الرئيسية » مقالات » مصير المثقف العراقي.. بين (اعادة انتاج ثقافة التوسل) و (حقوقه الدستورية)

مصير المثقف العراقي.. بين (اعادة انتاج ثقافة التوسل) و (حقوقه الدستورية)

في 14/اكتوبر/عام 1964 إنتُزِعَ (الرفيق نيكيتا خروتشوف) من زعامة الحزب والحكومة والدولة السوفيتية ، واعتقد بعض المراقبين ان (الخلاف الصيني السوفييتي) الذي ارتبط باسمه سيخف سعيره او يتلاشى..

لكن (الرفيق ماو) اضاف لقاموس ثقافة الخلاف مصطلحا جديدا هو :

الخروتشوفية بدون خروتشوف..

ونتيجة لطغيان عناصر الماضي على مكونات حاضرنا اليوم ..فنحن مضطرين لاستعارة هذا المفهوم النظري الواقعي من (الرفيق ماو)..لنشير الى:

الصدامية بدون صدام..

وهذه ليست بدعة اعلامية..

ولااستنتاجا نظريا مجردا..

اودعابة لفظية..

بل انها وصف للواقع الذي نعيشه منذ الغزو الوحشي لبلادنا والاطاحة بقمة النظام الكتاتوري عام 2003..

حيث طفحت احشاء (دولة التعسف) الوحشية الى ملامح دولة الطوائف التي اعقبت الاحتلال، وتفشت الاساليب الدموية للسلطة المعزولة في عروق دولة المحاصصة ، وطغت مواقف الدكتاتورية المتطرفة على الخطاب السياسي والاعلامي والثقافي لمرحلة مابعد ازاحة المجموعة المستاثرة بالسلطة عن قمة هرم السلطة ، دون ان تختفي مكونات وممثلي الدكتاتورية المعزولة الرأس عن ذلك الهرم الهش والموبوء بالتناحرات والتعفن..( حسب ماتكشفه الوقائع الدموية اليومية ووثائق هيئة النزاهة!) ، بل تفاقمت تلك الممارسات الاستئثارية ، وتحولت الدولة الى خنادق والحكومة الى معسكرات ، رغم تشتت السلطة والدولة والجغرافية بين الولاءات (المتوافقة) او المتخاصمة!.

ولسنا اليوم بصدد تحليل البنية العامة والتفصيلية للدولة العراقية..الهزيلة والمنخورة بالفساد الاداري والمالي والسياسي (حسب تصريحات المسؤولين الرسميين)..

والمصطبغة بالطائفية المتعسفة (حسب الخطابات المتقاذفة بين قادة القوى المشاركة بالعملية السياسية )..ناهيك عن تصريحات خصومهم!

ولانريد التوغل في خطورة منهج استعارة خبراء القمع من اجهزة نظام ماقبل الغزو لاسناد جهود الحكومة وجيش الاحتلال في مواجهة الارهاب وقمع مناوئي السلطة..

ولسنا بصدد الحديث اليوم عن ابتلاء الاحزاب والقوى الحاكمة والتي كانت معارضة بالامس بوباء الدكتاتورية وعبادة الفرد الذي امتد وتفشى من دولة صدام الى احشاء تلك الاحزاب فصار لكل منها معبود وفي كل منها سلطة مقدسة وباطشة.. تأمر وتنهي وبيدها السلاح والثروة..

لكن المثير للأسى اننا بعد عقود من التضحيات التي خلفتها ثقافة الاذعان والتوسل للحكام ..نعيد اليوم انتاج ذات الثقافة ( ثقافة التوسل واستعطاف الحكام للتصدق علينا بحبة دواء كي نؤجل انقراضنا من صباح اليوم الى مساء ذات اليوم ..فحسب)!!

تلك هي الفجيعة..

لقد آن الاوان لجمع حطامنا المبعثر في طرقات العالم..

آن الاوان للمكاشفة..ومواجهة السياسيين بنتائج افعالهم ..سواء منهم من يمسك بالسلطة او من يحلم بالعودة اليها..

واضاءة بصيص في النفق المظلم الذي اقحمتنا فيه الدكتاتورية الفردية على مدى عقود ، واغلقت قوات الاحتلال منافذ النجاة منه..وفخخته قوى الارهاب المستورد من كل كهوف التوحش ، وتؤججه الولاءات غير الوطنية ..

واذ يموت اليوم مئات الاف العرقيين بصمت.. ويعاني الملايين منهم.. ولايذكر الاعلام سوى اخبار اخوتهم ضحايا الارهاب المتعدد الانياب والمتنوع المكائد..اما اولئك الذين يموتون مرضا وعوزا وتشردا وغربة وقهرا وتهميشا .. فلا احد يذكرهم ..!

لكن الايام بدأت تنقل الينا اخبارا متواترة بما فعلته سوسة الدكتاتورية على مدى عقود باجساد العراقيين ومنهم المثقفون..وماتفعله اليوم وحشية المحتلين والارهابيين بالعراقيين..

ان مئات الاف المثقفين العراقيين يعانون من العجز عن تطبيب اجسادهم التي نخرتها السياسات الطائشة والمتطرفة.. ونسمع بين حين واخر افول نجم في سماء الثقافة العراقية ..بصمت ..خلف ضجيج ارتفاع اسعار البترول والزيادة المتعاضمة للموارد المالية العراقية!!!

لكن مايثير الاسى والفزع ..

هو :

مواجهة نوبة الانقراض التي تلتهم العراقيين ومنهم المثقفون ..بـ:

اعادة انتاج ثقافة التوسل بديلا لثقافة الاحتجاج!

وثقافة استعطاف الحكام بديلا لمسائلتهم!

وثقافة النفخ بالزعماء بديلا لاستجوابهم الدستوري عما يجري للعراقيين ولوطنهم .. !

ان ثقافة التوسل وتصنيم (القادة) انتجت من صغار السياسيين فراعنة ، ومن قوى الشعب الواسعة قطعانا مذعنة لنزوات الساسة المتطرفين..

ونحن اليوم نقرأ ذات الخطاب المتوسل للحكام ..!!؟

وكأن الحكام الجدد متابدين كاسلافهم…!!!؟.. وليسوا مجرد موظفين مرحليين كما ينص الدستور العراقي الذي خرج الملايين من العراقيين للتصويت اليه ، او للاختلاف معه..*

واذ نعيد انتاج ثقافة التوسل للحكام اليوم ، كي يشملوا برعايتهم الانسان العراقي والمثقف العراقي… كأننا نعيد مكرمات (القائد الضرورة) وهباته وعطفه على ضحاياه ، باصطفاء هذا او ذاك منهم ليشفيه من وباء او مرض لم يكن سببه بعيدا عن افعال السلطة..

لقد فزعت بحق عندما قرأت ( اكثر من مرة ) استعطاف الحكام الجدد للتفضل على المثقفين بحبة دواء او سرير في مستشفى.. اولئك المثقفين الذين اغنوا مضمون الوطن ، واسهموا في رقي الانسان العراقي…

بدل الدعوة لاستنفار وطني لانقاذ المثقفين العراقيين داخل الوطن وخارجه من الانقراض..بعد ان نهشتهم الدكتاتورية طيلة عشرات السنين ، وشتتهم في كل بقاع الارض ، وجوفت وطنهم من الثقافة ، وأفرغت الثقافة من نسغ الابداع والثراء الانساني.. (مثلما يفعل الاحتلال اليوم)!..

فأمة بلا علوم،أمة وحشية .. وأمة بلا فنون ، أمة همجية!!..كما يقولون..

وانا اتساءل ؟

اذا كان لدى الحكام بعد اقل من اربع سنوات هذا الفيض من المال الذي يتصدقون به علينا ..فمن اين لهم هذا؟!!!!

.. وهم الذين كانوا بالامس القريب جزءا منا ..حفاةً عراةً..الا من إستتر بإيزار غير عراقي..كانوا محرومين من حقوقهم الوطنية والانسانية.. مثلنا نحن بالامس ومثلنا نحن اليوم..

واذا كانت تلك الاموال جزء من خزائن العراق ..فبأي حق دستوري ندعوهم للتصرف بها ..وكأنها ممتلكاتهم الشخصية!..أهناك باب في ميزانية الدولة للهبات والصدقات؟!..

اما اذا كانت تلك الاموال جزءا من ميزانية الدولة التي اقرها البرلمان والتي يفترض انها وضعت وفق روح ونص الدستور (المواد/22/30/31/34)*

فلماذا نستجدي الحكام للتصدق علينا من مالنا وثرواتنا الوطنية ..بدل ان نستجوبهم عن تقصيرهم في حجب حقوقنا الانسانية في :(العمل ، والصحة ، والتعليم ، والسكن؟)..

وعراقنا يفيض بالخيرات ؟

انا ادعوكم جميعا الى:

· انتاج ثقافة المسائلة الدستورية لضمان ( حق العمل لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة/المادة 22 من الدستور **) بدل ثقافة استجداء المسؤولين لشمول الرعية بالعطف!!

· والى انتاج ثقافة الاحتجاج الحضاري البناء ..بدل استعطاف المسؤولين لاغتنام هبات فردية طارئة!! ( لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية/ المادة 31 من الدستور).

· والى العمل الواسع من اجل عقد اجتماعات للبرلمان مخصصة للوضع الصحي ، والتعليمي ، والسكني ، والتشغيلي للعراقيين داخل الوطن وخارجه وتخصيص موارد طارئة لمعالجة هذه الازمات العامة المتفاقمة التي حولت العراقيين لاول مرة في تاريخم الى شعب لاجئ داخل وطنه وفي دول الجوار وعلى امتداد قارات العالم.. (المادة 30: اولاًـ من الدستور).

· ان ثقافة التوسل للمسؤولين سوف لن تؤدي الا الى خلق الظروف الموضوعية والذاتية لتفريخ دكتاتورية جديدة اكثر تدميرا من سابقتها ..وهذه المرة محمية بجيوش الاحتلال!

________________________________________

*/المادة(1)الدستورالعراقي :
جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي/ .

**المادة (22): اولاًـ العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة .

المادة (30): اولاًـ تكفل الدولة للفرد وللاسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الاساسية للعيش في حياةٍ كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم.
ثانياًـ تكفل الدولة الضمان الاجتماعي للعراقيين في حال الشيخوخة او المرض او العجز عن العمل او التشرد او اليتم او البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون .

المادة (31): اولاًـ لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف انواع المستشفيات والمؤسسات الصحية . المناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون .

المادة” 34 “:
اولاً ـ التعليم عامل اساس لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة، وهو الزامي في المرحلة الابتدائية، وتكفل الدولة مكافحة الامية .
ثانياً ـ التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله .

ثالثاً ـ تشجع الدولة البحث العلمي للاغراض السلمية بما يخدم الانسانية، وترعى التفوق والابداع والابتكار ومختلف مظاهر النبوغ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *