الرئيسية » مقالات » الديمقراطية الليبرالية والدولة المدنية الدستورية 2/2

الديمقراطية الليبرالية والدولة المدنية الدستورية 2/2

الدولة المدنية الدستورية لا تكون إلاّ في أجواء الديمقراطية الليبرالية والحرية والعلمانية الديمقراطية (تمييزا عن العلمنة الكاريكاتيرية الاستبدادية). فهي ليست تعبيرا عن إرادة وراثية أو عشائرية أو سلطوية فردية أو حزبية أو مذهبية، إنما تعبير عن إرادة الشعب صانع الدستور. وما السلطات التشريعية والتنفيدية والقضائية إلاّ تعبيرا عن إرادة الشعب وممثلا عن صوته. فالدولة المدنية الدستورية عملية ديناميكية تحمي حقوق مواطنيها وتمنحهم الحريات العامة فردية وجماعية بعيدة عن حالة الطواريء وعبادة الشخصية. وتنظم الحياة طبقا للدستور الذي أقره الشعب ليعبر عن شخصيته وكرامته. لذلك لا تتكون هذه الدولة في أجواء القهر والعبودية والاستبداد والدكتاتورية والعشائرية لأنها متلازمة مع الديمقراطية الليبرالية والحرية والعلمانية الديمقراطية. وعليه فإن هذه الدولة هي دولة الشعب، ومشروع مدني تنموي تطوري ثقافي فكري سياسي اجتماعي اقتصادي تسعى لتحقيق الاستقرار والسلام وضمان أمن المواطنين وحقوقهم. فلا حرية بدون ضمان أمن المواطنين.

يقول المفكر الليبرالي البريطاني جون لوك: “سلامة الشعب هي السنّة العليا، مبدأ عادل أساسي لا يضِّل مَن أخذ به بأمانة قط”. ويجب أن تهدف “القوانين إلى غرض واحد أخير، هو خير الشعب … ولا يحق للسلطة التشريعية ولا ينبغي لها أن تُسَلم صلاحية وضع القوانين لأية هيئة أخرى أو تضعها في غير الموضع الذي وضعها الشعب فيه قط”. (جون لوك : في الحكم المدني، ص 235 وص225). إذا فكرنا بهذه المقولة مليا في حالة الفوضى السياسي والدستوري في العراق، نصل إلى قناعة أن سلامة المواطن هي السنّة الدنيا وليست العليا. لماذا؟ لأن القوانين لاتهدف إلأ إلى خير جماعات الضغط التي تمتلك القوة، أما المواطنون، ولاسيما الأقليات القومية والدينية فهي في أدنى المستويات من الحقوق، بل هم خارج دائرة صنع القرار السياسي. ولنا في ملجأ الأيتام الذي رأيناه على شاشات التلفاز وفي المواقع الألكترونية الشرقية والغربية مثال من عشرات الأمثلة الصارخة لاحتقار آدمية الإنسان، حيث الأطفال اليتامى عراة جياع لايملكون حتى حق الحياة في أبسط مظاهرها.

الديمقراطية الليبرالية في الدولة المدنية الدستورية

مرة اخرى أرجع إلى بحث الأستاذ شاكر النابلسي بعنوان “لماذا نادى البعثيون بالحرية السياسية وليس بالديمقراطية، وما هو الفرق بينهما؟” لأشير إلى نقطة جوهرية أجاد فيها وهي “الديمقراطية الليبرالية في الدولة المدنية الدستورية”:
تتيح الديمقراطية الليبرالية في العالم المتمدن الحرية التامة للأحزاب ولصحافة المعارضة في أن تقول ما تشاء شرط أن تلتزم الحقيقة والمنطق ومصلحة الوطن لا مصلحة السلطة الحاكمة فقط، وهو ما تعنيه باحترام القانون في بعض الأحيان. وهي تجيز للمعارضة انتقاد رأس السلطة وما السلطة ورأسها إلا مجرد موظفين في الدولة يتقاضون راتباً ويؤدون عملاً، ثم يذهبون.
وتُفرِّق الأنظمة الديمقراطية الليبرالية بين مَن يحرُق علم الوطن ويحرق علم السلطة، ذلك أن السلطة دولة بين السياسيين. فمن كان اليوم في السلطة فغداً هو في المعارضة، ومن كان اليوم في المعارضة فهو غداً في السلطة. لا دخل للسلطة في النظام الديمقراطي في الصحافة أو الإعلام بشكل عام، ولا تملك منه شيئاً، وليس لديها السلطة لأن تشير عليه من قريب أو بعيد بماذا يقول وماذا لا يقول. ولا تتدخل في إدارته أو في جهـاز تحريره. وتُعتَبر الإعلام مُلكية خاصة لا يجوز لأحد غير مالكيه أن يتدخل فيه، شرط الالتزام بالحقيقة والمعلومة الصحيحة.
لا قوانين طوارئ في دول الديمقراطية الليبرالية، ولا أحكام عرفية فيها إلا في حالة الحرب الحقيقية أو التهديد الحقيقي الخارجي. وتُرفع هذه القوانين بمجرد زوال الخطر الخارجي. والحرية الديمقراطية الليبرالية لا تُغلِق صحفاً، ولا تحلّ حزباً ولا تعتقل كاتباً أو مفكراً ولا تُصادر قلماً إلا بأمر قضائي نزيه وفي حالات محصورة ومحدودة جداً، تهدد الأمن القومي، وتنذر بالخطر على الوطن لا على السلطة. لا تزوير في انتخابات الدولة الديمقراطية الليبرالية. والانتخابات هنا تنظمها وتديرها وتشرف عليها وزارة العدل لا وزارة الداخلية. ومن يرى أن هناك رائحة تزوير في الانتخابات فله أن يرفع ضد وزارة العدل شكوى رسمية. ويتولىّ الإعلام في مثل هذه الدولة أمر هذه الفضيحة ويقوم بالتحقيق فيها.
تمنح الديمقراطية الليبرالية الحقوق السياسية كاملة غير المنقوصة، مثلُها مثَلُ الحزب الحاكم. لأنها اليوم معارضة، وغداً في السلطة على كرسي الحكم. الديمقراطية الليبرالية ديمقراطية “قرارات” وليست ديمقراطية “إجراءات”. رأس السلطة في الدولة الديمقراطية الليبرالية يختار رئيس الوزراء الذي يُشكِّل حزبه الأغلبية في البرلمان، ويكون عادة من أهل الخبرة السياسية الطويلة، ومن ذوي الباع الطويل في الإدارة الحكومية. ولا مجال إطلاقاً في هذا الاختيار للحسابات العائلية المعينة، كما لا مجال للصداقات الشخصية أو للاستلطاف الشخصي أو عدمه. وربما يكون بين رأس السلطة ورئيس الوزراء اختلاف واضح في الرأي والنهج والأسلوب في إدارة الحكم. ( شكرا لأستاذنا شاكر النابلسي لهذا التبيان ).

بعض مكونات الدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية الدستورية

أشير هنا إلى بعض مكونات هذه الدولة المدنية التي تنبغي أن يتضمنها الدستور الديمقراطي العراقي، واترك التفاصيل لدراسات لاحقة.
– الشعب مصدر التشريع والدولة المدنية يحكمها الدستور الذي أقره الشعب. والدستور ينظم هذه السلطات فلا سلطة فوق الدستور ، ولا قرار يقيد حرية المواطن وحقوقه التي تحددها الدستور الدائم سواء كان القرار من مرجعية دينية أو عشائرية أو سياسية أو إجتماعية أو اقتصادية أو ما شابه.

– الفصل بين السلطات واستقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية.
– حرية الصحافة والأحزاب والنقابات والجمعيات الرسمية والأهلية وصيانة حقوقها وحريتها في العمل.

– الديموقراطية الليبرالية تقوم علي التعددية السياسية والثقافية والدينية، وهذا يتطلب تعميق مفهوم الوحدة الوطنية ووضع الخطط اللازمة بتحقيقها على أساس الولاء الوطني وليس الديني أو الحزبي أو الشعائري.

– الحكم للشعب عبر مؤسساته الديمقراطية المنتخبة من سياسية وعسكرية وأمنية مما يتطلب حل كافة الميليشيات مع مرور الزمن ومنع مراكز الضغط الاستبدادي التي تنسف دَور المؤسسات المدنية بموجب الدستور الذي أقره الشعب.

– الإعتراف بالحقوق الوطنية والقومية والفردية لكافة قطاعات الشعب، وضمان ممارستها بشكل لا تشعر قومية معينة أو أقلية قومية أو دينية بالغبن والاضطهاد.

– حقوق الإنسان العمود الفقري للحرية، والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصيانة هذه الحقوق قانونيا، وضمان حقوق الأسرة والأمومة والطفولة وحمايتها ومعاقبة الجناة الذين يعتدون على المرأة بالضرب والإغتصاب والقتل.

– الحقوق العامة للطفل وحمايتها ولا سيما وقت الحرب، ومنع حبس الأطفال وتعذيبهم وإعدامهم.

– تنظيمات سياسية تمارس عملها السياسي طبقا للدستور الذي أقره الشعب وليس طبقا لقوانين السلطان أو الحزب الذي فرض نفسه على الشعب عن طريق القوة أو العقلية العشائرية أو الوراثية أو المذهبية.

– سلطات رئيس الدولة ورئيس الوزراء محددة طبقا للدستور.

– حرية تشكيل نقابات تدافع عن حقوق العمال والفلاحين والكتاب والصحفيين والطلبة والموظفين والعاطلين عن العمل طبقا للدستور.

– توفير العدالة لضحايا الجريمة وحمايتهم بموجب القانون، ومنحهم الحق باللجوء إلى المحاكم.

– عدم جواز ملاحقة المعارضين السياسيين والمواطنين بسبب معارضتهم وآرائهم وعقائدهم ودفاعهم عن حقوق الإنسان ومطالبتهم بالإصلاح.

– الزامية التعليم للمواطنين في المراحل الأولى من المدرسة، ودعم وحماية المؤسسات التعليمية وحرية البحث العلمي.

– حرية الحركات والمؤسسات الفكرية والثقافية والعلمية والاجتماعية والتربوية والخيرية الرسمية والشعبية، لتقوم بنشر الثقافة حول القضايا المصيرية لبلورة الوعي الوطني والأجتماعي لدى الجماهير.

وأخيرا نؤكد أن الدولة المدنية الليبرالية الدستورية ليست شكلا مجردا إنما مضمونا يساهم في تقدم المجتمع بكل مكوناته وقومياته وأديانه. أما إذا تعطلت الديمقراطية حركة التطور والحرية وجردت المواطنين من حريتهم، والقومياتِ والأديان من حقوقها فإنها تتحول إلى سلاح لتعطيل المؤسسات المدنية.

* الكاتب باحث وكاتب صحفي/ مدير مركز الدراسات بالسويد






اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *