الرئيسية » مقالات » بعد كل هذا ألا يحق لنا أن نطالب بالدولة العلمانية

بعد كل هذا ألا يحق لنا أن نطالب بالدولة العلمانية

هل يحق لمن اختار أن يغير ديانته ويتركه إلى دين آخر أن يفرض هذا الدين الجديد على أولاده, القاصرين منهم على وجه الخصوص؟ , وهل يحق لهؤلاء الأولاد القصر أن يعودوا إلى دينهم الأصلي ويرفضوا الدين الجديد الذي اختاره احد الوالدين باعتبار ـ انه لم يكن لهم الحرية في التحول عن دينهم الأصلي ولم يملكوا حرية اختيار التحول عن الدين الأصلي ـ لان الاختيار لايتحقق إلا ببلوغ سن الرشد وبإرادة كاملة دون أي ضغط أو اكر أو إغراء , إن حرية العقيدة التي هي جزء من حقوق الإنسان قد كفلتها الدساتير الدولية وهي حرية شخصية وفردية على أن لايتعدى أثرها إلى احد ولو كان أحدا من أولاده , إلا إن المتتبع لأوضاع العراق خصوصا بعد الحرب وبروز الأحزاب الدينية على الساحة السياسية يلاحظ نزوعهم لتطبيق المظاهر الشكلية للشريعة في الدستور والقوانين بعيدا عن روح الدين وجوهره بسبب التشدد حتى أن أكثر الناس تمسكا بالمبادئ الإسلامية اصيبوا بخيبة أمل مريرة جراء الأحداث التي وقعت فالظلم زاد والإرهاب انتشر بل تفاقم واستفحل وعمت الفوضى واشتد التضييق على الناس وزادت الممارسات اللانسانية ضد الأقليات الدينية بعد تعرضهم للعديد من الحملات التدميرية لا لشيء إلا لانتمئاتهم الدينية , ومحنة اليزيديون أصبحت معروفة وهي مأساة حقيقية لما يعانوه من إرهاب المتطرفين , وآخرها تلك المجزرة التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء على أيدي أناس متطرفين مدفوعين بآيات دينية تبرر همجيتهم وما زالوا ينادون بان الإسلام منح الحريات الإنسانية في مختلف مجالات الحياة كحرية العقيدة وحرية التعبير وحرية العبادة والمساواة الإنسانية , فنحن لانختلف من الوجهة النظرية مع المبادئ الايجابية في الإسلام من عدل ومساواة وتسامح لكننا نختلف حول الصيغ العملية لتطبيق هذه المبادئ على ارض الواقع من خلال الممارسات والتطبيق العملي وفي اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسيا من مصادر التشريع , مما يعني هذا من الوجهة الرسمية أن الدولة العراقية أصبحت دولة دينية وهذا قد لاينسجم ومصلحة الجميع .
وقد لانختلف في أن يكون للدستور والقوانين الحق في حماية المسلمين باعتبارهم الأغلبية وجعل القوانين تستلهم روح الشريعة في نصوصها لكن لايمكن فرض المبادئ الإسلامية والشريعة على الآخرين وبشكل قسري لأنها عملية غير مجدية ولا تودي بالنتيجة إلا إلى النفور خاصة ونحن نعيش في ظل دستور المفروض به انه يضمن الحقوق الإنسانية في المعتقد والرأي ويضمن حق المواطنة والمساواة أمام القانون والقضاء , رغم إن هذه المساواة ليست إلا ظاهرية ووهمية , لان المشكلة تكمن في الذين لايعترفون بالأديان الأخرى طالما يؤمنون بان الدين عند الله هو الإسلام فقط وما عداه هو كفر , وهم وبسبب شدة تعصبهم الأعمى فأنهم أنفسهم هم أول المسيئين إلى دينهم , مع انه لافضل لهم و لاخيار لهم في كونهم مسلمين والآخرين غير مسلمين لان الانتماء الديني هو انتماءا فطريا يورث من الآباء والأسلاف ولا خيار لنا فيه كما إن الانتماء الديني يولد مع الإنسان وليس وليد قناعات فكرية أو إيمانية إلا في بعض الحالات الشاذة حين يختار شخصا ما أن يترك دينه إلى دين آخر لأسباب منها الهروب من مشكلة اجتماعية يقف الدين عائقا أمامها والتي غالبا ما تنحصر في دائرة أمور الأحوال الشخصية كالرغبة في طلاق أو زواج أو أية مصالح شخصية , والتحول يكون دائما من الأديان الأخرى إلى الدين الإسلامي وليس العكس وهو ما نصت عليه المادة ( 20 فقرة 2) من قانون الأحوال المدنية من انه ” يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقا لأحكام هذا القانون ” وان مفهوم المخالفة لهذه المادة هو أن لايقبل تغيير المسلم لدينه إلى دين آخر وإلا يعد مرتدا يحق عليه الحد رغم صدور العديد من الفتاوى والتي آخرها كانت فتوى مفتي الديار الإسلامية المصرية د.علي جمعة بعدم جواز قتل المرتد استنادا للآية القرآنية (لااكراه في الدين ) , إلا إن الواقع يشير إلى عدم قبول تحول المسلم إلى دين أخر بينما تشجع الشريعة غير المسلم على تغيير دينه والذي نادرا ما يكون بسبب إيمان وقناعة فكرية , هذه الازدواجية في التعامل والكيل بمكيالين الذي تبيحه الشريعة في التعامل مع حقوق الإنسان في حرية الاعتقاد الذي تبيحه لغير المسلم في اعتناق الإسلام وتوفر له الحماية الكاملة بينما تهدر دم المسلم الذي يريد تغيير دينه إلى دين آخر الذي هو مشروع الإسلاميين يعد قيدا على حرية الناس ومساواتهم والتعامل مع المواقف بازدواجية حتى لو كانوا من المتحولين إلى الإسلام ويرغبون العودة إلى دينهم الأصلي , حيث يواجه الكثير ممن أشهروا إسلامهم ويريدون العودة إلى دينهم الأصلي عوائق إدارية وقانونية عديدة إذ ترفض دوائر الأحوال المدنية والمحاكم العودة إلى دينهم الأصلي والذين غالبا ما يكونون من القاصرين أو ممن التجاوا إلى الإسلام لأسباب شخصية كان يكون بقصد الزواج أو الطلاق حيث تسرع المحاكم الشرعية في إصدار حجة إسلامهم ويكون القاضي الشرعي وليا للقاصرين منهم وما يلحق ذلك من آثار ومشاكل قانونية وإدارية واجتماعية عديدة يصعب معالجتها .
ولو كان الأمر يتعلق بالذي يشهر إسلامه فقط لهان الأمر ولقلنا ( لكل إنسان ما سعى ) فما دام اختار أن يغير دينه فهو حر عليه أن يتحمل تبعات اختياره , لكن المشكلة تكمن في الاثارالتي تتعدى إلى أولاده القاصرين الذين لم يكن لهم الخيار في تغيير دينهم ليجدوا أنفسهم وقد تحولوا إلى دين آخر رغما عنهم بسبب نزوة احد الوالدين وطيشهم , وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في هؤلاء الذين ولدوا في بيئة ذات ثقافة واعتقاد ديني وشعائر دينية خاصة وتربوا على عادات وقيم وطقوس معينة ليجدوا أنفسهم خارج المجموعة لايحق لهم العودة إلى دينهم الأصلي بسبب تحول احد الوالدين إلى دين آخر الذي لم يكن لهم الخيار في التحول عنه مع إن الشريعة والقوانين أباحت للصغير القاصر الذي تغير دينه إلى المسلم تبعا لإسلام احد أبويه ويريد العودة إلى دينه السابق حق إقامة الدعوى على دائرة الأحوال المدنية خلال مدة سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد تغيير قيده في سجلاته ما لم يثبت علمه بعد تاريخ بلوغه سن الرشد بمحتويات قيده إلا إن ذلك الإجراء للأسف حصرت ذلك بالمسيحيي الديانة فقط دون غيره من الديانات الأخرى , كما إن هناك عدة قرارات لمحكمة التمييز العراقية أباحت للقاصر حق إقامة الدعوى خلال مدة سنة من تاريخ بلوغه للعودة إلى دينه السابق وقد أوردت كلمة ( مسيحي )على سبيل الحصر لا المثال , رغم أن الدستور قد ضمن للعراقيين حرية الرأي والعقيدة وهو حق مكفول للجميع دون أي ضغط أو مراقبة كما إن المادة 20 في الفقرة الثالثة من قانون الأحوال المدنية نصت على “أن يتبع الأولاد القاصرين في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين” وتنفيذا لهذا النص فان دائرة الأحوال المدنية تغير دين القاصرين من مسيحي إلى مسلم حال إسلام احد أبويه وتأشير إسلامه في سجلات الأحوال المدنية .
وبناء على ذلك إن القاصر اليزيدي الذي اعتنق احد ابويه الإسلام لايحق له العودة إلى دينه الأصلي حين بلوغه سن الرشد ويبقى مؤشرا مسلم الديانة في سجلات الأحوال المدنية . فأين هي الحرية والعدالة إن كانت الآية القرآنية (لااكراه في الدين) التي تعطي للإنسان الحرية في اختيار دينه يقابلها التزمت والتشدد التي لاتقبل بغير الإسلام دينا ومن يبدل دينه فهو مرتد ويجب أن يقتل . أفلا يعتبر هذا تسييس للدين الإسلامي ويناقض الحقوق الطبيعية للإنسان التي كفلتها المواثيق الدولية .
إن محاولة فرض الشريعة بشكل قسري على القوانين المدنية تتعارض مع مبادئ المساواة والعدل الدستورية حين يكون هناك تعدد ديني ولا يمكن تحقيق المساواة حين تفرض الأغلبية قوانينها على الأقلية وعلينا نحن كأقلية دينية الرضوخ لهذه القوانين دون مناقشة بعيدا عن حقوق المواطنة والمساواة أمام القانون في حالة عدم السماح للقصر بالرجوع إلى دينهم الأصلي فان هذا الموقف يفضح الادعاءات المزيفة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان إن كان احد هذه الحقوق مستلبة وهي حق العودة إلى الدين الأصلي فأين هي الحرية الدينية إن كانت القوانين ترغم البقاء على الدين وأين هي تطبيقات لااكراه في الدين . ألا يعتبر ذلك فرض الدين الإسلامي كنظام سياسي والعيش تحت ضغط التيارات الإسلامية المتشددة . وبعد كل ذلك أليس من حقنا أن نطالب بالدولة العلمانية وبقوانين مدنية تنظم عملية اختيار الدين وحرية العقيدة بعيدا عن أية ضغوطات أو إغراءات ويخضع فيع جميع المواطنين لسلطة القانون بالتساوي لافرق بين دين وآخر لأنه ليس من العدل أن يكون الناس أحرارا في الدخول إلى الإسلام فقط ليفقدوا حريتهم هذه بعد إسلامهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *