الرئيسية » مقالات » الى المجد د. نزيهة الدليمي !

الى المجد د. نزيهة الدليمي !

كنا صغاراً عندما صارت د. نزيهة الدليمي اول وزيرة في العراق وفي العالم العربي، حين كانت احاديث وذكريات الكبار الحميمة عنها وعن وجوه معروفة اخرى، كالدكتور عبد الأمير السكافي ود. حسين الوردي وأخريات وآخرين . . عندما كانوا يلتقون في بيتنا، وكانوا يحملون لنا معهم الحلوى ويعودونا عندما كان احدنا يمرض لسبب او لآخر.
حين كانت الأحاديث النسائية تتناول اسماءاً وشخصيات نسائية لها حضورها في الحياة البغدادية آنذاك، اضافة الى د. نزيهة الدليمي، الطبيبة النسائية المعروفة خالدة القيسي، بثينة البستاني، بنات شيخ رشيد، وبنات السلام (1) وغيرهن ممن شكّلن بنات ونساء من العائلات الأكثر تحرراً في الرصافة والأعظمية، وممن عرفن بانحيازهن لقضايا الفقراء . . في تلك المنطقة .
وفيما اثار ذلك الأستيزار الفرح بين اوسع العوائل لأن الوزيرة منها ومنهن ويعرفنها ويعرفن نزاهتها وعمق اخلاصها لقضية المرأة بترابطها الوثيق بقضية كل المحرومين رجالاً ونساءاً . . فأنه اثار موجة غضب وحقد عاصفة من نشاطات جماعات عرفت بتزمتها ومعاداتها لكل مايمت للتحرر بصلة، التي كانت معززة بفرق مسلحة لشقاوات وقتلة محترفين كانوا مسلّحين بكل مايميت . . اشاعت الموت والرعب لكل من ايّد او اتُهم بتأييده للدور الذي لعبته الوزيرة الرئيسة (السكرتيرة) الأولى ومؤسسة ” رابطة المرأة العراقية ” بسن اول قانون للأحوال الشخصية في العراق .
وفيما كانت جماهير واسعة تتابع بفرح ولهفة الشاشة الصغيرة وهي تنقل مراسيم استقبال المناضلة الجزائرية المعروفة ” جميلة بوحيرد “. . فان ظهور بوحيرد على الشاشة الفضية وهي تحيي د. نزيهة التي كانت تقف الى جوار العقيد المهداوي، اشاع موجة من هجوم مسلحين ملثمين قاموا بتحطيم كل تلفزيون امكن رؤية شاشتة او امكن سماعه وهو يغطي تلك الفعالية، ضاربين من طالته ايديهم بالهراوات التي ادمت وحطّمت . . صائحين مولولين بأن ( الوزيرة والمهداوي يتعاونان ضد سلامة الجمهورية ) وانهما كافران . . !! لتغطي صحف معروفة في اليوم التالي ذلك بمانشيتات وصور مصحوبة بتعليقات من قبيل ( عبّرت جماهير شعبنا الأمين عن حرصها على سلامة الوطن وعلى الأخلاق من المخربين والكفّار) !
استمرت تلك التجاذبات الدموية وازدادت خطورة واسفرت عن انقلاب دموي كان الأول في وحشيته ودمويته في 8 شباط 1963 . . لنسمع نحن الصبيان آنذاك صوت الدكتورة نزيهة متهدجاً عبر الأثير من منبر مؤتمر النساء السوفيتيّات في آذار 1963 وهو يدعو الى التضامن مع الشعب العراقي ونسائه وشبابه في محنتهم والى السعي للخروج من تلك المحنة التي لاتخدم الاّ اعدائه . . حين التزمت اكبر العواصم واقربها الصمت عما كان يجري .
ومرت السنين وتقلبت حكومات واوضاع . . وفيما كان الأرهاب مستمراً اواخر الستينات، كنت في هيئة طلابية قادت قطاعاً طلابياً واسعاً اضافة الى قيادتها للسياسيين من قيادة وكوادر ” اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ” آنذاك . . وكنا متهيئين في بيت في ” مدينة الحرية ” في شمال بغداد لحضور مشرف للتثقيف ولمناقشة قضية ” حقوق المرأة ” . . ولم يكن المشرف الاّ الدكتورة نزيهة الدليمي القائدة النسائية العراقية المعروفة، التي اوضحت بدقة وصبر وبقابلية على شدّ الأهتمام مفهوم ” قضية المرأة ” التي كان يفهمها كل منّا على طريقته ورؤيته وانطلاقاً من بيئته ومعرفته .
كنّا مشدودين الى ان القضية ليست قضية حجاب او لاحجاب، ولاقضية تدخين وجينز، ولا قضية تبرّج وتزيّن ولا لمن وكيف . . وانما وبعيداً عن التشوّش والضياع في التفاصيل والصغائر والتشويه . . تتلخّص بـ : تساويها مع الرجل كأنسان . . في الحقوق الأقتصادية، السياسية، الثقافية، الأجتماعية وامام القانون . . وان الصراع حولها، بمداها وحجم تأثيرها وشموليتها الأجتماعية، يجعلها قضية سياسية مصيرية ووطنية كبرى لابد ان تكون في صلب نشاطات قوى التحرر والديمقراطية لأنها ليست قضية اجتماعية عامة، اوقضية اسيرة برغبة او هوى . . الأمر الذي فتّح عيوننا واذهاننا وكانت محطة هامة من محطات الدخول في حقيقة اوضاع مجتمعاتنا وفي الحقائق المرّة المغلّفة التي تعيشها.
بعد انتهاء الأجتماع، دعتني الى مرافقتها . . سرنا في ذلك الظلام الحالك في جادة طويلة عابرين خلالها برك الماء الآسن، خائضين في الأوحال، داخلين في نقاشات طويلة عن الوسط الطلابي الذي كان ملتهباً، وكانت مفاجئتي انها كانت تقف على عديد من الأمور الطلابية التي كانت الأحدث، والتي حملت معاني اوسع كانعكاس وكفعل فيما كان يجري، مؤكدة على اهمية اليقضة وتقليب امور كثيرة كانت تجري في قطاع الثانويات لأسباب عشائرية وشخصية، كانت محاولات تجري لتجييرها وكأنها صراعات سياسية، داخلة في تفاصيل اهمية ومعاني المنظمات الجماهيرية في تحقيق المطالب وللسير على طريق التقدم الأجتماعي والحضاري، بصياغات سلسة متفهمة ومتفاعلة مع حرارة وتسرّع وشعور الشباب بقدرته . . مع تبصير وتوجيه ودعوة لعدم التحليق عن الواقع .
وفي الأخير لم تنسَ ان تسألني عن صحة واحوال والدتي وابي وجدّتي . . معبّرة عن اعتزازها بتلك العائلة الجميلة رغم الضنك، حين كانت تضيّف لقاءاتهم وكانوا وكنّ يحملن قطع الحلوى لصغارها في تلك السنة عشية ثورة 14 تموز 1958 ، وبعد ان حمّلتني تحياتها الحارة لهما واتفقنا على مواعيد تنظيم اعمالنا . . افترقنا .
لنلتقي مراّت ومراّت في لجة توجيه العمل الديمقراطي والجماهيري الذي كان مرصوداً ومُتَربّصاً به، حين كان العمل جارياً من الدكتاتورية لتقطيع اركانه وتحطيمه على مراحل، لنفترق . . ثم لنلتقي بعد قرارات تجميد المنظمات الديمقراطية . . في الأجتماع الموسع الطارئ لنشطاء العمل الديمقراطي في قاعة قرب ” ساحة عقبة بن نافع ” اواخر 1977 الذي كان مطلوباً منه بلورة موقف امام تزايد اجراءات السلطة الدكتاتورية لمحاولة فرض الأعتراف بمنظمات البعث الجماهيرية !! . . حين تمت الموافقة على طلبي بان لااكون في هيئة الرئاسة كي استطيع طرح آرائي في التنبيه الى مخاطر ما كان يجري . . كانت الدكتورة بكل انفعالاتها وبوجهها المحمّر من الأنفعال تتصدى من موقعها في هيئة الرئاسة للأفكار التي حملها البعض في التهوين . . من الأمور الخطيرة التي كانت تجري، وتتصدى لتقبّلها .
كانت اممية بكل المعاني، ولم تستسهل تنسيب الأفكار الى انتماء اصحابها القومي او الديني او الطوائفي، بقدر ماكانت تناقش تلك الأفكار للتتفق معها او تحاول مناقشتها وتفنيدها ان اختلفت معها بما امتلكت من معارف. وفيما اعتنت بصداقاتها الواسعة المتنوعة التي ضمّت العديد من وجوه المجتمع ومثقفيه ومثقفاته، وكانت تشجّع على التفاعل مع المجتمع وعلى تجنب الأنعزال عنه، حيث لايمكن ان يتحقق سعياً لتطويره، دون العيش فيه . . فكان لها حضورها الواضح في الأوساط السياسية والأجتماعية والمهنية الطبية في البلاد كداعية بارزة لحقوق المرأة ورعاية الطفولة وحمايتها، ومن اجل السلم والديمقراطية.
ويرى الكثيرون ممن عرفوها واحتكّوا بها وناظروها، بأن حكمتها واحترامها للتقاليد وللعادات الأجتماعية بصدق والتحرك ضمنها وابراز جوانبها المشرقة في مواجهة اساليب التعمية… لم تكن الا دلالة عميقة عن عمق ارتباطها بالعراق الذي تغنّت به ” وطنا اشتق اسمه من ” العَراقَة ” المعبرة عن حقيقة كينونته ” كما كانت تعبّر .
وفيما تجسّدت فيها القدرة على القيادة وعلى الربط وانتاج الأفكار الجديدة، ببحثها المتواصل وانكبابها على انواع الكتب والمصادر وعيون الآداب العالمية، للبحث عن معارف وقدرات ساعية لأيجاد ومناقشة واقتراح حلول لمآسي البلاد، فانها كانت من طراز طاقم المفكرين الباحثين في انماط حدّدوها لأنفسهم !
كانت تطوّر طروحاتها النسائية والديمقراطية والجماهيرية بتتالي انواع الأنظمة والظروف، في وقت عرف عنها انها لم تكن تحب الأضواء بأي ثمن، ولم تكن تطرح آرائها بصراحة لكل من طرق باب الأستشارة او النقاش . . وكان تأكيدها الأكبر على الأهمية الدائمة للأقتراب من حقائق الواقع العراقي والأنطلاق منه والكف عن التحليق بدون ان تسميّه .
ولابد من القول انها وفيما اصيبت بصدمة كبيرة بسبب النتائج التي افرزتها (الأشتراكية القائمة)، وبسبب (انتصارات . . ثورات الشموع و الأخضر)، وتداعي الحركة العالمية باصطفافاتها القديمة … وفيما يلمس المرء على ملامحها الحذر والمرارات كتعبير لم ولا يتجزأ عن حالات المرارات التي ارتسمت على وجوه العراقيين رجالاً ونساءاً من كل الأطياف وتركت تاثيرات متنوعة عليهم، فإنها حافظت على رباطة جأشها وعلى جرأتها وعلى بحثها الدؤوب من جديد في محاولات جديدة لأعادة رسم الواقع بواقعه الجاري . .
وعلى تواصل لقاءاتنا ومناقشتنا وتقطعاتها ومواصلتها . . كان لقاؤنا الأخير عام 2002 . . حيث بدأ الشلل بعده يتسرب اليها، وصارت حتى الأتصالات التلفونية لاتؤدي بشئ ، وحيث عاشت برعاية عائلة اخيها الفقيد المناضل ” واثق الدليمي ” وبالأهتمام الدائم لأبنة اخيها التي كانت ترى فيها صورتها في شبابها وفق تعبيرها . . ” د. زحل الدليمي ” .
كان اللقاء كثير التعبير والدلالة حيث عدنا فيه لمناقشة الخطوط العريضة لما كان يصل متزايداً من اخبار البلاد، ولمناقشة مابيدنا من مؤشرات لأوضاع اهلنا وناسنا . . كانت تمتزج رأيي في ما رامت الأعداد اليه لمؤتمر رابطة المرأة الذي كانت التحضيرات جارية لعقده . . بروح من المسؤولية النادرة والحرص و الألم بتعبيرها بـ ” انها لاتريد ان تفارق الحياة دون ان تساهم مع الجموع في صياغة جديد للحركة النسائية العراقية ” !!
فالى الخلود والمجد يامعلمة الأجيال، نامي قريرة العين ونساء العراق ماضيات في طريقهن الشاق بدعم كل الخيّرين . . وبمنظماتهن كلها وفي القلب منها ” رابطة المرأة العراقية ” بقياداتها الأكثر شباباً وبالدماء الشابة الجديدة الواعدة !

10 / 10 / 2007 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعبير ” بنات فلان ” هو التعبير الشعبي الدارج في تلك السنوات .

تعليق واحد

  1. فلاح المعروف

    العزيزد.مهنداستذكار جميل قراته حينما وضعت اسم واثق الدليمي في الكوكل.اتمنى متابعة ابنائه كي تبقى الافكار التقدميه و

    الوطنيه مستمرة في اذهان ابنائنا.مع الود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *