنضالية – الجماهيرية وحتى الإعلامية وذلك ضمن الساحات جميعاً؛ إن كان ضمن الساحة الإقليمية (إقليم كوردستان سوريا) أو في الساحة الوطنية السورية وكذلك على الساحة الكوردستانية والدولية عموماً.

ولذلك وانطلاقاً من الحرص والمسؤولية والواجب أولاً؛ كان علينا أن نقف عند هذه المسألة بجدية وموضوعية أكثر – لا ندعي أننا أكثر حرصاً وجديةً من الآخرين، ولكننا نحاول هنا أن نسير على خطى الذين سبقونا إلى تحليل هذه المسائل والمواضيع والخوض في جزئياتها بنوع من المكاشفة العلنية لعلنا نستخلص بعض النقاط ونلقي الضوء عليها – وبالتالي أن نتناول القضية من جوانبها المتعددة لنقرأ بين السطور، ما كانت الأسباب والدوافع الحقيقية التي أودت بالحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا (البارتي) إلى التمزق والانشقاق لأول مرة في كونفرانس 5 آب لعام 1965م ومن ثم لتتلاحق الانشقاقات في الأحزاب المنشقة أصلاً عن (البارتي)، إلى أن نصل إلى يومنا هذا والتي بات يصعب على المهتم بالشأن العام والكوردي على وجه التخصيص أن يلم بأسماء مجموع الأحزاب الكوردية في سوريا ناهيك عن البرامج والأجندة المطروحة من قبلها وإن كانت هذه (البرامج) تتشابه وتتقاطع في مجمل – إن لم نقل في كل – القضايا المطروحة من قبلها.

إننا ومن خلال قراءتنا لتاريخ ووثائق الحركة السياسية الكوردية في سوريا وبتياراتها وأحزابها المختلفة وكذلك من خلال (معايشتنا) وحضورنا داخل المشهد السياسي الكوردي ومنذ ثمانينات القرن الماضي، استطعنا أن نستخلص ونستشف مجموعة من الأسباب والعوامل – قد سبق الإشارة إليها (على الأقل إلى بعضها) سابقاً من قبل العديد من المثقفين والكتاب والمهتمين بالشأن السياسي العام وبهذه الدرجة أو تلك – والتي وقفت وما زالت تقف وراء حالة الانقسام والتشرذم هذه في جسد الحركة السياسية الكوردية، بحيث نستطيع أن نضمنها داخل العاملين التاليين: العامل الداخلي – الذاتي (الأنا النرجسية) ومفهوم السلطة المطلقة للأب القائد للقبيلة – الحزب والعامل الآخر هو العامل الخارجي؛ تدخل أطراف وجهات سياسية وأمنية بغية تفتيت وإعادة هيكلة الحركة السياسية الكوردية وأحزابها في سوريا – بدايةً كان البارتي فقط – وذلك خدمةً لمصالحها وأجندتها السياسية، ودون أن ننسى المناخ السياسي العام والذي كان سائداً في منتصف القرن الماضي من خلال المد الثوري لمفاهيم اليسار والاشتراكية.

وهكذا وبالعودة إلى العامل الأول: الداخلي – الذاتي وسلطة (الأب) المطلقة ومن خلال دراسة الشخصية الشرقية وسيكولوجيتها عموماً والكوردية خصوصاً، نجد بأن مفهوم السلطة المطلقة (للزعيم) وغياب الوعي السياسي – المؤسساتي في مجتمعاتنا تقف وراء العديد من حالات الانقسام على الذات وبالتالي التشرذم وتشتيت القوى والإمكانيات والجهود، حيث أن حب الفرد في التسلط والهيمنة والتفرد بالسلطة ضمن (مملكته، قبيلته وكذلك حزبه) هي غريزة حيوانية – بشرية ويدفعه؛ أي (المتسلط) لأن يمارس كل الوسائل الشرعية – واللاشرعية – للحفاظ على سلطته وبالتالي القضاء على الخصوم والمنافسين وذلك في ظل غياب شبه كامل للدستور والأنظمة المدنية القانونية وكذلك الدور المؤسساتي في تسيير حياة تلك التجمعات البشرية وبالتالي غياب كل ما يمت إلى الحياة المدنية من قيم ومفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية والمشاركة في السلطة وتداولها سلمياً. بل تحل عوضاً عنها جملة (قوانين وأحكام) عرفية عسكرية مستبدة؛ غايتها الحفاظ على (الملك – الزعيم) وسلطته المستبدة، وهكذا يكون أي خروج على (الزعيم) يعني التمرد والخروج – بل الطرد – من (الجنة، القبيلة والحزب) ليقوم (الزعيم الجديد) بتأسيس قبيلته – حزبه وفق (رؤاه ومنهجه) ولترسيخ زعامته.

أما العامل الآخر والذي يتعلق بالتدخل الخارجي في حياة ومسيرة الحركة السياسية الكوردية في سوريا؛ أي تدخل القوى والأحزاب الكوردستانية من خارج إقليم كوردستان (سوريا)، فإننا نقول صراحةً: فإن كانت هي (أي تلك التدخلات) مبررة ومفهومة – من قبلنا على الأقل – وذلك من حيث التأسيس وانطلاقة الحركة (البارتي) كونها جاءت من خلال نشاط عدد من المثقفين والناشطين الكورد الذين (أتوا) من خارج هذا الإقليم وتحديداً من إقليم كوردستان (تركيا) بعد الانتكاسات التي منيت بها الانتفاضات الكوردية هناك، من أمثال: نور الدين ظاظا (السكرتير الأول للبارتي) وكذلك كل من أوصمان صبري (آبو) والعائلة البدرخانية – وإن كان جل اهتمام هذه العائلة العريقة ينصب على الجانب الثقافي المعرفي منها على الجانب السياسي الحزبي – وكذلك غيرهم من رواد الحركتين الثقافية والسياسية داخل هذا الإقليم الكوردستاني. وللعلم كانت كوردستان سابقاً مقسماً إلى إقليمين فقط، وليس أربعة أقاليم، وكانت خاضعة (أي الإقليمين القديمين) لنفوذ كل من الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، حيث كانت سوريا خاضعة، بمجموع أقاليمها، لنفوذ السلطنة العثمانية وهكذا فلم تكن تعتبر الارتحال من وإلى جانبي ما يعرف اليوم بطرفي الحدود السورية التركية إلا نوع من (الهجرة) الداخلية؛ داخل إقليم كوردستان.

نعم.. وإن تفهمنا وأستوعبنا الحالة السابقة من شأن (التدخل) والتداخل في شؤوننا الجغرافية والتاريخية – الحضارية وكذلك السياسية، إلا أن هذا التدخل – وتحديداً الجانب السياسي منه – قد أضر في الكثير من الأحيان بالوجود الكوردي وحركته السياسية داخل هذا الإقليم؛ حيث كان ذاك التدخل وفي مجمله ينصب لصالح حالات التكتل والانقسام وفق المحاور والأجندة المرسومة من قبل هذه الجهة الكوردستانية (الحزبية) أو تلك وذلك بغية إضعاف المحور (الكوردستاني) الآخر، فكانت بالتالي الانشقاقات المتكررة والغير مبررة لا معرفياً؛ فكرياً – أيديولوجياً ولا نضالياً؛ سياسياً – جماهيرياً. وبالتالي فقد أضرت تلك السياسات الخاطئة التي مورست من قبل العديد من الأطراف والقوى الكوردستانية – خارج هذا الإقليم – بالمصالح الاستراتيجية للشعب الكوردي وحركته السياسية داخل إقليم كوردستان (سوريا).

ذاك كان جانباً من التدخل الخارجي؛ (السياسي والتكتلي) ومن قبل أطراف وقوى كوردستانية خارج هذا الإقليم. أما التدخل الخارجي الآخر (السلطوي الأمني) أو ما يروج ويعرف في الوسط السياسي الكوردي بالاختراقات الأمنية – المخابراتية داخل جسد الحركة السياسية الكوردية وأحزابها وكتلها، فقد قامت هي الأخرى؛ (أي الأجهزة الأمنية السورية) وعلى مدى سنوات بتسخير الإمكانيات والجهود (المال والرجال) – مثل كل الدول وأجهزتها الأمنية – لتخترق صفوف معارضاتها، وهنا المعارضة السورية ومن ضمنها الحركة السياسية الكوردية وبالتالي ضربها من الداخل بغية التشكيك بمصداقية هذه الأحزاب والكتل وذلك من خلال التشهير بقياداتها ورموزها السياسية ومن ثم إبعاد الجماهير الكوردية عن أدوات نضالها الحقيقي ولتسهل عليها؛ (أي على الأجهزة الأمنية) القبض على مفاصل الحراك السياسي في المجتمع السوري عموماً والكوردي خصوصاً وهكذا تلجم حركة دمقرطة المجتمع وذلك من خلال كبت الحريات العامة وفرملة العمل وفق مؤسسات حقيقية لتكون لها دور فاعل في حياة المجتمع الكوردي والسوري عموماً، بل عملت – وما زالت تعمل – الأجهزة الأمنية على ترهيب المجتمع من العمل في الشأن العام (السياسي تحديداً) بحيث تفتقر الأحزاب إلى قاعدة جماهيرية تكون عامل منعة على تلك الأجهزة أن تنكل بتلك التيارات والأحزاب وترمي بقيادات تلك الكتل السياسية، بين الحين والآخر، في غياهب سجونها وزنازينها.

إضافةً إلى ما سبق، فقد كان المناخ السياسي والفكري السائد – وخاصةً في منتصف القرن الماضي – مساعداً في أن ينشق الحزب؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا (البارتي) بين جناحي اليمين واليسار؛ كون المنطقة والعالم كانت تشهد يومها نوع من الحراك والنهوض الثوري اليساري وخاصةً بعد (نجاح) التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي (السابق) ومنظومة البلدان الاشتراكية، فكانت الأحزاب العمالية والشيوعية في البلدان الرأسمالية وكذلك حركات التحرر في العالم الثالث تعتبر حليفتان رئيسيتان لتلك الكتلة والتي عرفت بمنظومة البلدان الاشتراكية (اليسارية الماركسية) وهكذا ووفق هذه المنهجية الفكرية والاستراتيجية النضالية كان العالم قد انقسم بين شرقٍ يساريٍ ماركسي وعمالي يدعو إلى (ديكتاتورية البروليتارية) وبين غربٍ يدعو إلى (منافسة السوق) ومسألة العرض والطلب وشهدت المنافسة بينهما حروباً ساخنة وباردة. وهكذا انقسم المجتمع الكوردي، مع انقسام العالم، بين قطبي اليسار واليمين وبالتالي كان الانقسام في (البارتي) أيضاً؛ كونه كان قد ضم في صفوفه – في مرحلة التأسيس – طيفاً واسعاً ومن مجمل طبقات وفئات الشعب الكوردي وبالتالي كان الانشقاق الأول (1965م) نوع من الفرز الطبقي ضمن صفوف (البارتي)، وإن كان ذاك الفرز سابقاً لأوانه؛ كون حركة الشعب الكوردي عموماً ما زالت تمر في مرحلة النضال القومي ولم تكتمل المعطيات والشروط الموضوعية والذاتية لأن نخوض تجربة النضال الطبقي الاجتماعي وبالتالي أن يكون الفرز وتقسيم المجتمع وأدواتها النضالية؛ (القوى والكتل السياسية) على أسس طبقية – أيديولوجية.

لكن بقي عاملٌ تفتيتيٌ آخر، نعتقد أنه أهمل بقصد أو دون قصد، وذلك من ضمن العوامل والمحرضات التي عملت على تفتيت الحركة السياسية الكوردية في إقليم كوردستان (سوريا) وهو الآخر يتعلق بقيادات الحركة وأحزابها وكتلها، لكن ليس من خلال الجانب السيكولوجي – النفسي وإنما لجوانب نضالية استحقاقية؛ بمعنى آخر وبشكلٍ أدق، فقد عملت قيادات الأحزاب والكتل السياسية الكوردية – على الأقل قسم لا بأس منها، وخاصةً الذين في الصف الأول من القيادة، أو ما يعرفون بأعضاء اللجنة المركزية – وبطريقة شبه منهجية (وعن سابق إصرارٍ وترصد ووعيٍ كامل) على تفتيت أحزابها وكتلها السياسية وذلك خوفاً من الاستحقاقات النضالية أمام جماهيرها؛ حيث كانت ستواجه بأسئلة وعليها أن تجيبها وكذلك كان سوف يطلب منها فعل شيء حقيقي تجاه الجماهير الكوردية وحقوقها وأهدافها وبالتالي التحرك على الأرض وذلك ضمن الممكنات الواقعية النضالية. بمفهومٍ آخر كان عليها؛ (القوى السياسية الكوردية) أن تكون أدواة نضالية حقيقية بيد جماهيرها وهذه كانت تتطلب مواجهة فعلية مع الأجهزة الأمنية، ونستطيع الادعاء بأن الكثيرين من قيادات الحركة الكوردية جُبِنت في أن تتحمل وزر برامجها السياسية وذلك ضمن كتل سياسية – جماهيرية فاعلة وقادرة على ترجمة الأهداف إلى حقائق ووقائع فلجأت إلى التمزيق والانشقاق بحيث تكون هناك مجموعة (جزر) أحزاب سياسية صغيرة ومبعثرة وضعيفة التأثير على الشارع الكوردي ولكن لها صوت عال ومرتفع تزايد بالشعارات بين الجماهير وبالتالي (تحافظ) على رونقها الخطابي ومن دون أي ترجمة على الأرض وبالتالي دون مواجهة فعلية مع السلطات المتعاقبة في سوريا.

وهكذا نصل إلى النقطة المفصلية في الخاتمة ولنقول بوضوح وصراحة تامتين: إننا نجد اليوم بأن هناك بعض الكتل والأحزاب الكوردية المرشحة لأن تلعب دوراً حقيقياً في هذا الإقليم والساحة السياسية الكوردستانية، ومن بين هذه الكتل والأحزاب من هو مرشح لأن يقود المرحلة النضالية المقبلة ونعني بذلك الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) وذلك نتيجةً لأسبابٍ عدة تطرقنا إليها في مواضيع سابقة؛ (لماذا البارتي – نموذجاً)، ولا نريد الخوض فيها مجدداً خوفاً من التكرار والإطالة. ولذلك نود هنا أن ننبه قيادة (البارتي) الحالية إلى هذه النقطة؛ بأن يقوم بعض ضعيفي الإرادة والثقة بالنفس والجماهير – ولن نقول الجبناء أو العملاء؛ كوننا لم نلمس هذا الشيء في القيادة الحالية، إلى الآن على الأقل – ومن أن يحاول أولئك الواهنون (الجبناء) تمزيق الحزب من الداخل – ليس عمالةً، نكرر، وإنما جبناً – وخاصةً بعد أن أصبح الخطاب السياسي (للبارتي) يلبي بعضاً من طموح الشارع الكوردي في المرحلة الراهنة وبالتالي فإن الامتداد الأفقي الجماهيري وكذلك العمق القومي الكوردستاني سوف تشكل عوامل قوة ومنعة في (البارتي).

ولكن وفي الآن ذاته هي عوامل خوف لدى أي قيادة سياسية بأنها ستكون في مواجهة السلطة وأجهزتها الأمنية؛ كون العوامل الثلاث السابقة من: البرنامج والخطاب السياسي الذي يكون على مستوى الطموح والمرحلة وأيضاً كل من العمق القومي الاستراتيجي الكوردستاني والتفاف الجماهير حولها يعني وجود كتلة سياسية (حزب) له القدرة على نيل استحقاقات قانونية ودستورية في مسألة نيل حقوق الشعب الكوردي في هذا الإقليم وهذا يودي بها؛ (أي بتلك الكتلة السياسية) إلى تحمل مسؤولياتها ومواجهة متطلبات المرحلة وكذلك مواجهة إصطدامية مع النظام، وإن كانت المواجهة تلك غير دموية فهي تعني الاصطدام بهذا المعنى أو ذاك، وهو ما يشكل عبأ حقيقي على الحزب والذين في الصف الأول من القيادة؛ بأن لا يكونوا على مستوى وقدر المسؤولية التاريخية، بحيث تكون قادرة على العمل والتحرك لتلبية الاستحقاقات المرحلية وبالتالي مواجهة المرحلة ومن ضمنها مواجهة الأجهزة الأمنية الاستخباراتية، وللهرب منها (أي من الاستحقاقات تلك) أن يقوم (بعض من تلك القيادة) بتخفيف العبء من على كتفيها وذلك عبر اضعاف الحزب من خلال العمل على تمزيقه بين مجموعة أحزاب وتيارات (جزر) صغيرة، ضعيفة، واهنة وقزمة جماهيرياً ولكن بـ(لسانٍ طويل) وخطابٍ ناري كما هو الحال مع مجموعة من الخطابات التي نجدها ضمن صفوف الحركة السياسية الكوردية وأحزابها وعندها نكون قد عدنا بالحركة والقضية الكوردية في إقليم كوردستان (سوريا) إلى المربع الأول.

جندريسه-2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *