الرئيسية » مقالات » العراق .. بين التقسيم والاقتسام ..؟!.

العراق .. بين التقسيم والاقتسام ..؟!.

إثر صدور قرار، غير ملزم، عن مجلس الشيوخ الأمريكي في 26/9/2007، والذي تقدم به المرشح للرئاسة الأمريكية، السيناتور جوزيف بايدن، حول تقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم؛ سني وشيعي وإقليم كوردستان، وذلك بموافقة 75 عضوا مقابل رفض 23 عضو، حدث وكأن ما جاء في القرار هو جديد على الساحة العراقية، أو أنه مشروع أمريكي يهدف إلى تجزئة وتفتيت الكيان العراقي، وعليه عبأت القوى والمحاور السياسية، التي تدعي مواجهتها للمشروع الأمريكي، طاقاتها وحشدت إمكاناتها الإعلامية، في خطوة؛ علها تتمكن من إيصال رسالة إلى الشارع العربي، تتلخص فحواها، بأن ما تقدم عليه أمريكا، هو استهداف لروح العروبة، من حيث البنية البشرية والبناء الجغرافي، دون أن تعيد هذه القوى، القراءة لمجمل استحقاقات الوضع العراقي، وأن تقترب من المعادلة السياسية التي تبلورت في العراق إبان سقوط النظام الديكتاتوري، وخاصةً فيما أجمع عليه العراقيون عام 2005 بشأن شكل الحكم وإدارة الدولة، والذي تجسد في الدستور العراقي المستفتى عليه، الذي يقر مبدأ الفدرالية، إلى جانب إقراره بمبدأ التعددية السياسية والقومية ..إلخ .
فالحديث الذي يدور حول مستقبل العراق، ضمن نطاق الذهنية التي كانت وما تزال، تستند إلى مزيج من الفكر القوموي والنزعة السلفية، والتخوف الذي يلف معظم الكيانات التي تستند إلى أجندات، تهدف من حيث الجوهر، الاستفادة من التناقضات الحاصلة في الوضع العراقي، سواء على صعيد السياسة الدولية، أو من جراء الاحتقانات الحاصلة في الداخل العراقي، إنما يعبر عن خشية هذه الكيانات من نجاح التجربة العراقية، وبالتالي تعميمها على المنطقة، بحيث تساهم في اقتلاع جذور النموذج الديكتاتوري في السلطة، والإتيان بالبديل الديمقراطي عبر إشاعة مبادئ الديمقراطية في هذه الرقعة، التي طالما دفعت شعوبها القرابين من أجل أن تتنفس معاني الحرية والتحرر، وتنعم بشيء من السلام والأمن والاستقرار .
إن العراق الذي هو موضع الجدل، بين أجندات قد تختلف في البنية والرؤى، يشابه في تركيبته البشرية والجغرافية جوارها من الدول، وخاصةً تلك التي تقتسم كردستان، ويشابها إلى حد ما في بنيتها، من جهة التركيبة الطائفية والمذهبية، وإن اختلفت المعادلة، أو حدة الصراع فيما بين أقطاب التصارع فيها، وعليه فإن ما يتم رسمه من مخططات إقليمية، تهدف في البعض منها، الإبقاء على الوضع العراقي ضمن دوامات الاحتقان واللااستقرار، وذلك حتى لا تنتقل رياح التغيير إلى واقعها، إضافةً إلى استثمارها للحالة العراقية في مواجهة مشروع التغيير، ذاك التغيير الذي بات حاجة داخلية واستحقاق وطني، قبل أن يكون جزء من أجندات خارجية ..
وإذا ما حاولنا أن نقف على تداعيات القرار الأمريكي، كان لنا أن نجسد الوضع العراقي كما هو عليه، قبل سقوط النظام وبعده، حيث أن التشكيلة العراقية، قبل السقوط، كانت على شكل إقليم كردستاني شبه مستقل، ويتمتع بإدارة ذاتيه عبر مؤسساته وحكومته وبرلمانه، إضافةً إلى أنه كان مشمولاً بقرار دولي، يمنع على المركز – السلطة – من المساس به، وكلنا يتذكر بهذا الصدد قرار الحظر الذي كان مفروضاً على السلطة العراقية بخصوص الشمال ( كردستان)، والذي شمل – القرار – فيما بعد الجنوب أيضاً، بمعنى آخر؛ كان العراق مقسماً ومنقسماً قبل السقوط بين إقليم كردستان، ودولة المركز، التي كانت تدار من قبل النظام الديكتاتوري، والتي لم تعد لها قدرة التحكم في شؤون الجنوب وفق مفهوم الدولة وسيادتها . وبعد سقوط النظام، أدركت مجمل القوى التي كانت تقف في خندق المعارضة، مهام التصدي للوضع الجديد، وضرورة الإجماع على رؤية سياسية تجسد الواقع العراقي كما هو عليه، وتساهم في بناء دولة قائمة على أسس ومبادئ الديمقراطية، وعليه تخلى الجانب الكردي عن مكتسباته لصالح العراق الجديد، ودخل مع الأطراف الأخرى في عملية التأسيس لمقومات الدولة العصرية وإدارتها، ووضع دستور يتلاءم ويتوافق مع ما قدمه الشعب العراقي من تضحيات ..
إلا أن ما حصل، وبالإضافةً إلى الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية وعبر حاكمها المدني بول بريمر، من إجراءات وقرارات، لم تأخذ بعين الاعتبار نفسية الإنسان العراقي، ولم تتمكن من استيعاب الثقافة السائدة في المجتمع، حاولت القوى الإقليمية ودول الجوار، ومن خلال أجنداتها الخاصة بها، وعبر تحريكها لبعض القوى والتيارات السياسية الموالية لها، الإجهاز على النموذج العراقي المنشود، والوقف في طريق بناء العراق كتجربة ديمقراطية على أنقاض الديكتاتورية، وذلك بهدف ضرب مرتكزات القوة في واقع، قد يشكل عبئاً عليها، إذا ما أخذت طريقها إلى حيث الترجمة والتبلور، كل ذلك بغرض فرض نفوذها والوقوف في وجه تيار التغيير القادم عبر البوابة العراقية، إضافةً إلى بحثها عن توازنات ومكاسب سياسية ضمن الخارطة العراقية، ناهيك عن أنها ومن خلال هذه المخططات، كانت تهدف إلى لجم التجربة الكردية التي استندت إلى الدستور العراقي، كونها أدركت أن نجاح التجربة في العراق، سيعطي زخماً للقضية الكردية، تلك القضية التي تشكل عبأً على الدول التي تقتسم كردستان، كنتيجة لتعاملها الإقصائي معها، وعليه راح كل طرف يشد من أزر تيار موال له، ويمده بالإمكانات المادية والبشرية وحتى العسكرية، حتى أصبحت المليشيات المسلحة وعصابات القتل والفتك، هي التي تحكم على الأرض، مما أوقع العراق في برك من الدماء، وساحة مفتوحة للاقتتال الداخلي، يدفع ضريبتها أولاً وأخيراً المواطن العراقي ..
وإزاء هذه الحالة، والمخططات الإقليمية التي لها اليد الطولى في تأزيم الواقع، انقسم العراق من جديد على أكثر من جهة وتيار، حيث الانقسام القومي والمذهبي والطائفي وكذلك السياسي، مما شكل الواقع العراقي وبتركيبته المفروضة بقوة السياسات الإقليمية، مرتعاً خصباً لإدارة الأزمات السياسية في المنطقة، وحاضناً لكل أشكال التطرف السياسي والأصولي، كونها تحولت إلى موقع مهم لتصفية الحسابات بين الكيانات السياسية والدول الإقليمية، لا بل أصبحت واجهة يتم الدخول من خلالها للجم أي حراك من شأنه الدفع باتجاه التغيير ..
إذاً، يمكننا القول أن العراق، في الواقع، مقسم بفعل السياسات التي تمارساها القوى الإقليمية، والتي ساهمت في دفع البعض إلى المطالبة بالإقليم الجنوبي وفق تشكيلته الطائفية، وبإقليم الوسط عبر الإعلان عن دولة العراق الإسلامية، مع أن الجانب الكردي، كان وما زال، يعبر عن ذاته استناداً إلى الدستور العراقي، ويطالب بالفيدرالية على أساس جغرافي، بعيداً عن النزعات المذهبية والطائفية ..
خلاصة القول، إن ما جاء به القرار الأمريكي هو ليس بجديد، بقدر أنه يعبر عن وجهة نظر لحل المشكلة العراقية بالنظر إلى الواقع المفروض بقوة التوازنات الإقليمية ليس أكثر، أما وأن هذا القرار قد أحدث لجة في بعض الأوساط، ولدى بعض الكيانات، التي راحت، ومن خلال دغدغة المشاعر، تتباكى على وحدة العراق، وتعتبر أن تقسيمه خط أحمر لا يمكن تجاوزه، منطلقة في ذلك من فكر قوموي شوفيني، وأيضاً من سياسات تهدف الأنقاض على الهوية التاريخية لأكبر قومية في العالم، لم تحقق بعد مقوماتها على أرض الواقع، ودون الأخذ في الحسبان البعد التاريخي والجغرافي لواقع المنطقة، نقول؛ بالرغم من كل ذلك، فإذا ما كانت هذه الجهات صادقة في دعواتها، فما عليها إلا أن تدع الشأن العراقي للعراقيين، الذين يجمعهم عقد سياسي واجتماعي، ضمن دستور أجمع عليه غالبية الشارع العراقي، وبالتالي أن تكف هذه الجهات عن التدخل عبر بوابات مختلفة، ذاك التدخل الذي يشكل في حقيقة الأمر التقسيم المفروض على العراق، لأن الاستناد على منطق القوة في تمرير المخططات، سوف يلاقي من الجانب الآخر المزيد من التشبث بالمكتسبات، فإذا ما بقي العراق ساحة مفتوحة أمام أجندات تهدف إلى ضرب العراق والعراقيين، سواءً من خلال إذكاء نار الفتن بين مكوناته، وعبر الدعم اللوجستي إلى عصابات القتل والتدمير، أو من خلال الحملات العسكرية التي تتعرض لها إقليم كردستان من جانب النظامين الإيراني والتركي، وذلك بهدف الخلخلة في موازين القوى لصالح أجنداتها، فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى ما لا يريده العراقيون أنفسهم، ألا وهو الطلاق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *