الرئيسية » مقالات » هل تساهم قناة الفيحاء في نشر الخرافة والشعوذة الدينية في العراق؟

هل تساهم قناة الفيحاء في نشر الخرافة والشعوذة الدينية في العراق؟

أن جمهرة من العراقيات والعراقيين استبشروا خيراً عندما بدأت قناة الفيحاء بثها , باعتبارها صوتاً وطنياً ديمقراطيا مؤثراً في الساحة السياسية العراقية فكراً وممارسة وموقعاً يتصدى للنهج الطائفي السياسي الذي تمارسه بعض الفضائيات. جاء هذا الاستبشار بسبب البداية الطيبة , ولكن سرعان ما خيبت هذه القناة هؤلاء الناس , وأنا منهم , حين بدأت تمارس سياسة ممعنة بطائفية سياسية لا تختلف عن سياسة الجزيرة إلا في كونها تتبنى الطائفة السياسية الشيعية , في حين أن الجزيرة قد تبنت السلوك الطائفي السياسي السني الإخواني , رغم الادعاء بغير ذلك. وقبل أن تتخذ هذه القناة النهج الطائفي الصريح التقت بي الأنسة داليا وريا , كانت مراسلة لدى القناة , وقدمت معي برنامجاً من برلين دام أكثر من ساعة ونصف الساعة حول الكثير من القضايا المهمة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أذيع أكثر من قناة الفيحاء في أوائل العام 2004. وبعدها شعرت بأن نهجاً جديداً التزمت به القناة هو النهج الطائفي السياسي الشيعي. فوجهت رسالة شخصية إلى السادة المشرفين على القناة رجوتهم الانتباه إلى خطر هذا النهج , فلم يجيبوا على الرسالة وواصلوا النهج , فأدركت أن الممول يريد ذلك وليست إرادة فردية. فكتبت مقالاً نشرته على صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية العراقية. ولكن النهج الطائفي تواصل واشتد واتخذ طابعاً أكثر رسوخاً , مع وجود برامج عامة وغير طائفية.
في ربيع العام 2005 قمت بزيارة عائلية إلى دولة الإمارات , وحصل لقاء واتفاق مع الأخ الدكتور هشام الديواني أن يستضيفني في ندوة يديرها وتنقل مباشرة. وتم ذلك فعلاً. ولكن ماذا حصل في الندوة؟ لقد ظهرت نزعة الانتقام من رسالتي ومقالتي التي نشرتها في الصحافة والمواقع الإلكترونية , وكذلك تبلورت النزعة الطائفية ومحاولة الإساءة لي وللقوى السياسية التقدمية في العراق , ومنها الحزب الشيوعي العراقي وغيره , الذي أكن له ولكل الأحزاب العراقية المناضلة كل الاحترام , رغم معرفتهم باستقلالي الفكري, دون أدنى مبرر وترديد اتهامات البعثيين في كون الشيوعيين قد حرقوا القرآن في زمن قاسم والتي فضح هذه الفرية الأستاذ الكاتب والصحفي حسن العلوي في أكثر من كتاب وندوة , من خلال ثلاث إجراءات , وهي :
• الابتعاد بالحوار عن القضايا الأساسية وزجه في مسائل تاريخية , في حين كان الهدف معالجة الوضع السياسي والاقتصادي العراقي الراهن حينذاك.
• الطلب من احد الأشخاص في باريس الدخول على الخط والبدء بشتم الحزب الشيوعي العراقي الذي أكن له الاحترام والتقدير لنضاله الطويل المليء بالتضحيات , فاضطررت أن أوضح الأمور بهذا الصدد , ولكن القناة والرجل كانا على اتفاق بمواصلة الإساءة.
• الطلب من أحد الكويتيين الدخول على الخط أيضاً لحديث لا يمت إلى الندوة بصلة ويدور عن اعتذار قدمه المواطن الكويتي من الدكتور الديواني عن قضية قديمة بينهما لا تمس الندوة أصلاً.
وكانت الحصيلة ضياع ثلاثة أرباع الوقت في مثل هذه المسائل التي لست طرفاً فيها , ولكنها موجهة ضدي ومحاولة لاستنزاف الوقت المخصص للندوة معي دون أن نبحث في صلب الموضوع أو يفسح لي في المجال للحديث , إذ تولى السيد الديواني الحديث أكثر مني في حين كنت الضيف في هذه الندوة. ولم أحضر ندوة بائسة في حياتي كتلك التي قدمتها قناة الفيحاء , إذ كان السيد الديواني قد اضطرب كثيراً , إذ كانت تأتيه التوجيهات بكيفية التصرف من مدير البرنامج.
خرجت من الندوة ممتعضاً وأبلغت السيد الديواني بالخطأ الفادح الذي ارتكبوه , وهو ليس في صالح القناة ذاتها . حاول أن يقول بأن القضية غير مبيتة , ولكنه فشل حتى في إقناع نفسه!
إذ بدا ممتعضاً من كل ما يجري هناك من وجهة لا يؤيدها.
اتصل بي في اليوم الثاني يعتذر ويريد تصحيح الموقف ورجاني الحضور لندوة ثانية وأنه مستعد أن يرسل سيارة لجلبي من العين إلى عجمان حيث كان مقر القناة. رفضت وقلت له بصريح العبارة : قناتكم طائفية وليست الموقع المناسب الذي أتحدث منه للناس في عراق مبتلى بالطائفية السياسية ولا أريد أن تكون لي أي علاقة بهذه القناة. ثم أضفت : “أخي الدكتور هشام الديواني أنا أحترمك ولكن ” المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين!
في زيارة خاصة إلى كُردستان طلب أحد الأصدقاء الكرام أن نقبل دعوة عشاء من مدير قناة الفيحاء ليلتقي بنا ويصحح ما حصل معي ويعتذر عنه , بعد أن انتقلت القناة من عجمان إلى مدينة السليمانية. رفضت ذلك وقلت لصديقي ارفض الدعوة , وأن الاعتذار لا يتم بصورة منفردة وبغرف مغلقة , بل من خلال قناة الفيحاء أولاً , إذ أن الإساءة تمت أمام أنظار المشاهدين. ولكن الأهم من كل ذلك هو أن تتخلى القناة عن نهجها الطائفي السياسي , عندها سأزورها وأتعاون معها.
تركت متابعة برامجها فترة طويلة إذ أنها أرعبتني بنشرها المسائل الطائفية السياسية وأثارها السلبية على مجتمع يعاني منها , ولا يجوز استبدال طائفية بطائفية أخرى أو الرد على الطائفية بطائفية أخرى.
والآن , وفي شهر رمضان من هذا العام , تشرين الأول 2007 كنت أتابع برامج القناة ولعدة أيام متتالية , شكرت نفسي على عدم تلبيتي لدعوة القناة , إذ أن المشرفين عليها , ورغم إدخالهم بعض العناصر الديمقراطية في نشاط القناة , إلا أن النهج لم يعد طائفياً شيعياً سياسياً خائباً ومضراً ومؤذياً حسب , بل وأصبح فوق ذلك خرافياً يسهم في نشر الشعوذة الدينية على الناس من أفواه أناس بسطاء يعتقدون بما يقال لهم من وجود معجزات , إضافة إلى قراءة شعر شعبي مليء بالطائفية المقيتة. يمكن لأي مواطنة ومواطن واعية ومدركة لمخاطر الطائفية السياسية أن يفتح قناة الفيحاء ليتابع ولو ليوم واحد برنامج هذه القناة , وخاصة في الأيام الرمضانية , ليجد ما لا يسر الروح ويبهج النفس , بل سيجد كل ما يعزز وجهة الجهل والخرافة والشعوذة ويساهم في تعميق خرابة بنية الإنسان الدينية والفكرية , وهي دعوة غير مباشرة ولكنها صارخة إلى ترك النضال في سبيل قضاياه العادلة وأن يذهب صاحب الحاجة والمشكلة إلى مقابر الأولياء الصالحين المنتشرة في أنحاء العراق والمتكاثرة حالياً ليطلب منهم حل مشكلاتهّ! ويقف أحد هؤلاء ليقسم بأغلظ الأيمان أن هذا المزار قد أعطاه مراده ومراد العشرات من المناسب , فقط لأنهم زاروا المزار ورجوه الاستجابة للحاجة المنشودة! إيمان الناس يعمل المعجزات , ولكن أن نقدمه بهذه الصورة لا يعني سوى تبني المسألة.
لا شك في أن القناة تقدم وتعالج بعض مشكلات المجتمع بصورة سليمة أيضاً , وهو أمر إيجابي وضروري , ولكن الإشكالية تكمن في النهج الفكري والسياسي للقناة والمرتبط بطبيعة ومهمات الممول أو الممولين لها , والذي لا يريد , أو الذين لا يريدون غير هذا النهج.
أتمنى على كل المثقفات والمثقفين العراقيين أن يتابعوا قناة الفيحاء. لا أتحدث عن قناة الفرات أو ما يماثلها لأنها وجدت لتؤدي مهمة طائفية سياسية والإساءة للعلاقة بين السنة والشيعة , ولكني أواجه قناة تتحدث عن المجتمع المدني والديمقراطي ولكنها تمارس المناقض له في الكثير من برامجها.
8/10/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *