الرئيسية » مقالات » الحشود العسكرية التركية ولغة التهديد البالية

الحشود العسكرية التركية ولغة التهديد البالية

مرة أخرى تعود الطبقة الحاكمة في تركيا لتقرع طبول الحرب والتهديد والوعيد لاجتياح إقليم كوردستان العراق ((بحثاً)) عن مقاتلي حزب العمال الكوردستاني، حيث أخذ أركان هذه الطبقة بسوق تبريراتهم وتحشيد جيوشهم ووسائل إعلامهم وأحزابهم والتهيؤ لمغامرة عسكرية داخل إقليم كوردستان العراق دون مراعاة لسيادة دولة العراق ولأبسط قواعد حسن الجوار والعلاقات بين الدول والشعوب. وينسى الطاقم الجديد للطبقة الحاكمة التركية أن محاولات الاجتياح أو الاجتياح نفسه في سنوات خلت بالاتفاق مع النظام الشوفيني الصدامي البائد لم تستطع أن تحقق ما يصبو له هؤلاء العسكر رغم استعراض القوة وهدير جنازير الدبابات وحمم الطائرات. وأنّ من سبقهم من جندرمة ومجالس عسكرية وتظاهرات قومية متطرفة صاخبة و((ثقة بالنصر)) لم تستطع أنْ تضع حلاً لقضية شعب محروم من حقوقه القومية والسياسية والإنسانية، ولم تخلف وراءها إلاّ المآسي. ولم تقدر تلك الآلة العسكرية من الوصول إلى أهدافها بالقضاء على مقاتلي حزب العمال الكوردستاني. إنّ الوعيد التركي المحموم في الآونة الأخيرة والذي يستغل ظروف العراق الاستثنائية الحساسة وهو يواجه هجمة الإرهاب الوحشية الشرسة إنما هو تجاوز على القانون الدولي والعهود والمواثيق وسياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين والتعاون الإقليمي، وتعقيد لمشاكل العراق الذي يسعى إلى اجتياز المحنة الكبيرة التي يمر فيها شعبه. إنّ هذا المد التركي الواثق من ((إمكانياته)) مرة أخرى وهو يحاول بسط أذرعته المجنزرة في أراضي كوردستان العراق، يتغافل النتائج الوخيمة التي ستواجه سياسته العسكرتارية، سيما بعد اهتزاز تحالفاته العالمية سواء على صعيد مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من قضايا ساخنة تتعلق بمآسي الأرمن أو بحقوق الأقليات والشعوب بالتحرر والمساواة. هذا ناهيك عن حق تقرير المصير ورفض لغة الاستعلاء العنصري الذي نصّت عليه الشرائع الدولية، والذي تتطير من سماعه غاضبة حكومة أنقرة وحكومات المنطقة وعدد من الكتبة ووعاظ السلاطين. وبهذا تصبح تلك القوانين ومبادئ حقوق الإنسان والشعوب لديهم حبراً على ورق قابلة للتجزئة والانتقاء حسب الظرف والمكان والزمان.

ولا يفوتنا في هذ التدافع الخاكي أن نذكر برحلات عدد من المسؤولين العراقيين المكوكية للتنسيق مع الحكومة التركية وإبرام الاتفاقيات في الأروقة التي لا يعلم بمضامينها إلا الراسخون في اللعب بمصائر الآخرين. ومن ذلك للأسف توقيع وزير داخلية العراق لاتفاقية غير معلن عنها تماماً ولم تعرف تفاصيلها وماهيتها وبنودها سوى ما تيسر من نزرصرح به الناطق باسم الحكومة في بغداد بأن الاتفاقية جاءت لمواجهة حزب العمال الكوردستاني الذي وصفه ((بالإرهابي))، وسوى تصريحات الوزير الأخيرة ((المطمئنة)). والمثير للجدل في مثل هذه الأمورعدم قيام المسؤولين بضم أي مسؤول كوردي للوفد حتى لا يغضبوا أنقرة، التي تتحسس من الوجود الكوردي حتى وإنْ كان رئيس جمهورية العراق ووزير خارجيته كورديين. كما لم تعرض مثل هذه الاتفاقيات على البرلمان العراقي للنظر فيها والتخويل بالتوقيع عليها. ولم يتجشم الوزير عناء مرور عابر على كوردستان العراق لإبلاغ المسؤولين هناك أو التشاور معهم في قضية تهم الشعب الكوردي في العراق الذي نص الدستور على فيدراليته. فما الذي يضمن أن لا يكون كلام الوزير نوعاً من التهدئة قبل العاصفة ما دام حبر التوقيع على هذه الاتفاقية لم يجف بعد؟ لقد نسي البعض اليوم إنّ مثل هذه الاتفاقيات تذكرنا بمثيلاتها التي وقعها النظام البائد مع نظام أنقرة.

فما الذي جناه الموقعون من ذلك؟ وهل استطاعت تركيا أن تقضي على هذا الحزب وتحد من هجماته؟ من جانب آخر ألا تشكل دعوة حكومة الإقليم ومؤسساته إلى الحوار وحل الأمور بطرق سلمية من المرتكزات المنطقية لحل المشكلة؟ وإذ أكد الإقليم وفي أكثر من محفل ومناسبة بأن لا علاقة له بأعمال حزب العمال الكوردستاني أو دعمه، فلماذا تصر أنقرة وبعض الأطراف على الابتزاز للتدخل في شؤون إقليم كوردستان العراق؟ إنّ من حق المتابع أنْ يتساءل عمّا يحاك وراء الأكمة لمواجهة تجربة هذا الإقليم وزعزعة استقراره واستقرار العراق والمنطقة، سيما بعد ما مر به الشعب الكوردي من مخاض عسير ومضنٍ، قدّم فيه مئات الآلاف من الشهداء ضحايا القهر والفاشية والسموم الكيمياوية والتهجير وحرق القرى والقصبات، وما ناضلت من أجله الحركة التحررية الكوردية لعقود من الزمن لنيل حقوق الشعب الكوردي والديمقراطية للعراق. فهل نسي البعض المبرر أو المتحالف مع أنقرة أن استقرار وإعمار إقليم كوردستان العراق هو قوة وعامل دفع نحو استقرار العراق وإعماره والمضي بالعملية السياسية رغم ما يعتريها من شوائب، وأن الشعب الكوردي قادر على الديمومة والتجدد وعصي على الإبادة على مر التاريخ.

ليس من الغرابة بمكان أن تدق طبول الحرب العسكرتارية التركية إسوة بسواها من التاريخ غير البعيد لتتناغم مع بعض الأصوات الداخلية والإقليمية المتلهفة للانقضاض على الشعب الكوردي وتجربته الآمنة في كوردستان العراق، خاصة وأن هذا البعض لم يتورع في الدعوة لقيام حزام تركي إقليمي لمواجهة حقوق الكورد ومساهماتهم في بناء العراق. وفات هؤلاء من مخططين ومشجعين أنّ تغليب لغة التدمير والكراهية بألوية جنازير الدبابات التركية لم تعد لها من أنصار كثيرين في عالم اليوم، وأن الحقيقة الإنسانية الغالبة لا تتجسد إلاّ في مفاهيم السلم والعدل والحق ونصرة الإنسان والوقوف مع حقوق الشعوب العادلة.

ومن الملفت للنظر من جانب آخر هذا الصمت المطبق إن لم نقل رضا عدد من دول الجوار العراقي ودول الإقليم من الموقف التركي. ولا يخفى على اللبيب أن هذا الهياج العسكرتاري التركي المدعوم والمبرر من البعض له أهدافه غير المعلنة وإن كان الظاهر ملاحقة حزب العمال الكوردستاني، ومن ذلك قضية كركوك وبناء مؤسسات إقليم كوردستان الفيدرالية التي لا تحلو لهذا البعض، بما في ذلك في الداخل أيضاً. هذا البعض الذي طالما تحجج بشكل ازدواجي بعامل الوقت الذي لا يسمح بالتطبيع الدستوري أو تنفيذ تلك القرارات المتعلقة بتصفية ركام النظام البائد اللاإنساني ومغازلة الحكومتين التركية والإيرانية وعدد من حكومات الجوار العربي في هذا المجال، بحيث أصبح ديدنه ليس دفاعاً عن الضحية العائد إلى بيته المسلوب وإنما تبرير لتشبث من استولى لسنوات غير قليلة على ممتلكات هذه الضحية بالقوة وبقرارات ما يسمى ((بمجلس قيادة الثورة)) سيء الصيت. وفي الوقت الذي تبدو هذه المواقف الازدواجية مستغربة لا يبدو مستغرباً ما يقفه عدد من النواب والسياسيين والكتبة المعروفين بشوفينيتهم المعادية أصلاً لطموحات الشعب الكوردي بالفيدرالية والبناء والأمن، وبنفخهم في المشاعر وتجييشها بعد صدور قرار مجلس الشيوخ الأمريكي غير الملزم حول الفيدرالية، للتأليب على الكورد سوية مع بعض دول الإقليم ونعتهم ((بالانفصاليين))، بأجندة تحاول الابتزاز والمواجهة وتغليب منطق القوة الغاشمة الذي يتناغم ومنطق الحرب الذي يتبناه الجنرالات الأتراك.

إنّ عدم إعطاء الفرصة للحوار العقلاني لمعالجة المشاكل سلمياً بين الدول وبالطرق والقنوات الدبلوماسية المعهودة يضع حملة النجوم العسكرية وحلفاءهم من أصحاب القرارأمام مأزق إزاء العالم وكل الخيرين والمنصفين من أصحاب الضمائر الحية فيما يتعلق بسياسة التمييز القومي ضد أكثر من عشرين مليون كوردي في تركيا لا يتمتعون بحقوقهم. ومع هذا يبقى التساؤل قائماً أمام سلوك أنقرة وإصرارها على المضي بلعبة المخاطر وجعجعة السلاح أو بسياسة المطالب لفرض الأمر الواقع. ويبدو أن السيد اردوغان الذي استسلم لرغبة جنرالاته وحماس الشارع التركي بنقل أمر قرار الاجتياح إلى البرلمان الذي يملك الأغلبية فيه غير مكترث بأصوات العقل الداعية إلى الهدوء والنظر في جذور المشكلة بشكل جدي. فهل تستفيد أنقرة من تجارب الماضي بعدم جدوى لغة العسكر، وتستمع لنداء العقل والحوار؟ وهل تتعظ الإدارة التركية الجديدة مما يمكن أن تؤول إليه مغامرتها لو نفذتها واستسلمت لبنادق الجندرمة في دق إسفين بين شعوب المنطقة؟ إنّ لغة السلم والحوارتعتبر المفتاح الرئيسي في العلاقات الدولية اليوم، ولم يعد للغطرسة ولغة التهديد والوعيد مكان فيها. فهل تبتعد هذه الإدارة عن سياسة توتير الأجواء وتأزيم المواقف بمحاولة اجتياحها لكوردستان العراق التي سوف لا تكون نزهة على أية حال، وتغيير موقفها المتعنت من حقوق الشعب الكوردي العادلة في تركيا؟
موقع حكومة الاقليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *