الرئيسية » مقالات » للعراقيين فقط- طاسة (روبة)لأجل هذا المبدع الأمبراطور!!

للعراقيين فقط- طاسة (روبة)لأجل هذا المبدع الأمبراطور!!

في اوربا هناك اشكال مختلفة للاحتجاج ، منها ماهو طريف جدا . ربما الاشهر حين يكون الاحتجاج بصفع وجه من تخالفه بقالب من “الكاتوه” الابيض. ومشهورة جدا وكثيرة الصور التي تبين ما تعرض له رجال سياسة كبار ورجال اعمال مشهورين ، وحتى نساء جميلات ، من صفع بقوالب فاخرة من الكاتوه احتجاجا على سلوك وسياسات ومواقف مارسوها ويرفضها ويدينها “الصافع” مع سبق الاصرار والترصد . ولا يعد هذا في عرف الاوربيين ممارسة عنف ضد الشخص “المصفوع” ما دام لا يسبب اي اسالة للدماء بقدر ما يخرب كل وقار واناقة متلقي الصفعة، ويضيع منه بريق “البريستيج” الذي انشغل طويلا للحفاظ عليه !
قبل ايام كنت اتابع مقابلة مع فنان عراقي قدمه المذيع تحت عنوان “مبدع” عراقي !! لست اعترض على كونه فنانا واختار هذه المهنة النبيلة ، فهو انسان حر، ولم استغرب كثيرا لطريقة التقديم والتلميع لصورة هذا “المبدع الظريف ” التي قام بها المذيع ، الذي لم اعرف لم يكثر من الابتسام ـ بمناسبة او بدون مناسبة ـ وهو يخوض حوارا ثقافيا عميقا احيانا يكون ذو طابع فلسفي خصوصا حينما يرمش صاحبنا المبدع الظريف ـ وهو بكامل البريستيج ـ بقوة ويحرك عيونه يسارا ويمينا ، ويسددهما بعيدا نحو نقطة في سقف المكان وكأنه يستشف الافكار من مكان ما هناك . ولكني اصبت بالخيبة والالم لكل فحوى حديث هذا المبدع الظريف ، والذي بسبب ان علاقتي بالكاتوه ضعيفة جدا ـ لاسباب صحية اساسا ـ وايضا لان الكاتوه افرنجي وانا رجل شرقي حد النخاع ـ رغم كوني عشت خارج وطني اكثر مما عشت فيه ـ فلكم تمنيت ساعتها ان تكون بين يدي طاسة “روبة ” عراقية ـ لغير العراقيين اقول ان “روبة ” يعني اللبن الرائب، وباللغة الكوردية يسمونه”ماست” وبلهجة اهل الخليج لبن زبادي او الروب وبالانكليزية (Yoghurt) ـ . واقول ولكم تمنيت ايضا ان امتلك تلك القدرات السحرية الخارقة التي تمنحها افلام الكارتون لابطالها المرموقين، لارفع زجاج شاشة التلفزيون والطش الطاسة بما فيها وبكل اقتدار بوجه هذا المبدع الظريف !!
مهلا … مهلا ، لا تفهموني خطأ. احلف لكم برب السماء باني لست عدوانيا ، بل انا انسان احترم اهل الفن كثيرا ، وهذا الامر ليس مجرد كلام نظري ، بل واسعى لترجمة ذلك بشكل عملي ، وحتى عملية صفع طاسة الروبة بوجه المبدع الظريف اياه ، كنت اريدها ان تكون تعبيرا عن احترامي للفنان العراقي الحقيقي الاصيل ورسالته النبيلة في العمل من اجل مستقبل افضل لكل الناس !
ولاكون موضوعيا تماما ، فالمسكين ـ اقصد هذا المبدع الظريف ـ لم يفعل شيئا سوى ما فعله غيره من شاكلته من المبدعين العراقيين الظرفاء ـ اياهم ! ـ ، الذين مروا على هذا الكرسي في الاستوديو عينه ، وتحدثوا وبنفس لغة صاحبنا الظريف وعلكوا ذات الكلام امام نفس المذيع الضاحك دوما. وتركوا انفسهم يتفلسفون ويتمنطقون وينظّرون عن كل شئ . ولم ينسوا ـ ياعيني! ـ ان يبكوا على العراق الذي فقدوه . ولم ينس اي منهم استذكار الوقت السعيد ، ايام الاستقرار والعز ، وتحدثوا باخلاص عن ما أنتجوه من اعمال فنية وما ادوه من ادوار باهرة في السينما والتفزيون والاذاعة والمسرح . و … يااااااااه ـ يا لغيرتهم ـ لم ينس احد منهم ، وهم يتحدثون عن ما يجري في العراق هذه الايام ، الاشارة الى ” سيادة لغة العنف عند الانسان العراقي ” ، الذي صار القاصي والداني يعرف كيف حطمته وسحقته سنوات الارهاب السياسي لنظام صدام حسين المجرم والحروب الداخلية والخارجية والمجنونة للنظام ونتائجها من حصار اقتصادي وحملة ايمانية و… الخ … الخ ! ولم ينس بعضا من هؤلاء المبدعين الظرفاء الاشارة ـ وبصواب لا اعتراض عليه ـ الى ان ذلك كان ايضا بسبب من ” تدهور الحياة الثقافية ايام النظام الديكتاوري ” ، وطبعا لن نختلف مع اي منهم حول استمرار هذا التدهور بسبب من الاحتلال وحكومات المحاصصة الطائفية !!
قبل ان اصل خاتمة هذه السطور ، يجب ان اعلمكم بأن الجميع من حولي ـ الجميع هنا يعني اهل بيتي واصدقائي وزملائي ـ كلهم يلهجون وبدون توقف بالحديث عن التسامح ويطالبون بروح المسامحة من اجل بناء العراق الجديد . ومثلهم ـ بكل اخلاص وايمان ـ رحت اتهجى هذه الكلمات ( التسامح واخواتها !) واحاول بثها بين سطور كلامي في كل مناسبة حتى لو كان اللقاء من اجل “اكلة باجة”. ومن اول ايام سقوط جمهورية الرعب وتفتتها ، وهروب ” القائد الضرورة ” ـ الذي تبين جيدا ان لا قيادة له ولا ضرورة ـ الى جحر الفئران الشهير، كنت اقف بصلابة بمواجهة الاصوات التي تدعوا الى روح الثأر والانتقام داخل المجتمع العراقي . فهناك ـ كما هو معروف ـ من دعى الى اغتيال البعثيين عن بكرة ابيهم ، وثمة من طالب باقصائهم من الحياة واجتثاثهم من الوجود . كنت ومثل الالاف غيري ادعوا الى بناء عراق جديد ، عراق ديمقراطي فيدرالي ، يسع الجميع تحت روح المواطنة بعيدا عن الروح الحزبية الضيقة ، وروح الثار العشائرية . ولكن ايضا كنت ادعو الى ان يكون العراق بلد مؤسسات وان يكون القانون فوق كل شئ وله الكلمة الاخيرة ، وان ينال كل مجرم جزاءه العادل !! والمجرم هنا عندي ليس فقط من حمل بندقية واطلق النار على عراقي معارض ليعثر عليه اهله بعد سقوط النظام البغيض مدفونا بملابسه في احد المقابر الجماعية ، التي بفضل سياسات صدام حسين الارهابية ونظامه المقبور توزعت على كل مدن العراق ، وصار من حصة كل مدينة عدة مقابر منها بحيث توزع اللطم والبكاء بعدالة نادرة على كل اهل العراق بغض النظر عن القومية او المذهب والطائفة . اعود للقول ان المجرم عندي ليس فقط من حمل بندقية النظام الديكتاتوري ومن دبج التقارير الامنية ووشى بالناس الابرياء ، بل المجرم عندي من دبك وبزخ ـ شعر … شعر! ـ وباقتناع للطاغية المقبور ومن كتب له ولحروبه المجنونة القصائد ومن غنى وانشد ومن مثل واخرج ومكيج وصور و …. الخ … الخ ، وبذلك يكون قد ساهم ـ باقتدار ـ بمسح عقول الناس باعماله الفنية السمجة ، التي مجدت الديكتاتور المجرم والحروب الكارثية والروح الشوفينية . هولاء المبدعين الظرفاء يكون جرمهم امام القانون والتأريخ اعظم من جرم حامل بندقية النظام الديكتاتوري . هؤلاء المبدعين سددوا نيرانهم الى عقل المواطن العراقي ، ومسخوه وجعلوه ارضا خصبة ليكون في ايامنا انسانا عدوانيا ومشوها يرتضي العمل كمرتزق عند هذه المليشيا المسلحة او تلك بغض النظر عن ايمانه بسياستها او منطقها الخاطئ . هؤلاء المبدعين الظرفاء باعمالهم الفنية الهابطة وبدون اي شعوربالمسؤولية واي موقف انتجوا نمط من الثقافة المشوهة ساهمت في وجود هذا المواطن العدواني الذي يتحدثون عنه والذي صار اداة طيعة بيد سادة الوضع الحالي من تجار الموت والحرب والنهب والسلب . هؤلاء المبدعين هم من حرثوا الارض لدمارالعراق ، وهاهم الان على شاشات التلفزيون مثل ضفادع مقيتة ينقون ويتباكون على العراق وايام العز والامان حين كان البعثيون يمنعون الانسان العراقي حتى من الاستمتاع بحلمه البرئ . لست مدافعا عن الواقع الحالي الذي يعيشه وطني وابناء شعبي ، فثمة الكثير مما يجب ادانته بدء من وجود قوات الاحتلال التي تدنس شوارع بلادي ، ومرورا بالمليشيات الطائفية والعصابات التكفيرية ، انتهاءا بالوجوه الكريهة والاسماء البغيضة التي لم نسمع بها ايام نظام المجرم صدام حسين وصارت الان تتصدرالمشهد السياسي ولا يوجد اطول من اصابعها القذرة العابثة سرا وعلنا بخزائن وثروات البلاد !! لن ادافع عن هؤلاء المجرمين ، سلف النظام المقبور، لكن من المخجل جدا ان يحاول من كان من حواري الجلاد ومن طباليه ومريديه ، ان يعرض نفسه لنا وبكل صلافة كضحية ومناضل ويظن ان الناس بلا ذاكرة او ان الزمن كفيل بغسل التأريخ القذر. ليسكت هؤلاء الظرفاء ، او ليعتذروا بصدق وحكمة من ابناء الشعب العراقي عن ضلالهم المبين الذي مارسوه طويلا ، او … فأن طاسة روبة حامضة بانتظار كل واحد منهم وتليق به وبالبريستيج الزائف الذي يغلف به نفسه ناسيا حكاية “ثياب الامبراطور” الشهيرة ! انهم يعرفون اسمائهم جيدا . وسنلتقي !!


سماوة القطب
7 تشرين اول 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *