الرئيسية » التاريخ » موقف الدولة العثمانية من الاقليات الدينية والطائفية (الايزيدية انموذجا)..1

موقف الدولة العثمانية من الاقليات الدينية والطائفية (الايزيدية انموذجا)..1

المقدمة

تمثلت سياسة الدولة العثمانية تجاه الكورد الايزيدية خلال الفترة 1808 – 1876 بتوجيه الحملات العسكرية

صوب مناطق سكناهم. تلك الحملات التي كانت في اغلب الاحيان تحت قيادة ولاة الولايات العثمانية المجاورة اضافة الى تولي قيادتها بعض القادة من الباب العالي مباشرة احياناً اخرى. كانت تلك الحملات تنطلق بذرائع مختلفة. فبالاضافة الى اعتبار الايزيديين كفرة ومرتدين لسبب ديني فان تلك الحملات كانت تساق عليهم لاسباب اخرى اكثر اهمية الا وهو الاسباب الاقتصادية والسياسية. تكمن اهمية دراسة موقف الدولة العثمانية تجاه الكورد الايزيدية خلال تلك الفترة. في انها نموذج تعكس سياسة الدولة العثمانية وموقفها تجاه الاقليات الدينية والطائفية التي كانت متواجدة ضمن اراضيها في تلك المرحلة الحساسة من عمر الدولة العثمانية التي كانت تمر بمرحلة من الضعف على المستويين الداخلي والخارجي. ينقسم هذا البحث الى اربعة مباحث. يتناول المبحث الاول منها نبذة مختصرة عن الديانة الايزيدية. بدءاً من التسمية وبعض عاداتها وتقاليدها واهم اعيادها. اضافة الى بيان اهم مناطق انتشارها. اما المبحث الثاني فينقسم الى محورين, يتناول الاول منها موقف ولاة ولاية الموصل تجاه الكورد الايزيدية, اما الثاني فيتناول موقف ولاة ولاية بغداد من الايزيدية. اما المبحث الثالث, فيتناول سياسة الاستانة او الباب العالي تجاه الايزيدية. تلك السياسة التي تمثلت بارسال حملات عسكرية على مناطق الايزيدية والتي كانت اكثر هولاً من غيرها من الحملات. اما المبحث الرابع فيتناول علاقات الكورد الايزيدية بالامارات الكوردية التي كانت قائمة في تلك الفترة وخاصة امارة سوران وامارة بادينان.
المبحث الاول
نبذة مختصرة عن الديانة الايزيدية
تعد الايزيدية حلقة شبه مفقودة في سلسلة الديانات الشرقية الهندوأرية القديمة, حيث كانت وما تزال ضحية الكتاب المغرضين واهوائهم ومصالحهم الطائفية التعصبية الضيقة. فما من دين تجنى عليه التاريخ وجهله الناس واختلفوا في نشاته وظهوره وحركة تطوره التاريخي ومعرفة اصله كالديانة الايزيدية (1).
اختلف الكتاب والباحثين حول اصل وتسمية الايزيدية(2). فهناك من يرجع اصلهم الى الخليفة الاموي يزيد بن معاوية, وهناك من يرى بانها تنتسب الى يزيد بن انيسة الخارجي, واخر يقول بان تسميتها جاءت نسبة الى مدينة يزد الايرانية, وهناك من يرى بان الايزيدية انما تطور للديانة الزرادشتية واخرون يربطون بين الايزيدية والمثرائة. والخ…(3).
يبدو ان هذا الاختلاف في تسمية الايزيدية جاء اما عن قصد. وخاصة بالنسبة الى اصحاب الرأيين الاول والثاني, وذلك لكي يؤكدوا على ان الايزيدية فرقة اسلامية.منشقة ولا يكتفون بهذا (أي جعل الايزيديية فرقة اسلامية منشقة) وانما يذهبون الى ابعد من هذا. وهو عروبة الايزيدية. ويكفي ان ناتي برأي السيد سعيد الديوه جي حول هذا الموضوع عندما يقول ( ان الايزيدية حركة سياسية خالصة, جعلت لها صبغة دينية تسير تحتها لتعيد الحكم الى الامويين). (4) اما اصحاب الاراء الاخرى فربما جاءت ارائهم هكذا. حول الايزيدية لعدم اطلاعهم على نصوص الديانة الايزيدية المقدسة خاصة انه هناك تشابه في بعض المسائل ما بين الايزيدية والزرادشتية والمثرائية او ان ذلك التشابه بين الايزيدية والديانات الاخرى قد قادهم الى تلك الاراء.
لذا فان اية دراسة او بحث عن الايزيدية ستكون ناقصة ومبتورة اذا لم تعتمد على النصوص الدينية الايزيديية باعتبارها مادة غنية لا يمكن الاستغناء عنها عند الكتابة عن الايزيدية. اذ تتبين في تلك النصوص نظرة الايزيدية الى الخالق والتكوين والخير والشر الخ.. كما يجب معرفة جذور الاعياد والمناسبات الدينية الايزيدية لان جذور بعضها موغلة في القدم وترجع الى زمن السومريين لان الدراسة والتعمق في تلك النصوص الدينية ومعرفة جذور بعض اعياد الايزيدية يظهر بوضوح اولاً. عدم صحة الاراء المذكورة سابقاً حول تسمية الايزيدية, فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك نص ديني باسم (قةوليً هةزار وئيك ناظة) أي قول الف اسم واسم.يظهر فيه بشكل واضح وجلي اسم (ئيزي) وهو اسم من اسماء الله الحسنى. وهذا مقطع من ذلك النص الديني:-
سلتان ئيزي ب خؤثادشاية
هةزار وئيك ناظ ل خؤداناية
ناظيَ مةزن هةر خوداية (5)
وترجمتها.
السلطان (ئيزي) نفسه هو الله
اعطى لنفسه الف اسم واسم
والاسم الاعظم هو الله
اما كلمة (ئيَزي) فانها تقال لتلك الجماعات او ذلك القوم الذي يؤمن بـ (ئيَزي). (6)
ثانياً:- عراقة وقدم الديانة الايزيدية: يقول البحاثة والعالم اللغوي الكوردي مسعود محمد عند تحليله لكلمة الايزيدية والداسنية ما نصه (…. على كل حال فان الايزيدية هم من بقايا اقدم المجموعات الساكنة في المناطق التي سكنت في القسم الايراني والهندو ايراني, بمعنى انهم من اقدم الاقوام الكوردية ويسبق معتقدهم (افيستا) لا بل اقدم من (فيدا) الهندي ولو تمكن اليزيديون من الاحتفاظ بعقائد ما قبل الزرادشتية لكان معتقدهم نموذجاً لجميع الشعوب الهندو اوربية (7).
وكذلك اكتشف احد خبراء الاثار واللغات القديمة (السومرية والبابلية والاشورية) بان كلمة ايزيدي تعني الروح الخيرة والغير متلوثين والذين يمشون على الطريق الصحيح. (8).
اما د. خليل جندي فيقول:- (يلاحظ عند الايزيدية تعدد الالهة poltheism وترتبط جذور هذه الظاهرة باعتقادنا بالمراحل الاولى من تاريخ البشرية البدائي عندما كانت الافكار الغيبية البسيطة تسيطر على افكار المجموعات البشرية (9). وهذا بلا شك دليل على قدم وعراقة هذه الديانة. يظهر مما سبق بان الديانة الايزيدية من الديانات الكوردية القديمة ترتكز اسسها على الايمان الصادق والقلب الصافي. وهي ليست ديانة تبشيرية توسعية بمعنى يولد الايزيدي من اب وام ايزيديين ولا تقبل في صفوفها من كان على دين اخر(10) والايزيدية ديانة توحيدية , أي تؤمن بالله الواحد الذي لا شريك له, ويظهر ذلك واضحاً في نصوصها الدينية المقدسة على سبيل المثال عندما يشهد الايزيدي يقول:
شة هدا ديَني من ئيَك ئة للا
طاووس مةلةك حة ق حةبيب ئةللا (11)
وترجمتها.
اشهد ان الله هو الواحد الاحد
وطاووس الملائكة حقاً حبيب الله
وللايزيدية فلسفتها ونظرتها الخاصة بها الى مسالة التكوين (12). والخير والشر.وتؤمن الايزيدية بتناسخ الارواح (13) أي ان الارواح بعد موت صاحبها تنتقل الى اجسام اخرى مرات عديدة وقد تظهر بصفات اخرى. وبيوم الاخرة والقيامة وانها تنظر الى الاديان السماوية والرسل والانبياء نظرة احترام وتقدير(14).
اما بخصوص المجتمع الايزيدي فانه ينقسم الى ثلاثة طبقات دينية هي:- (الشيخ – البير – المريد) ظهرت هذه الطبقات على يد الشيخ أدي, حيث عند مجيئه الى لالش من الشام رأى ان العقيدة الايزيدية قد اوشكت على الانقراض نتيجة للاضطهادات الدينية عليهم فحاول احيائها ووفق في ذلك بعد ان اضاف وحذف منها امور بمقتضى التطور الزمني فاوجد طبقة الشيوخ بجانب طبقة البيرة التي كانت تقوم بالواجبات الدينية قبل حلوله في لالش واوكلهم وظائف وواجبات دينية لنشرها بين الايزيدية (15).
تنحصر مشايخ الايزيدية في اصول ثلاثة: هي (الادانية والشمسانية والقاتانية) اما البير فهو يعني المرشد الديني وهي اقدم طبقة دينية في الايزيدية وكانت موجودة قبل مجئ الشيخ أدي الى لالش وهي تنقسم بدورها الى اربعين فرعاً (16).
اما المريد فهي طبقة العوام بين الايزيديين ولكل واحدة من هذه الطبقات واجباتها الدينية الا ان للشيخ والبير نفس الواجبات الدينية واحداهما متمم للاخر ومن هذه الواجبات التوعية الاجتماعية وتعليم مريده الاقوال والادعية الدينية , الاصلاح الاجتماعي وتوجيه الارشادات الى مريده , اطعام المريد في المناسبات الدينية في معبد لالش , القيام بغسل مريده وتكفينه ودفنه بعد موته, ويقف على راس هذا الهرم امير الايزيدية الذي تتركز في يده السطتين الدينية والدنيوية(17)
وللايزيدية مجموعة من الاعياد تختلف مراسيم الواحدة منها عن الاخرى, فمثلاً هناك بعض الاعياد تجري مراسيمها في معبد لالش منها عيد اربعانية الصيف والتي تبدء من 29 تموز ولغاية 12 اب. وعيد الجماعية التي تبدء من 7 لغاية 13 تشرين الاول وعيد القربان الذي يقع في اليوم الاول من عيد الاضحى عند المسلمين, وعيد اربعينية الشتاء الذي يقع في اليوم الاخير من اربعينية الشتاء اما الاعياد التي لا تجري مراسيمها في معبد لالش منها. عيد صوم ايزيد الذي يصادف اول يوم جمعه من شهر كانون الاول الشرقي وعيد بيلند الذي يصادف الجمعه الثانية من اربعانية الشتاء وعيد راس السنة الذي يصادف في يوم الاربعاء الاول من شهر نيسان الشرقي(18).
وكذلك للايزيدية مجموعة من الطوافات (19) او المناسبات التي تقع اغلبها في شهر نيسان ولهذه الطوافات اهمية كبيرة في تقوية الروابط الاجتماعية بين الايزيدية اضافة الى عادات وتقاليد اجتماعية اخرى متعددة منها:- (الختان) (20) الذي يعتبر من احدى العادات الواجب القيام بها ويشترط على الذكور فقط دون تحديد سن معينة. والايزيدي الذي يريد ان يختن ولده يختار رجلاً سواء اكان من طبقة الشيوخ او البيرة او من المسلمين كي يضع ابنه في حجره ليصبح بعد ذلك كريفاً له (21) أي بمعنى اخر لا يجوز ان يكون الرجل المختار لكي يصبح كريفاً في نفس الطبقة الذي ينتمي اليه الطفل المراد ختانه. والكرافة من انبل عادات الايزيدية فالكريف يصبح واحداً من العائلة واخاً في الدنيا تترتب عليه كافة التزامات الاخوة الصادقة أي ان الايزيدية ترغب في بناء مجتمع سليم مبني على اسس التقدير والاحترام المتبادل. اما بالنسبة الى الزواج (22) بما ان المجتمع الايزيدي ينقسم الى ثلاثة طبقات دينية لذا لا يجوز الزواج بين افراد هذه الطبقات وعلى كل فرد ان يتزوج ضمن اطار طبقته فقط. كما لا يجوز للايزيدي الزواج بغير ايزيدية (23).
ومن العادات الاخرى للايزيدية هي التعميد ويعتبر من بين احد اهم الواجبات الدينية ولا يستثنى من التزامها احداً ذكراً ام انثى. شيخاً ام شاباً, صغيراً ام كبيراً, ويفضل ان يجري عليه التعميد (مؤركرن) في سن الطفولة في ماء عين البيضاء (كانيا سبي) اولاً وزمزم ثانياً. وللايزيدية عادة اخرى هي زيارة قبور موتاهم واوليائهم في مناسبات واعياد خاصة (24).
ومن الجدير بالذكر ان هناك بعض المحرمات عند الايزيدية منها على سبيل المثال القتل والزنا والكذب والخداع والبصق في وجه الانسان والبصق على النار…الخ (25) فيقول حول اخلاق الايزيدية الاب (انستاس الكرملي البغدادي) ان الايزيدية يمتازون بالصدق في كلامهم والقيام بعهودهم(26). اما بالنسبة الى التوزيع الجغرافي للايزيدية. فانهم موزعين في مناطق عدة بالعالم ويتمركز وجودهم بصورة خاصة في كوردستان حيث يوجد معبدهم المقدس لالش.
1. كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)
أ. محافظة دهوك :- ويتمركزون في / مجمع شاريا / مجمع خانك / منطقة ديربون
ب. محافظة الموصل:- قضاء الشيخان / بعشيقة / بحزاني/ شنكال/ زه مار/ القوش.
2. كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) ويسكنون في بوتان / ديرسيم / طور عابدين / موش / بطمان / سعرد وغيرها من المدن والقرى(27).
3. كوردستان الغربية (كوردستان سوريا) ويسكنون في القامشلي / عفرين / منطقة الجراح والقرى التابعة لها .. الخ (28).
اما في ايران فيتمركزون في شرق الرضائية ومدينة يزد وتبريز وكذلك هناك العديد من الايزيديون في روسيا وخاصة في مدينة ايريفان اما بالنسبة للدول الاوربية فان الغالبية العظمى من ابناء الجالية الايزيدية يتركزون في المانيا حيث يتجاوز عددهم (45 الف نسمة) اغلبهم من ايزيدية كوردستان الشمالية, كما يتواجدون في دول اوربية اخرى من هولندا وبلجيكا والدانمارك والسويد وفرنسا والنرويج والنمسا وبريطانيا.. الخ (29).
المبحث الثاني
موقف ولاة الموصل من الايزيدية
موقف ولاة بغداد من الايزيدية
موقف ولاة الموصل من الايزيدية
ادت الادارة المضطربة في ولاية الموصل بسبب ضعف سلطة الباشوات وضعف السلطنة نفسها الى ان تصبح الاسر المحلية هي المسيطرة على المدينة وكانت الاسرة الجليلية(30) احدى الاسر المحلية التي تمكنت من السيطرة على ولاية الموصل سنة (1726 – 1834م) وهناك من يقول بان الخدمات التي قدمتها هذه الاسر للدولة العثمانية عندما قررت الدولة العثمانية في 1723 غزو الاراضي الايرانية بعد سيطرة الافغانيين عليها دفع السلطان العثماني الى ان يكافى هذه الاسر فاسند حكم ولاية الموصل الى احد امرائها وهو اسماعيل بن عبد الجليل في سنة 1726 وكانت هذه السنة بداية الحكم المحلي الجليلي في الموصل (31).
تعرضت الايزيدية خلال فترة الحكم الجليلي الى الكثير من الحملات التي شنت بحقها بحجة حماية الطرق التجارية التي تتعرض الى هجمات الايزيديين واستيلائهم على القوافل التجارية وكانت هذه الحملات في اغلب الاحيان مدعومة من قبل ولاة بغداد الذي كانوا يحلمون دائماً باعادة نفوذها وسيطرتها على ولاية الموصل. يبدو انها كانت تظن ان بدعمها لهذه الحملات سوف تثبت وجودها على الساحة (32) اضافة الى غنى مناطق الايزيدية بالموارد الزراعية والاقتصادية والتي كانت ولاية بغداد بامس الحاجة اليها (33) ولكن الملاحظ ان ايزيدية امارة الشيخان لم يتعرضوا الى اكثر من حملتين طيلة عهد أل الجليلي في حين كانت الحملات العسكرية مستمرة في التنكيل بايزيدية سنجار. يبدو ان موقع امارة الشيخان في جبل مقلوب على الحدود الفاصلة بين ولاية الموصل وامارة بادينان قد مكن الامراء من الحفاظ على كيانهم ازاء القوتين السياسيتين المتجاورتين ففي الوقت الذي كانت فيه الامارة تعد من الوجهة الرسمية تابعة لسيادة ولاية الموصل كانت في واقع الامر مستندة الى سلطة امراء العمادية لذا تمكن الايزيديون من الاستفادة من سياسة توازن القوى بين جارتيها المتنافستين (34) الا ان الامر كان مختلفاً مع ايزيدية سنجار حيث ان خروج هذه المنطقة بحكم موقعها الجغرافي عن تاثيرات الموازنات السياسية للقوى المجاورة قد افقدها فرصة الاعتماد على حليف قوي ملائم. كما ان سيطرتها على مجموعة الطرق التجارية التي تربط الموصل ببلاد الشام والاناضول قد جعلها مصدر خطر على اقتصاديات اقليم العراق باسره. (35) تعرض الايزيديون في امارة الشيخان الى حملة عسكرية من قبل والي الموصل (نعمان باشا الجليلي) 1222 – 1223هـ وذلك في سنة 1223 هـ – 1808م وخلاصة هذه الحادثة هو ان نعمان باشا الجليلي اعدم امير قبيلة الاسكرية الكوردية القاطنة في منطقة بادينان فثار ابناء هذه القبيلة واخذوا ينهبون كل من يظفرون به من اهل الموصل فارسل والي الموصل نعمان باشا الى امير العمادية زبير باشا 1807 – 1833م يطلب منه القضاء على هؤلاء الكورد الا ان زبيراً رفض ذلك وامر ايضاً بنهب اهل الموصل لما فعله واليهم بامير القبيلة الاسكرية وان ايزيدية الشيخان وقفوا مع امير العمادية ضد والي الموصل الجليلي (36) لذا وقعت مسؤولية هذه الاعمال على عاتق ايزيدية الشيخان اكثر مما وقعت على عاتق امير العمادية فشن حملة عليهم وقام باخضاعهم بعد قتال مرير بين الطرفين مما ادى ذلك الى سوء الوضع الاداري والاقتصادي في الشيخان والحاق الضرر باهاليها نتيجة لما قامت به عساكر الوالي الجليلي من اعمال تدمير وتخريب القرى وعمليات السلب والنهب التي رافقت اكثرية حملاتهم كالعادة وانقطعت المواصلات وتوقفت النشاط الزراعي والتجاري وعمت الفوضى والمجاعة بين السكان الابرياء (37).
في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي بداءت تظهر عوامل الضعف والانحلال في الحكم الجليلي لولاية الموصل فازدات منذ ذلك الوقت قوة ونفوذ ايزيدية سنجار على الطرق الهامة المارة بين الموصل والشام وكان ولاة الموصل عاجزين عن الحد من نفوذهم مما ادى الى تدخل ولاة بغداد لدرء خطرهم (38) وبلغ نفوذ ايزيدية سنجار ذروته في عهد احمد باشا الجليلي الذي جاء الى حكم ولاية الموصل سنة 1813م حيث سيطروا على جميع الطرق التجارية وقد انتشرت جماعتهم في الطرق المؤدية الى الموصل وماردين وكانت كل جماعة منهم متألفة من عدة مئات وحسب قول لونكريك: اضطر المسافرون الاوربيون العدول عن سلوك هذه الطرق ولم يكن في وسع والي الموصل احمد باشا الجيلي ان يعيد سيطرة الموصل الى هذه المناطق (39).
عانت الموصل في السنوات الاخيرة من حكم الجليليين من فقدان الامن وانتشار الفوضى والتي كانت ورائها اسباب داخلية وخارجية تمثلت الداخلية منها في استفحال النزعة العشائرية في اطراف المدينة وظهور الصراع بين الاسر الموصلية وخاصة الاسرتين العمرية والجليلية. اما الخارجية فتمثلت بظهور خطر التوسع المصري في بلاد الشام بقيادة ابراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر الذي كان يعمل على ضم العراق والشام لمصر بهدف تكوين دولة عربية موحدة في اثناء هذه السنوات برز اسم محمد اينجة بير قدار (40) الذي اصبح واليا على الموصل في سنة 1835م بعد القضاء على الاسرة الجليلية (41).
لم تكن مهمة اينجة بير قدار توطيد الحكم العثماني في الموصل وحسب بل ان يعيد كوردستان الجنوبية لتكون قاعدة من قواعد الهجوم على القوات المصرية في الشام بالتعاون مع الجيش العثماني المتحشد في ديار بكر وكان هذا يتطلب السيطرة على كوردستان باخضاع الاماررات الكوردية التي كانت تهدد الجيش العثماني من الخلف (42) فاصدر السلطان محمود الثاني فرمانا في سنة 1833م يقضي بتولي قيادة الحملة الى كوردستان من اجل القضاء على الامارات الكوردية الى والي سيواس رشيد محمد باشا (43) . وكان على والي الموصل محمد اينجة بير قدار تقديم الدعم والمساعدة لرشيد محمد باشا لذا فقد هاجم العمادية وبعد محاصرته لها حصارا شديداً احتلها الا ان حاكمها اسماعيل بك لم يقع في قبضته. المهم ان محمد اينجة بير قدار بعد ان قام بتنظيم الامور في العمادية ترك فيها حامية عسكرية ورجع الى الموصل وعند رجوعه خيم في طريق عودته في قرية (كرعوب) وارسل في طلب امراء الايزيدية في الشيخان وزعماء العشائر ورجال الدين ودعاهم الى مقابلته في معسكره ووعدهم بعدم الاساءة الا انه لم يف بوعده فعند وصول هؤلاء الى معسكره اقام لهم مجزرة حيث ابادهم ثم سبا نسائهم واولادهم وارسلهم الى الموصل (44) وجاء في سالنامة الموصل لسنة 312هـ ان والي الموصل الاينجة بير قدار حمل على سنجار بعد ان اخضع تلعفر المتمردة وفتك فيهم وكان يقطع رؤوسهم ويضعها في غرائر ويرسلها الى الموصل لاجل العبرة والارهاب (45).
والظاهر ان ذلك يرجع الى جملة من الاسباب منها:- يبدو ان الكورد الايزيديين لم يمتثلوا امام التجنيد الالزامي الذي فرضه محمد اينجة بير قدار في ولاية الموصل حتى انه واجه مقاومة عنيفة من جانب الاهالي فاضطر الى تهديدهم بالقصف المدفعي في حالة عدم الامتثال هكذا طبقاً للتجنيد الالزامي (46) لانهم كانوا أي (الايزيديون) يمتنعون عن الخدمة الفعلية في الجيش العثماني ويدفعون بدلاً نقدياً مقداره (50) ليرة تركية (47) والسبب الاخر هو يبدو ان محمد اينجة بير قدار طلب المساعدة من الكورد الايزيديين لحملته على امارة العمادية والظاهر ان الايزيديون رفضوا الطلب لانهم كما جاء في المصادر التاريخية يتعبرون انفسهم مواطنين طبيعيين خاصة ايزيدية امارة الشيخان في الامارة البادينانية (48) اما بالنسبة لايزيدية سنجار يقول جليلي جليل بصدد علاقاتهم مع امارة بادينان (كان السنجاريون يقيمون علاقات صداقة مع حكام بهدينان في مركزهم العمادية) . (49) لكن السبب الاهم يبدو كان اقتصادياً تمثل في توفير الامن في الطرق التجارية اذ كانت العشائر العربية والكوردية تغير دائماً على القوافل التجارية وخاصة تلك السالكة الطريق التجاري التقليدي (الموصل – ديار بكر – حلب او الموصل – تلعفر – بلاد الشام) (50).
صدر في 3 تشرين الثاني 1839م خط شريف كولخانة الذي اعتبر اول خطوة من خطوات الاصلاح في عهد التنظيمات وكان الغرض منه اعادة ترتيب وتنظيم القوانين والانظمة الاساسية للدولة العثمانية على اسس جديدة في شتى الميادين والاتجاهات والعمل على تحسين نظم الحكم والادارة في عاصمة الدولة وايالاتها (51) ان ما يهمنا من هذه المرسوم هو انه قرر معاملة المسلمين وغير المسلمين بمساواة تامة حيث جاء فيه (وتمتاز سائر تبعية دولتنا العلية من المسلمين وسائر الملل الاخرى بمساعدتنا .. بدون استثناء) (52) لكن في الحقيقة ان ما جاء في هذا المرسوم لم يطبق على ارض الواقع فبالنسبة الى الكورد الايزيديون لم تعاملهم الدولة العثمانية معاملة حسنة فحسب ما نص عليه المرسوم كان المفروض ان يتم معاملة الايزيديون اسوة بجميع الرعايا الذين كانوا يعيشون في الدولة العثمانية لانه اكد بشكل اساس على المسساواة امام القانون بينما نرى عكس ذلك حيث تذكر المصادر التاريخية بان والي الموصل محمد شريف باشا (1260هـ – 1261هـ ) قاد حملة على ايزيدية سنجار واجرى فيها الكثير من القتل والخراب ثم نهبها ويقال بان هذه الحملة كانت اشد واقسى هولاً على ايزيدية سنجار من الحملة التي قادها محمد اينجة البير قدار (53) تابع ولاة الموصل حملاتهم ضد الايزيديين لتقوية قبضتهم عليهم واخضاعهم للتنظيمات العثمانية وخاصة التجنيد وللحصول على الاموال والمحاصيل الزراعية التي تحتاجها الولاية لذلك تعرض ايزيدية سنجار في سنة 1844م الى حملة عسكرية قادها والي الموصل محمد باشا كريدلي (1261 – 1262هـ ) (54) ورغم مقاومة وتصدي اهل الجبل لهذه الحملة الا ان الوالي أفحش فيهم قتلاً وتعذيباً (55) هنا يبرز دور احدى ابرز الشخصيات الدينية الايزيدية وموقفه من تلك الحملة الا وهو بابا شيخ ناصر (56) (1807 – 1889م) الذي تصدى لهذه الحملة بارسال المتطوعين من الايزيدية الى سنجار مما دعا السلطات العثمانية الى اصدار امر باعتقال الشيخ ناصر وارسال قوة عسكرية الى مسقط راسه في قرية ابيسيان (57) لتنفيذ ذلك الا ان احد اتباع الشيخ ناصر والمدعو (سينو) ذكر لهم بانه هو الشيخ ناصر فاقتادوه بدلاً منه الى الموصل حيث تلقى تعذيباً بدلاً من شيخه ولم يفش السر حفاظاً على كرامة الشيخ ناصر ومكانته الروحية بين الايزيدية (58)
عندما تولى ولاية الموصل طيار باشا في 1846م توجه الشيخ ناصر الى حسين بك امير الايزيدية انذاك واقنعه بالتوجه الى البريطاني هنري لاياردوكرستيان رسام نائب القنصل البريطاني في الموصل ودعوتهما الى ايسيان اعتذر رسام لكثرة مشاغله اما هنري لايارد فقبل الدعوة وحضر قرية ايسيان وفي اثناء الاستضافة شرح الشيخ ناصر لهنري لايارد حالة الايزيدية وما تعرضت له من حملات وقتل وتهديد .. الخ من قبل العثمانيين وطلب من لايارد التوسط عند الوالي طيار باشا لصالحهم وفعلاً قبل لايارد ذلك وطلب لايارد من الشيخ ناصر زيارة باعذرة ومعبد لالش المقدس (58) وتم له ذلك وفي معبد لالش طلب لايارد من الشيخ ناصر الاذن له بزيارة سنجار فاستغل الشيخ ناصر هذه المحاولة واعطى لايارد رسالة الى شيوخ المهركان (59) طلب فيها منهم ابداء المساعدة لنهري لايارد والاعتماد عليه في التوسط لدى السلطة العثمانية في الموصل وطلب الشيخ ناصر من لايارد ايضا التوسط لدى طيار باشا بتخفيض الضرائب فوافق طيار باشا بشان هذه المسالة (60)
توجه طيار باشا الى سنجار من اجل التحقيق في المظالم التي اجراها الوالي السابق محمد باشا كريدلي فطلب حضورهم الا انهم لم يجيبوا هذا الطلب خوفاً من ان يغدر بهم الوالي الجديد طيار باشا وهم لا يثقون بالمواعيد التي يعطيها الولاة لهم (61) وكان لايارد مرافقاً طيار باشا في تلك الاثناء فيقول بصدد ذهاب الوالي طيار باشا الى سنجار: ذهب طيار باشا الى سنجار قصد ان يقوم بالتفتيش بخصوص جمع الاموال الاميرية ويحقق في المظالم التي اجراها الوالي الذي كان قبله في الموصل بحقهم. ودعا زعماء الايزيدية وكبارهم لمواجهته في مهركان من اكبر قرى الايزيدية في سنجار لكنهم امتنعوا عن مواجهته خوفاً من ان يعاملهم بالجور والجفاء واصروا على عدم مقابلته رغماً عن المواعيد التي وعدهم بها. فارسل طيار باشا احد قواده اليهم لكي يؤمنهم على حياتهم (62) لكن يبدو وان الافق كان يخبئ كارثة اخرى للايزيدية اذ يقول لايارد: رافقت الوالي طيار باشا الى سنجار وعند وصولنا القرية (يقصد قرية مهركان) اطلق الايزيدية بنادقهم علينا فاصيب فارسان وهرب الباقون فغضب الباشا وامر العسكر ان يهجموا على القرية الا ان الاهالي كانوا قد التجاؤا الى مضيق كثير الكهوف واجتمعوا فيه ثم ان العساكر دخلوا القرية وقتلوا أي واحد وجدوه فيها من شيوخ وعجائز واوقعوا فيها النهب واحرقوها وجرت مقابلات بين العسكر والايزيدية المتحصنين في الجبل وقتل قاضي العسكر وكثير من الطرفين (63) هذا كان موقف ولاة الموصل من الكورد الايزيدية خلال فترة هذه الدراسة.
موقف ولاة بغداد من الايزيدية
تعرض الايزيديون الى العديد من الحملات خلال القرن الثامن عشر من قبل ولاة ولاية بغداد واحياناً كثيرة كان يشاركهم في هذه الحملات ولاة ولاية الموصل ويبدو ان الدافع الاقتصادي كان الاكثر اهمية من وراء تلك الحملات فمثلا عندما ازداد نفوذ ايزيدية سنجار في النصف الاول من القرن الثامن عشر حاولوا مد نشاطهم الى الطريق الواقع بين كركوك والموصل الذي كان يعتبر اهم طريق حيوي يربط الموصل بجنوبي العراق (64) وفعلاً تمكنوا من السيطرة عليه والحد من نفوذهم أي نفوذ الايزيدية كما جرد والي بغداد سليمان باشا (ابي ليلة) . (65) حملة عسكرية واسعة النطاق عليهم وذلك في سنة 1266 هـ – 1752م فاوقع برجالهم قتلاً واسراً وسبى نسائهم وغنم اموالهم واسلحتهم ودمر اماكنهم واقتلع بساتينهم واحرق مزارعهم وحز عناق الكثيرين من رجالهم. وارسل نحو ثلاث مائة راس منهم الى الاستانة ثم رجع الى بغداد (66).
استمرت حملة ولاة بغداد في القرن التاسع عشر على الايزيدية ففي 25 محرم سنة 1224 هـ – 1809 م خرج والي بغداد ليمان باشا الصغير (1808 – 1810م) من بغداد على راس قوة كبيرة انضمت اليها في الطريق قوات كويسنجق واربيل ومندلي وزهاو وكركوك وتكريت وزعماءوها وقبائل البو حمدان والبو سلمان وطي والعبد والبوحمد ولكثرة عدد عساكر هذه الحملة وصفها ياسين العمري بانها (عساكر تسد الفضاء) وبعد ما وصلت الحملة الى سنجار دخلت مدينة بلد وغنمت ما فيها ثم نهب قرى المهركان وقطعت اشجارهم وخربت ديارهم(67) توجه سليمان فيما بعد الى جهة الشمال وحاصرها الا ان الايزيديين استطاعوا دحر الهجوم الذي شنته قوات سليمان باشا على الجبال وردوا المهاجمين على اعقابهم بعد ان قتلوا منهم الالوف واضطروهم الى الانسحاب الى الوراء واستطاع الايزيديون في هجمات معاكسة ان يهزموا القوة الرئيسية لسليمان باشا الامر الذي لم يترك له أي مجال للشك في ان قواته ستباد بالمرة لذا رجع يائساً ( 68).
تذكر بعض المصادر التاريخية بان سبب هذه الحملة هو ان عشائر الظفير العربية القاطنة في منطقة ديار بكر والايزيدية في سنجار كانوا قد اتخذوا من اطراف اورفة مركزاً لنشاطاتهم ضد ولاة الموصل وبغداد وبمرور الوقت اتسعت دائرة نفوذهم ونشاطاتهم حتى اصابت نفوذ عشيرة طي. فكتب رئيسها فارس الجربا الى سليمان باشا والي بغداد يخبره بما تقوم به هذه العشائر من اعمال تخل بامن ونفوذ بغداد في هذه المناطق وفعلا استجاب سليمان باشا الى الطلب (69) لكن يبدو ان الهدف الرئيسي من هذه الحملة كان اقتصادياً اذ ان سليمان باشا وجه في البداية كلاً من محمد بيك متصرف كويسنجق وحرير واحمد باشا والي الموصل نحو ماردين مدفوعاً بما كان يخيل اليه من الحصول على غنائم مهمة ومن سلب ونهب سواء من الايزيديين او من عشيرة الظفير (70).
عندما تولى داؤد باشا (1817 – 1831م) اخر ولاة المماليك ولاية بغداد سار على سياسة من سبقه من الولاة المماليك وخاصة تجاه ايزيدية سنجار بعد ان فشل قاسم بك الشاوي في ثورته ضد داؤد باشا في سنة 1234 هـ – 1819م لجا هارباً نحو ايزيدية سنجار واتفق معهم على قتال داؤد باشا (71) والظاهر ان قاسم بك الشاوي استغل فرصة سوء وتوتر علاقات ايزيدية سنجار مع ولاة بغداد ولهذا التجا اليهم نتيجة لما اصاب العراق من ارهاق مالي بسبب الحرب الفارسية وما قام به داؤد باشا من اصلاحات مكلفة فلرغبته القوية في تقوية قبضة الحكومة على ماردين وعلى الايزيدية الذين حموا قاسم بك الشاوي عمل داؤد باشا على ان يقضي على الفتن في ماردين ليجمع (على ما يظن) ما يمكن جمعه من الاموال من المدينة ولذلك ارسل سنة 1239 هـ – 1823م الويودة خليل افندي البغدادي الذي كان يشغل منصب متصرف بغداد فقام هذا بفرض ضرائب ورسوم جديدة وضاعف الضرائب على التجار مما ادى ذلك الى ثورة الاهالي عليه فعزله الوزير (أي داؤد باشا) واستقدمه الى بغداد (72).
وفي سنة 1242 هـ – 1826م زاد اهتمام داؤد باشا بكل النواحي المضطربة لكنه في هذه المرة كان يبغي اصلاح امورها باموال من بغداد وفي الوقت نفسه كان يرى في استمرار تمرد الايزيدية ووجود قاسم بك الشاوي بينهم خطراً يهدده (73). لذا نصب احد مماليكه على ماردين وزوده بخمسمائة مقاتل مع مبالغ كبيرة وكلفه بان يقضي على نفوذ الايزيدية في المناطق الواقعة بين سنجار وماردين ويعيد سيطرة بغداد اليها. يبدو ان الويوضة لم يقم بالمهمة خير قيام لذا قاد داؤد باشا نفسه حملة عسكرية على الايزيدية في سنجار سنة 1826م فشتت شملهم وفرق جمعهم الا انه لم يتمكن من القضاء عليهم واخضاعهم الا بشكل مؤقت نظراً لضيق وقته ولانه لم يكن قد فرغ من المشاكل والفتن الا لفترة عامين وان اخضاع الايزيدية والقضاء على نفوذهم كان يتطلب في الواقع عدة سنوات (74).
بعد حملة داؤد باشا على الايزيدية في سنجار تنقطع اخبار الايزيدية او بالاحرى تسود فترة من الهدوء بين الايزيدية وولاة بغداد يقول الدكتور عبد العزيز سليمان نوار بهذا الصدد (وتسكت المراجع عن انباء الايزيديين وكأن الجبل قد تمتع بهدوء شامل طيلة السنوات التي اعقبت 1850م حتى عام 1863 – 1864 عندما عاد الايزيديون الى السلب والنهب ويقول ايضاً (واغلب الظن ان الولاة قبل مدحت باشا اهملوا تمرد اليزيديين) (75) لكن الظاهر ان انقطاع اخبار الايزيدية وعدم تعرضهم الى الحملات سواء من قبل ولاة بغداد او الموصل او حملات مباشرة من الاستانة انما يرجع الى الفرمان الصادر من قبل السلطان الذي يقضي بتحريرهم من القيود غير القانونية ومن بيع اطفالهم كعبيد .. الخ. بمساعدة لايارد الذي التقى بالوفد الايزيدي في الاستانة (76).
وعندما تم تعيين مدحت باشا (77) 1869 1872 واليا على بغداد (78) شرع بدراسة اوضاع واحوال العراق من جميع النواحي فبخصوص المسالة الايزيدية اراد مدحت باشا من ياخذ منهم اللائق الى الجندية وان يخضعهم لقوانين وانظمة واوامر الدولة واستنكر مدحت باشا حادثة قتل قصابين من قبل ايزيدية سنجار لارسال حملة عسكرية اليهم (79) وخلاصة الحادثة كما يقول عباس العزاوي في حوادث سنة 1286هـ – 1870م (ان الايزيديون في سنجار كانوا قد اعلنوا العصيان على الحكومة العثمانية مدة خمس اوست سنوات وتحصنوا في جبل سنجار واصروا على ان لا يدخل غريب بينهم وبقوا على هذه الحالة وهم يعيشون على محاصيل الجبل الوافرة خلال هذه الفترة كان هناك قصابان قد ذهبا الى عشائر شمر وعنزة لشراء الاغنام فعند وصولهما قرب جبل سنجار التقى بهما عدد من الايزيدية واخبروهما بوجود عدد من الاغنام في الجبل اقل ثمناً من غيرها وانفع فطمع القصابان بالربح وذهبا مع الايزيدية الى الجبل فقتلوهما وسلبوا نقودهما ولسوء حظ الايزيدية صادف هذه الحادثة وصول مدحت باشا والي بغداد الى الموصل فلما علم بما حدث طلب من الكورد الايزيدية في سنجار بيان اسماء القاتلين وامر بالقاء القبض عليهم (80) ثم تم جمع القوات الموجودة في الموصل وماردين وشهرزور فبلغوا مقدار ثلاثة افواج وسريتين من الخيالة واربع قطع مدافع مع عدد من الجنود وتوجهت هذه القوة بقيادة احمد بك وضياء باشا متصرف لواء الموصل. كانت الموصل في تلك الفترة تابعة ادراياً لولاية بغداد . بعد تزويده بالتعليمات اللازمة من قبل مدحت باشا (81) عندما وصلت تلك القوة الى سنجار توجه الايزيديون الى حصونهم وتحصنوا فيها لكن بعد ان علموا ان المطلوب الجناة فقط فسلموهم لقوات مدحت باشا (82) يظهر مما سبق ان هدف مدحت باشا لم يكن قاتلي القصابين فحسب بل والحصول على الاموال واخذ القادرين للجندية اذ يقول الدكتور عبد العزيز سليمان نوار: (واخذ عدد من القادرين على الجندية ووضعوا في سلك النظام بطريق القرعة كما حصل منهم مدحت ما عليهم من اموال للحكومة..) (83) هكذا تمكن مدحت باشا من تطبيق نظام التجنيد الالزامي في سنجار عن طريق القرعة وحصل على الاموال الاميرية المتراكمة ثم وضع فوج من العسكر للتاكد من الوضع وعاد الباقون الى الموصل, اما الجناة من ايزيدية سنجار فقدموا الى المحكمة في الموصل (84)
اذا ولاة ولاية بغداد ايضاً كان لهم نصيبهم في اضطهاد الكورد الايزيدية وحقيقة ان موقفهم ذلك كان تعبيراً عن وجهة السياسة العثمانية تجاه الكورد الايزيدية التي كانت تقف ورائها جملة اسباب سياسية واقتصادية ذكرناها سابقاً.
المبحث الثالث
سياسة الاستانة تجاه الكورد الايزيدية
بدأت الحكومة العثمانية منذ حكم السلطان محمود الثاني (1808 – 1839م) بمهمة القضاء على كافة الحركات الانفصالية وتقوية قبضتها على ولاياتها بتطبيق السياسة المركزية(87) وكانت اولى خطواتها القضاء على الاستقلال الذاتي الذي كان يتمتع به الكورد الايزيديون في منطقة سيرت بقيادة زعيمهم الشيخ ميرزا الذي حاول مرات عديدة الاتصال بالجبهة او القيادة العسكرية الروسية في القفقاس. خلال الحرب الروسية التركية 1828 – 1829 م. واخيرا نجح في الاتصال بقائد الجبهة (باسكيفج) في المنطقة واظهر له رغبته والكورد الذين يقفون الى جانبه مساعدة القوات الروسية لتحرير هذه المنطقة من نير السلطات العثمانية , اظهر هذا الموقف الذي اتخذه الشيخ ميرزا للسلطات العثمانية نوايا الكورد الايزيدية والتي تمثلت في تحرير المنطقة من سيطرتهم لذا ارادت السلطات العثمانية شن حملة عسكرية بحقهم الا ان تدهور وضع قواتها في تلك الاثناء حال دون تحقيق ذلك(88). لم يحقق الشيخ ميرزا ما كان يتطلع اليه وذهبت اماله ادراج الرياح وخاصة بعد ان عقد الطرفان الروسي والتركي معاهدة سلام عام 1829م الا انه رغم ذلك استمرت العلاقات بين الشيخ ميرزا وباسكيفيج . حيث استمروا في تبادل الرسائل بينهما وحول النضال الكردي الارمني المشترك في هذه المنطقة وموقف السلطات العثمانية تجاه هذا النضال(89) . يقول القس الارمني (خاجا دور ابو فيان): بعد مرور فترة على هذه الاحداث لم يكن بوسع احد ان يتحدث عن شجاعة وبسالة كل من الشيخ ميرزا قائد الايزيدية وبوكوس القس الارمني خوفا من السلطات العثمانية في هذه المنطقة(90) ان الاجراءات القاسية التي اتخذتها السلطات العثمانية بحق الكورد الايزيدية في هذه المنطقة كانت لها اثارها السلبية على الايزيدية اذ اجبروا على اعتناق الاسلام عنوة اما القسم الاخر الذي لم يعتنق الاسلام بدأ يفكر في ترك وطنه والتوجه الى مناطق الحدود الشمالية القريبة من الحدود الروسية الا انه عندما بدأت العشائر الايزيدية بالتوجه فعلا الى المناطق الواقعة على الحدود الروسية الايرانية املين التخلص من النير العثماني والحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم شنت السلطات العثمانية حملة كبيرة عليهم ادت بالنتيجة الى قتل الكثير منهم ولم ينج من هذه الحملة الا عدد قليل من ابناء هذه العشائر الذين استطاعوا الوصول الى ايران او الى الاراضي الواقعة في شمال شرقي تركيا ومنها توجهوا الى ارمينيا السوفيتية(91).ومن اجل القضاء على الامارات الكوردية الاقطاعية انتدبت الدولة العثمانية محمد رشيد باشا الصدر الاعظم السابق ووالي سيواس ليتولى قيادة الحملة على كوردستان(92) وكان من ضمن السياسة المركزية العثمانية مهمة القضاء على نفوذ الايزيدية وقوتهم, لذا نرى بان رشيد باشا اول ما بدأ حملته توجه نحو مدينة سيرت وبالتحديد على منطقة رودوخان التي كانت تقطن فيها اغلبية ايزيدية وعمل فيها الكثير من القتل وبحق الارمن الموجودين فيها (93) ومن سوء حظ الايزيدية ان الدولة العثمانية عندما قررت القضاء على امارة سوران واميرها محمد باشا الراوندوزي كانت اولى خطواتها هي ضرب العشائر الواقعة على اطراف الامارة كمقدمة لغزو الامارة نفسها وفعلا تم توجيه الضربة الاولى الى العشائر الايزيدية الخاضعة لمحمد باشا الراوندوزي(94) والظاهر ان المقصود بالعشائر الواقعة على اطراف الامارة هم ايزيدية امارة الشيخان الذين وقعوا تحت سيادة محمد باشا الراوندوزي امير امارة سوران بعد احتلاله لامارة بادينان في 1833م(95). وفي سنة 1836م وجه رشيد باشا حملة عسكرية على ايزيدية جبل سنجار وذلك بعد استسلام محمد باشا الراوندوزي (96) فعمل فيها الكثير من المظالم بحق الايزيدية مما اضطر الكثير منهم الى الهرب الى كهوف الجبل. يقول لايارد بشأن هذه الحملة عندما جاء الجبل محمد رشيد باشا وحافظ باشا التجأ اليزيدية الى الكهوف والمغارات قصد ان ينجوا بارواحهم, الا ان ذلك لم يفدهم شيئاً بل اختنقوا بدخان النيران وقتلوا بالبنادق والمدافع وابيد ثلاثة ارباعهم(97). توفي محمد باشا في كانون الثاني 1837م اثر اصابته بمرض الكوليرا التي انتشرت بين جيشه فحل محله المشير حافظ باشا الذي قاد هو الاخر حملة عسكرية كبيرة على الايزيدية في سنجار(98) اذ يقول لونكريك (وفي 1837م 1253هـ سحق جند جاءوا من خارج العراق يقودهم حافظ, اليزيديين في سنجار)(99) ويبدو ان حافظ باشا قد قسم جيشه من اجل السيطرة على جبل سنجار حيث يذكر صاحب كتاب (اليزيدية قديماً وحديثاً) ان حافظ باشا حضر الى والتبة وضبط ذلك المكان وارسل فرقة من الفرسان بقيادة ميرزا باشا الى الشمال , اما مصطفى باشا فقد توجه الى الجانب (القبلي) من الجبل(100) بعد ان رأى الايزيديون تلك القوة الكبيرة بقيادة حافظ باشا ارادوا عدم الدخول في القتال معه لذا قامت مجموعة من افراد عشيرة المهركان المعروفة بقوتها وبسالتها في جبل سنجار ارسال ستة رؤوس من الخيل الى حافظ باشا كهدية ودليل لاطاعتهم لامره, قبل حافظ باشا الهدية الا انه طلب اضافة الى ذلك قطيع من الغنم واثنين من وجهاء وشيوخ المهركان لكي يبقيهم عنده كرهائن الى ان ينتهي من اخضاع الجبل. لكن وجهاء عشيرة المهركان بعد ان تشاورا فيما بينهم قرروا رفض الطلب معتقدين بان حافظ باشا سوف يطلب اشياء اخرى لا يستطيعون دفعها, لذا جرت اول حرب على عشيرة المهركان فقتل الكثير من الطرفين الا ان الغلبة في النهاية كانت لقوات حافظ تلك القوات التي قامت بعد ذلك بالتجوال في المناطق الاخرى من الجبل فقتلوا الكثير وحتى الذين لجأوا الى الكهوف في الجبل لم يسلموا من مظالم قوات حافظ بباشا حيث قاموا بمحاصرتهم واضرموا النار فيها فماتوا حرقاً او خنقاً بالدخان اما الاطفال والنساء والبنات فجاؤا بهم الى منطقة تمركزهم ثم اخذهم الى مدن الموصل والى بلاد العجم وعرضوا للبيع(101) . كانت لحملة حافظ باشا اثر كبير على الايزيدية سواء من الناحية الاقتصادية او البشرية، اذ رغم تعرض منطقتهم للخراب والدمار والسلب والنهب فانهم فقدوا الكثير من الرجال والنساء والاطفال، ولشدة تاثير هذه الحملة على نفوس الايزيديين فانهم الى يومنا هذا لا يزالون يذكرونها ويذكرون ما لاقوه من حافظ باشا في الاغاني الفلكلورية التي تسمى بـ (ستران) يبدو ان انتصار قوات حافظ باشا على الايزيديين يرجع اضافة الى تفوقها في العدة والعدد، قيامه باعداد هذه الحملة باسم الدين، أي اثارة الشعور الديني الامر الذي ادى الى انضمام الكثير من الناس اليه(102) مما ادى بالتالي الى تفوقهم وانتصارهم على الايزيدية. اراد الايزيديون ان يجدوا لانفسهم مخرجاً من الحملات العسكرية العثمانية سواء من الذين كانوا يتعرضون لها من قبل ولاة بغداد او ولاة الموصل او من الاستانة مباشرةً، او من قبل امير امارة سوران محمد باشا الراوندوزي وبدر خان امير امارة بوتان(103) ولكي لا يخدموا في الجيش العثماني ادعوا ان معتقداتهم تحول دون تجنيدهم بحجة ان اللون الازرق، وهو لون زي الجند العثماني الجديد محرم لديهم كما ادعوا ان العقيدة الايزيدية تحرم عليهم اكل بعض الاغذية(104) ولكن دون جدوى، ثم وجد زعماء الايزيدية ان انجح وسيلة للتهرب من الجندية ولشرح اوضاعهم وايصالها الى السلطان في الاستانة، هي الاستعانة بذوي النفوذ من الانكليز، وفعلا تمكن الايزيديون من تكوين علاقة صداقة مع لايارد(105) ثم تولى بعد ذلك القوال يوسف(106) مهمة الذهاب الى الاستانة، وفي الاستانة التقى لايارد الذي وصل اليها في اواخر اب 1847م بالوفد الايزيدي الذي كان برئاسة القوال يوسف فاسرع لايارد الى عرض المسألة على ستراتفورد كاننك (S.Canning) السفير البريطاني الذي قدم بدوره تقريرا عن متاعب الايزيديين للباب العالي(107) وحسب قول لايارد ان تلك الوساطة تمخضت عن صدور فرمان يحررهم، أي الايزيدية من القيود غير القانونية ومن بيع اطفالهم كعبيد وعن منحهم حرية العبادة ومساواتهم بغيرهم من طوائف الدولة العثمانية، ويقال بان هذا الفرمان (القرار) وعد باتخاذ تدابير لتخليص الايزيديين من الكثير من قوانين التجنيد(108) فكان ذلك مثار ارتياح الايزيديين وعندما رجع القوال يوسف ولايارد من الاستانة1849م تم استقبالهم بحفاوة من قبل الايزيديون(109) يظهر مما سبق ان الايزيديين ارادوا التخلص نهائيا من مسألة التجنيد والضرائب. نتيجة ما لاقته الايزيدية من النير العثماني والاضطهاد الذي تعرضت له سواء كان من الناحية الدينية او القومية دفع هذا الامر الى ان يكون الايزيديون مستعدين للمشاركة في اية حركة قومية تحررية كوردية، ولهذا نرى بانه عندما اندلعت انتفاضة ئيزدين شير (1854 – 1856م) (110) وتوسعها وانتشارها في عام 1855م في المناطق الواقعة جنوب بحيرة وان وحتى الموصل بان الكورد الايزيدية سيشاركون فيها مشاركة فعالة ويظهر ذلك بشكل واضح وجلي عندما دحر الامير الايزيدي حسين بك قوة تركية كبيرة مؤلفة من خمسة الاف مقاتل واستولى في الموصل على معمل الاسلحة ومخزنا كبيرا من القنابل والمدافع بالاضافة الى خزينة المدينة وهذا زود فعلا من قوة الانتفاضة سواء من ناحية العدة او دفع معنويات الثوار الذين تمكنوا خلال العام نفسه من الاستيلاء على مدينة سيرت(111) لكن السلطات العثمانية وبمساعدة الانكليز تمكنوا من اخماد انتفاضة ئيزدين شير نهائيا في تشرين الثاني 1855م وبعدها عادت الامارة التركية ثانية الى ذلك الجزء من كردستان(112) وحسب ما تشير اليه المصادر التاريخية انه بعد اخماد انتفاضة ئيزدين شير حدثت انتفاضة اخرى، والتي كانت على ما يبدو وامتداداً لانتفاضة ئيزدين شير في عام 1856م في ولاية ديار بكر لها صداها في المنطقة، ثم ثارت منطقة ديرسيم الجبلية وجرت اشتباكات بين سكان المنطقة والقوات العثمانية في باشلك موشر، ووان وارضروم، يقول جليلي جليل: (الاضطرابات المعروضة انفاً يفسرها السكان في باشلك بايزيد وكأن الاكراد واليزيديون يترقبون وصول القوات الروسية) ان دل هذا على شيء فانه يدل على مدى استياء الكورد من العثمانيين وعملياتهم العسكرية واضطهادهم للكورد، لذا فانهم كانوا يترقبون وصول الروس املين التخلص من النير العثماني(113)
تنقطع الاخبار عن الايزيدية بعد اخماد انتفاضة ئيزدين وما تبعتها من اضطرابات في بعض المناطق الكوردية الى مجيء مدحت باشا (1869 – 1872) لولاية بغداد الذي حاول فرض التجنيد الالزامي عليهم لكن حسب ما تشير اليه المصادر التاريخية ان الايزيديون حاولوا التملص من اداء الخدمة العسكرية ورفعوا عريضة الى الاستانة بواسطة رؤوف باشا والي بغداد الذي جاء بعد الوالي مدحت باشا ومشيرها في 28 شباط 1872م قالوا فيها بان واجباتهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم تحول دون اداء الخدمة العسكرية في الجيش العثماني وطلبوا دفع المال عوضا عن الرجال كبقية المسيحيين واليهود ووقع على هذه العريضة(114) حسين بك امير الايزيدية وبابا شيخ ناصر الزعيم الروحاني للايزيدية مع مجموعة من وجهاء الايزيدية(115)

المصدر: موقع بحزاني

تعليق واحد

  1. بسام مال اللة عيدو

    ماهواصل الديانة لالايزيدية وكيف تكونت هذة الديانة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *