الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /18 –

بدايــات الغربــــة /18 –

تتناول الحلقة: اللقاء بالرفيق عادل حبه والسفر لبولونية للدراسة. نهج حزب البعث لأبتزاز طلبة البعثات المتفوقين علمياً. لجوء حزب البعث ومنظمته الطلابية (الأتحاد الوطني) الى أعمال البلطجة لأرهاب الطلبة الشرفاء بعد فشلهم في كسر عزلتهم على الساحة الطلابية البولونية. أعتداءات كلاب البعث السائبة، عام 1979، وبأشراف السفارة العراقية ومخابراتها في بولونية لتنفيذ جريمة أعتداءاتهم على طلبتنا.

…………………………………………

بعد مغادرتي الوطن عام 1979 الى بلغارية حاولت البحث عن الرفيق عادل حبه وألتقاط أخباره بأعتباره آخر مرجع لي كنت على أتصال به. وفي زحمة الوضع في بلغارية وكثرة المهاجرين العراقين والأرتباك الذي سببته هذه الهجرة للحزب، عدلت عن البحث عن الرفيق وأكتفيت بالصلة التي أقمتها بالرفاق في صوفيا. وبعد أستقراري في الجزائر كنت أتابع أخبار الرفاق والمعارف، حينها سمعت بأعتقال الرفيق عادل حبه في أيران.
وفي سورية سمعت بوجوده وحاولت عبثاً الأتصال به، فكلما سألت أحد رفاقي عنه لأبلاغه سلامي ووجودي في سورية، يرد عليّ ببيروقراطية معهودة: رفيق أكتب رسالة للمكتب السياسي! وكأنما المكتب السياسي لآيوجد عنده عمل أهم، ومتفرغ لقراءة رسائل خاصة. بعد شهر من وصولي دمشق وأثناء أحتفال الحزب في ذكرى ثورة 14 تموز في أحد المزارع الدمشقية الجميلة التقيت بالرفيق عضو اللجنة المركزية عادل حبه.
كان الأحتفال تجمعا رائعا أعاد الذاكرة للسنوات الماضية، وأنا أرى هذه الطاقات الشبابية والأندفاع والحب والعطاء لهذا الوطن المنكوب بنظام ديكتاتوري قلّ نظيره في العالم. الجميع من كلا الجنسين عوائل ، شباباً ، شيوخا وأطفالاً فرحين ومطربين لسماعهم أغاني الحزب أغاني تجسد الحب والعطاء للوطن. كان أحتفالاً جميلاً لم أعشه منذ سنين، ففي الجزائر لم تكن الفرصة سانحة بسبب الوضع الأمني لأقامة مثل هذه السفرات والأحتفالات الكبيرة.
أثناء الحفل شاهدت أحدهم يصور أبني نورس وقد حملته أمه بين ذراعيها. تساءلت مع نفسي من يكون صاحب الكاميرة، ولماذا منعني الرفاق من أصطحاب كاميرتي السنمائية او الكاميرة الفوتوغرافية للتصوير بحجة الصيانة، وسمحوا لهذا الرفيق! عندما أقتربت من زوجتي كانت المفاجأة وأكتشفت أن من يصور نورس كان الرفيق عادل حبه. ولا أدري هل كانت رغبته لتصوير نورس لمعرفته أنه ولدي أم أن حركات نورس الشيطانية وخفة دمه الملفتة للأنتباه هي التي دفعته للتصوير. هكذا التقينا بعد أكثر من خمسة سنوات على آخر لقاء معه، ولم يكن الظرف مناسبا للحديث بالتفاصيل عن وضعي مع الرفيق أبي سلام (عادل حبه) ونحن نعيش أجواء أحتفالنا الجماهيري، لذلك طلب مني أن نلتقي في وقت آخر، وأتفقنا على موعد محدد. في لقائي معه سألني الرفيق عن وضعي، وشرحت له أسباب خروجي من الجزائر، ورغبتي بالبحث عن عمل في سورية. ليس غريبا أن يهتم الرفيق عادل حبه بوضعي فهو كان يشرف على عمل لجنة تنظيم الخارج (لتخ) عندما كنت أدرس في بولونية في أوائل السبعينات، وعدت للوطن آواخر عام 1977 بالرغم من الحملة ضد الحزب وتوفر أمكانية العمل لي في الأمارات. وبعد أرتباطي الحزبي به مباشرة (عام 1978) في وقت كانت الحملة متصاعدة ضد حزبنا رفضت عرضه المتكرر لمغادرة العراق والعودة للدراسة في بولونية وفضلت البقاء في الوطن. ومع تصاعد الهجمة الشرسة ضد الحزب أواخر 1978، وأنقطاعه المفاجئ عني وبذلك أنقطعت عن الصلة التنظيمية بالحزب حافظت على الرفاق الذين أوكلهم لي لقيادتهم ولم أفرط بهم. وأستمرت لقاءاتي التنظيمية برفاقي ووفرت لهم التوجيهات الحزبية الضرورية رغم المخاطر دون أن يشعر أي واحد منهم بأني مقطوع الصلة بالحزب، وساعدت منهم رفيقين للسفر خارج الوطن وأبقيت الباب مفتوحا أمام الرفاق الآخرين للمغادرة ، ولم أغادر الوطن إلا بعد أشتداد المضايقات عليّ، وأصبح أستمراري في معهد التكنلوجيا غير آمناً، حيث رتبت الصلة الحزبية الآمنة لرفاقي.
أوعدني الرفيق ببذل الجهد من أجل مساعدتي في هذا المجال، وفي اللقاء الثاني أخبرني بعدم توفر فرصة العمل لي، وأقترح عليّ إمكانية السفر الى بولونية لأكمال دراستي. ترددت في الموافقة على مقترحه، وأخبرته بأن أحد رفاقي حاول في الجزائر طرح ذلك ولكن لجنتي الحزبية رفضت. كما وضحت للرفيق أن مرافقة زوجتي وأبني ستكون عقبة في ذلك. لكنه أصر على أن هذا أفضل حل لوضعي، بعد أن أطلع على حالة زوجتي النفسية بسبب فشل حملها الأخير، وأخبرني انه حاول مساعدتي للعمل في سورية لكن الرفاق أخبروه بصعوبة ذلك، وأما مشكلة مرافقة زوجتي فيمكنني معالجتها مع المنظمة في بولونية، وطلب مني تهيأة الوثائق المطلوبة وتسليمها له بأسرع وقت. هيأت الوثائق ولكن لم أكن متحمساً للمقترح وبقيت أبحث عن عمل مستفيداً من بعض معارفي.
في مساء أحد الأيام تفاجأت بمجيء الرفيق عادل حبه الى داري، وسألني بعتاب وكان على عجل: أين الوثائق، ولماذا تأخرت؟ ولما وجدت الرفيق على عجل لم أوضح له سبب تأخري وترددي لأن رغبتي في البحث عن عمل هي التي كانت مسيطرة على قراري. قررت أن أسلمه الوثائق بعد أن بذلت جهوداً للعمل وكلها فشلت، حتى عرض علي أحدهم العمل في مشروع خاص ولم أتمكن من الحصول على رخصة العمل، وأقترح علي بأن يكون العمل بأسم الشريك المرخص، ولكن الحذر وعدم معرفتي الجيدة للشريك دفعني لعدم الموافقة على هذه المغامرة. ولهذه الأسباب قررت تسليم الرفيق وثائقي وأنا مقتنعاً بأحقية حصولي على زمالة من الحزب.

في تشرين الأول أبلغني الرفيق لبيد عباوي بحصولي على زمالة في بولونية. راجعت السفارة البولونية في دمشق لمنحي تأشيرة الدخول كطالب، لكن السفارة طلبت الأنتظار ومراجعتهم بعد أيام لعدم وصول أسمي. راجعتهم بعد أسبوع وأخبروني مجددا بعدم وصولهم أي أشعار عن قبولي، وضاعت أربعة أسابيع بين الأنتظار والمراجعات دون جدوى. وخلال هذه الفترة أتصلت بالرفيق والصديق الطيب علي غفور في بولونية مستفسرا منه أسباب عدم وجود أسمي في السفارة. أكد لي كاكا علي انه سمع بحصولي على زمالة ولابد ان هناك التباس او تأخير ما ادى الى عدم إعلام السفارة بزمالتي. كان من المفروض ان تتابع منظمتنا الحزبية في بولونية أرسال أسماء الحاصلين على زمالات وعدم ترك ذلك والأعتماد فقط على المؤسسات البولونية لتجنب الأخطاء، فكثيرا ماتقع المؤسسات البولونية ذات الصلة بالزمالات بأخطاء بالأسماء أو بلد الأقامة لصاحب الزمالة، وهذه الأخطاء تأخر وصول الأشعار للسفارة وقد يؤدي ذلك لضياع الزمالة.
أبلغت الحزب بمشكلة حصولي على فيزة وأعذار السفارة، وبادر الرفيق آراخاجادور لمساعدتي بمفاتحة السفير برسالة شخصية لمنحي تأشيرة الدخول، وللأسف أن السفير لم يعر أهتماماً لرسالة الرفيق آراخاجادور. الغريب والمؤلم كنت الآحظ ولمرتين في السفارة البولونية، كيف كانت تمنح التأشيرات بالواسطة والرشاوي، ففي آخر زيارة للسفارة البولونية كنت أستمع لحديث رجلين وكنت قريبا منهما تبين لي من حديثهما أن أحدهما وسيطا وهو تاجر، والثاني طالب التأشيرة سائحا، وكيف كان الأول يطمأنه بحصوله على التأشيرة بدون عرقلة، وفعلا وبينما كنت أنتظر جواب السفير على رسالة الرفيق آراخاجادور أنجزت تأشيرة السائح السوري، بينما أنا عدت خائبا.
كنت أراجع السفارة أسبوعيا مرتين ولمدة أربعة أسابيع وأنا على أمل أن يصلهم أي أشعار عن زمالتي، حتى وصلت الى قناعة أن لا بد من وجود خطأ ما في ترتيبات الزمالة، وأن حل هذا الأشكال بحاجة الى متابعة جدية من منظمتنا في بولونية، ولا فائدة من الأنتظار. ألتجأت للمكاتب السياحية وحصلت من خلالها على فيزة لعشرة أيام سياحية لي ولزوجتي، كلفتني أكثر من 300$ يضاف لها حجز بطاقات الطائرة. لم يبق لنا سوى جمع المهم من حاجاتنا والتهيوء ليوم السفر. للأسف لم أتمكن من اللقاء بالرفيق الوفي عادل حبه، فكان آخر مرة التقيت معه يوم مجيئه ليلا ليطالبني بأوراقي لتقديمها من أجل الزمالة. حتى أن إبلاغي بحصولي على زمالة كان عن طريق الرفيق لبيد عباوي حيث أخبرني بسفر الرفيق عادل حبه. وكم أحس بالخجل من نفسي لأني لم أفكر يوما بزيارة الرفيق عادل حبه أثناء وجودي في سورية خلال فترة أنتظار الزمالة، ربما لأني كنت لا أريد أن أشغله عن مسؤولياته الحزبية أو سرقة وقته بلقاءات شخصية، ولم تتح الفرصة لي لتقديم الشكر له لموقفه النبيل هذا أو حتى توديعه. كان موعد الطائرة بعد منتصف الليل، وفي حفلة توديع متواضعة ودعت شقيقتاي (نوال وشذى) وأزواجهن وأحبتي من الأصدقاء، وقد بادر أبو يحيى بأيصالي الى المطار.

كنت أتفهم الأشكال الذي عانيته من حصولي على الفيزة، وعدم أحترام السفير لرسالة ورجاء الرفيق آراخاجادور بقدر أحترامهم لذلك التاجر السوري وهو بالتأكيد لايتمتع بالحرص على النظام (الأشتراكي) بقدر حرص وقناعة آراخاجادور، ولكن المصالح الذاتية الضيقة الآنية وليست المباديء والأخلاق الشيوعية هي التي تتحكم بقرارات السفير البولوني. فالسنوات التي سبق وعشتها في بولونيا، أكسبتني فكرة سوداوية عن مستقبل النظام الأشتراكي، وهذا أنطباع عند جميع الطلبة الذين عاشوا في الستينات والسبعينات في معظم الدول الأشتراكية. كان الفساد في أجهزة الدولة البولونية يسير في خط تصاعدي، وتكونت داخل المجتمع طبقة طفيلية من بعض القيادات الحزبية والمسؤولين الحكوميين، وقد ساعد في ذلك تدهور الوضع المعاشي للمجتمع. لذلك لم يكن لي مفاجئا عدم وصول أسمي للسفارة أو عدم منحي تأشيرة الدخول بالرغم من رسالة رفيقهم آراخاجادور. ففي السنوات الأخيرة تدهورت الأوضاع المعاشية للشعب البولوني، وأصبحت البطاقة التموينية تشمل أهم السلع الحياتية الضرورية، كالسكر واللحوم بكل أنواعها والزبدة. وتدهورت العملة البولونية، وأنخفضت قيمتها الشرائية أضعاف المرات. وأنتشرت المافيات والفساد في مجالات الحياة المتعددة وخاصة المجالات الأقتصادية. ونشطت في هذه الأجواء حركة التضامن وجذبت الى صفوفها الملايين مستغلة المشاكل الأقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عجز النظام عن معالجتها خلال السنوات المنصرمة لآ بل زادتها تفاقما الأخطاء في معالجاته الأقتصادية والسياسية الفاشلة. أن سياسات النظام ومعالجاته الخاطئة والفساد المستشري في الكثير من المؤسسات فاقمت هذه المشاكل وفجرت الوضع، مما دفع بالحزب وبقياداته في الجيش الى فرض حالة الطواريء. وكان هذا الحل مجرد تأجيل موقت للتغيرات القادمة، فقد كان الحزب بحاجة لثورة من الداخل لتغيير جذري في بعض المفاهيم (السياسية، الأقتصادية والأجتماعية) وتكون الديمقراطية والشفافية، في داخل الحزب والمجتمع، أحد أهم أسسه. ويحضرني تعليق الصحفي والكاتب حسن العلوي في زيارته عام 1977 مع وفد من نقابة الصحفيين ضم الرفيق فخري كريم. بعد زياراتهم ولقاءاتهم في المصانع والمؤسسات الحكومية، توصل العلوي الى (حقيقة) صرح بها ساخراً ونحن نجلس في مطعم ليلي حيث قال مامعناه (أن حزب البعث يحكم بالطريقة التي يحكم فيها حزب العمال البولوني، فالمسؤولين في المؤسسات والمصانع يجب أن يكونوا أعضاء في الحزب الحاكم، والأحزاب الأخرى يجب أن تعترف بالحزب الحاكم حزبا طليعيا وقائدا للمسيرة، فحزب البعث أستفاد من تجربة الرفاق البولون!) قال جملته الأخيرة بسخرية. رغم أن جميع الجالسين معه لم نرتاح لهذا التشبيه وقناعتنا بوجود فرق كبير بين النظامين، ولكن كنا مقتنعين الى أن ذكره لهذه الحقائق صحيح ولكن هناك حقائق أخرى أغفلها العلوي وأغفلتها قوى الردة متمثلة بالتضامن وحتى الشعب البولوني أغفلها في مسيرته خلف التضامن، وقد كشفت الأيام للشعب البولوني كم كان مخدوعا بشعارات التضامن ولكن الأكتشاف كان متأخراً ومكلفا.

بعد أنتصار ثورة 14 تموز، أقدمت حكومة الثورة وخلال عمرها القصير بأرسال الكثير من الطلبة للدراسة في أنحاء العالم (الغربي والدول الأشتراكية السابقة) وعلى حساب الدولة. وكان الأختيار لطلبة هذه المنح تحدده نتائجهم الدراسية المتفوقة، فجميع الطلبة المتفوقين دراسيا وخاصة الأوائل منهم يرشحون لهذه المنح في الدول الغربية، وهذا ماكانت تسير عليه حتى حكومة العهد الملكي. وبعد جريمة حزب البعث في أسقاط ثورة 14 تموز عبر أنقلاب دموي في 8 شباط 1963، أقدم الفاشيون البعثيون على ممارسة أحقر الطرق للضغط على الطلبة في خارج الوطن لكسب تأييدهم. ومنذ الأيام الأولى لأنقلابهم مارست سفارات الأنقلابيين، في الدول الغربية وخصوصاً في بريطانية لتمركز معظم طلبة البعثات فيها، الضغوط على الطلبة للحد من نشاطاتهم الوطنية لفضح جرائم الأنقلابيين البعثين أمام الرأي العام الأوربي. وأقدمت على مساومة غير شريفة مع الطلبة الشرفاء، ووضعتهم أمام خيارين، ألغاء منحهم الدراسية أو تأييد جرائم الأنقلابيين والكف عن أنشطتهم الوطنية للوقوف بجانب شعبهم وفضح الأرهاب والقتل والتعذيب المسلط على الشرفاء من أبناء الشعب. ولما لم يستجب الطلبة لضغوطات سلطات البعث وواصلوا أنشطتهم، أقدمت حكومة البعث على ألغاء منح الطلبة وعرضت مستقبلهم الدراسي للضياع، وبذلك هدرت أموال الدولة وقدرات علمية كان يمكن أن يكون لها دورا في بناء الوطن لأنهم من الطلبة المتفوقين دراسيا. وقد تمكن أتحادنا الطلابي من تعويضهم بمنح دراسية قدمتها لهم الدول الأشتراكية السابقة. وأذكر بعض الرفاق والأصدقاء من هؤلاء الطلبة الذين تعرضوا لهذه المساومات والعقوبات وقبلوا للدراسة في بولونية، أخص بالذكر الراحل د. إدريس المهدي، د. حسن جمشير وهناك العشرات غيرهم توزعوا على بقية الدول الأشتراكية ونجح البعض في حل مشكلة المنحة بعيدا عن تدخلات السفارات العراقية وواصلوا دراستهم ونشاطاتهم في بريطانية.
وواصل البعثيون نهجهم للضغط على طلبة المنحات الدراسية بعد وصولهم الثاني للسلطة في أنقلابهم عام 1968. وأصبحت المنح الحكومية سيفا مسلطا على الطلبة في الخارج في تحديد مواقفهم الوطنية وأجبارهم على الأرتباط بالأتحاد الوطني (منظمة حزب البعث الطلابية الحديثة التكوين في بولونية) وحزب البعث وأبتعادهم عن جمعيتنا الطلابية والتي تمثل أتحاد الطلبة العام خارج الوطن. لقد تعرضت أول مجموعة من طلبة المنحة عام 1971، الى تهديدات السفارة وحزب البعث، في مدينة ششوف (Rzeszów) وكانوا ثلاثة طلبة من خريجي ثانوية الصناعة، أذكر منهم طالب الهندسة الميكانيكية خضير وللأسف تخونني الذاكرة لتذكر أسماء زملائه. وكانت مدينة ششوف بعيدة وفي أقصى الجنوب البولوني ولايوجد بالقرب منهم أي وجود لفروع جمعيتنا ورفاقنا. وقد وصلتنا منهم صرخة إستغاثة بسبب ضغوطات السفارة العراقية عليهم لأجبارهم على الأنتماء للأتحاد الوطني وحزب البعث وإلا ستلغى منحهم! وبتكليف من الحزب توجهنا ( كاتب السطور والراحل أدريس المهدي) حينها الى مدينتهم ششوف، والأتصال بهم وتثمين موقفهم الشجاع وتطمينهم بقدرة المنظمة الحزبية وجمعيتنا على حمايتهم من هذا الأبتزاز وتعويضهم بمنحة بولونية أذا مانفذت السفارة تهديدها المجحف، ونجحنا لحد ما في ربطهم بجمعيتنا وبالحزب.
بعد سنة تصاعد أسلوب الترهيب البعثي لطلبة المنحة فتعرض عدد من طلبة منحة الدكتوراة في وودج ووارشو ومدن اخرى لنفس الأبتزاز من قبل السفارة والأتحاد الوطني. وأذكر بعض أسماء هؤلاء الطلبة الذين تعرضوا للممارسات الخسيسة من قبل سفارة البعث ومنظمته في بولونية، وجميعهم من طلبة الدكتوراة، بينهم أستاذ الرياضيات صلاح المظفر، الكيميائي عبد الجليل الونداوي، المهندس الكهربائي حارث …..، الزراعي جميل الدباغ وآخرين لآتسعفني الذاكرة بتذكر أسمائهم فأستميحهم عذراً . وأيضا نشطت جمعيتنا والمنظمة الحزبية في أفشال مخطط السفارة في أبتزاز طلبة المنحة ولو أن الخوف والحذر لبعضهم كان مسيطرا على حياتهم الدراسية وعلاقتهم بنا.

منذ أقامتي في الجزائر وبحكم مراسلاتنا مع زملائنا في بولونية ووجود بعض الزملاء مع زوجاتهم البولونيات الأصل، وجميعنا نتردد على بولونية في العطل، فأننا لم ننقطع عن متابعة الأوضاع في بولونية ولا عن أخبار زملائنا الطلبة في بولونية. وقد هالنا ماسمعناه من أعتداءات على طلبتنا من قبل كلاب السلطة المسعورة التي وصلت الى بولونية بعد عام 1978. فبعد فشل سلطة البعث في ضغوطاتها على الطلبة، من خلال أبتزازهم ومساومتهم على دراستهم، لجأت الى أحتكار المنح الدراسية ومنحها لمرتزقة حزب البعث من طلبة فاشلين أو أنتهازيين.
فأرسلت السلطات الصدامية مئات بل آلاف من البلطجية والأنتهازيين بحجة الدراسة في الدول الأشتراكية. وكانت هذه المجاميع خليط من حثالات المجتمع العراقي دفع بهم الفشل الدراسي والأجتماعي للعمل في سلك الشرطة والأمن والمخابرات. وهكذا وصلت هذه المجاميع الساقطة الى بولونية لتنفذ مخطط مخابراتي أرهابي ضد الطلبة الشيوعيين وأصدقائهم. وقد مارست أعمالها البلطجية في عدة دول أشتراكية، فأقدمت هذه المجاميع في عملية أغتيال جبانة للشهيد صلاح تقي الصراف في بلغارية، وساهمت في خطف أحد الطلبة المعارضين أثناء مراجعته للسفارة في يوغسلافية. وللأسف أن معظم الدول الأشتراكية تقبلت هذا السلوك الهمجي من كلاب السفارات العراقية السائبة ولم تتخذ أجراءات صارمة، وأعتقد أن هذا الموقف كان مؤشراً على تفسخ هذه الأنظمة التي آلت وبسرعة مذهلة للسقوط.
بعد قرار تجميد أتحادنا الطلابي (أتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية)، فشل البعثيون من جذب جماهيرنا ألطلابية المتواجدة على الساحة البولونية، وتمكن رفاقنا من تشكيل مكتب حزبي لقيادة العمل الديمقراطي ، وتنظيم العلاقات مع المنظمات الطلابية والشبابية الأجنبية والبولونية. وقد تعلمت سلطة البعث من تجربتها الفاشلة في الضغط على طلبة البعثات وعدم ثقتها بهم وفشلها في أبتزازهم. وبسبب هذا الفشل ولأسباب أخرى أقدمت الحكومة العراقية بعد عام 1978 على أرسال مئات (أكثر من 600 طالب) المجاميع من البلطجية على النمط الصدامي للدراسة على حسابهم الخاص في بولونية وبعضهم على حساب الدولة العراقية كطلبة بعثة.
لم يكن أرسال المئات من طلبة المنحة وزمالات الدراسات على الحساب الخاص من قبل الحكومة العراقية الى دول النظام الأشتراكي، ومنها بولونية، هو الحرص والرغبة في تطوير الأمكانيات العلمية للبلد كما يتصور البعض، لأن معظم الطلبة المبعوثين هم من الفاشلين دراسيا، فمعظمهم كان ملتحقا بسلك الشرطة والأمن والمخابرات، والنادر منهم من تمكن من أنجاز مهمته الدراسية بكفاءة متوسطة. ومع قدوم هذه الوجبات الكبيرة من البلطجية الشباب والمراهقين مع توفر الأمكانيات المادية الهائلة¹، مقارنة للأوضاع المعاشية البولونية، أنتشر بينهم أسلوب الرشاوي والفساد في أنجاز مهامهم الدراسية بأعتباره أسهل طريقة للنجاح، وللأسف أن بعض الأساتذة البولون وفي بعض الجامعات كانوا يتقبلون هذه الرشاوى مسيئين الى سمعتهم وسمعة مؤسساتهم العلمية، بسبب تدني أوضاعهم الأقتصادية. وللأسف كانت المؤسسات الجامعية وحتى في وزارة التعليم تتسامح مع فشلهم المتواصل وتمنحهم أكثر من فرصة، وأعتقد أن هذا الموقف المتساهل من هذه المؤسسات لم يكن بعيدا عن سياسة نشر الفساد والرشاوي التي أتبعها مؤخرا طلبة البعثة العراقية وغيرهم.
وهكذا أصبح هؤلاء الطلبة المراهقين الذين شبوا وترعرعوا في ظل الدعاية الأعلامية لحزب البعث، في بولونية الأداة القذرة والمسخرة من قبل السفارة والمخابرات البعثية للأعتداء على زملائهم من الطلبة الديمقراطيين والشيوعيين. وتحركت السفارة العراقية ومنظمة البعث وأتحادها الوطني لمنع نشاط منظمتنا وجمعيتنا، بعد أن وجدت نفسها في عزلة عن المجتمع الطلابي الناشط على الساحة البولونية بالرغم من بذخهم لشراء الذمم وتجميد أتحادنا ، وأستعملت القوة والبلطجة في منع عقد مؤتمر جمعيتنا.
فبعد أشتداد الهجمة الشرسة على الحزب، وفشل منظمة الأتحاد الوطني في أن تصبح منظمة طلابية مهنية تدافع عن حقوق الطلبة المهنية بالرغم من تجميد أتحادنا الطلابي، فشلت في بناء علاقات جيدة مع المنظمات الطلابية والشبابية في بولونية، وأصبحت تعاني من العزلة في المجتمع الديمقراطي الطلابي في بولونية. هذا الوضع دفع بمنظمة الحزب الشيوعي للتحرك مجدداً لعقد أول مؤتمر للجمعية بعد فترة التجميد. وفي يوم أكتوبري من عام 1979 تقرر أنعقاد المؤتمر في مدينة وودج، وتقاطر طلبتنا من مختلف المدن البولونية (لايتجاوز عدد طلبتنا في أحسن الأحوال 60 طالبا) الى مدينة وودج لحضور أول مؤتمر طلابي لهم بعد قرار التجميد، في قاعة معهد اللغة البولونية للأجانب (معهد كوبجنسكيكو). لكن منظمة حزب البعث كانت تخطط لأفشال عقد المؤتمر بطريقة سافلة. فجمعت كل قواها البشرية المتواجدة على الساحة البولونية. فجاءت بباصات كبيرة حشدت فيه بما يسمون بطلبة البعثة وموظفي المخابرات وبأشراف مباشر من قبل الملحق العسكري (أبو محمد) والثقافي والقنصل (عبد المطلب نقيب) وقيادات حزب البعث والأتحاد الوطني في تلك السنة، وأنتشروا في جميع المراكز المهمة في المدينة، كمحطة القطار، ومحيط بعض الأقسام الداخلية، وفي شواريع المدينة وبعض المقاهي القريبة من معهد اللغة، وركزوا وجودهم في معهد اللغة. كان تواجد هذه العصابات في المدينة لايصدق، وكانوا مسلحين بالسلاسل الحديدية والسكاكين والعصي، وتجاوز عددهم الخمسمائة وجميعهم من شرطة وأمن ومخابرات أرسلوا لهذه المهمة تحت ذريعة الدراسة والقليل منهم من كان هدفه الدراسة فعلا.
تجمع بعض طلبتنا في مقهى معهد اللغة، ولاحظوا حركة مشبوهة وتجمع غريب لبعض العناصر القيادية ووجود عناصر غريبة بينهم. وكانت بينهم عناصر مسؤولة من السفارة وقيادية من منظمة البعث وأتحادهم الوطني. وبعد أن تجمع طلبتنا وقبل بدء أعمال المؤتمر، نزلت بعض مجاميعهم من شقاوات ومخابرات وشرطة من أحد طوابق المعهد المخصصة للسكن الطلابي وقد أنتزعوا الألواح الخشبية للأسرة وتوجهوا مباشرة ودون أي مقدمات نحو طلبتنا والأعتداء عليهم بطريقة هستيرية ومفاجئة. ومازال طلبتنا يتذكرون بعض هذه الأسماء القذرة، فأسماؤهم محفورة في ذاكرة الطلبة الشرفاء من عراقيين وعرب، وليعلموا أن تأريخهم القذر لايمكن نسيانه. وكان في مقدمة كلاب البعث المسعورين المدعو نبيل البغدادي (طالب في مدينة كدانسك) وهو يصرخ بطريقة هيستيرية وينادي على بعض الأسماء من طلبتنا ويهددهم بالتصفية، ولايقل شراسة وهستيرية عنه زميله فاروق الحيدري، والمرتزق اللبناني أنطون فرنسيس وآخرون كانت مساهمتهم متباينة لآ أريد نشر جميع الأسماء (بعضهم ساهم بالأعتداء وآخرون تواجدوا في المنطقة يراقبون ويشجعون) لعل ضمائرهم في يوم ما تستيقظ لينشروا اعتذارا عن جريمتهم بعد أن سقط نظام حزب البعث ولم يعد هناك مايرهبهم ويجعل منهم أداة رخيصة لمحاربة المواطنين. وكل هذا الأعتداء الهمجي على طلبتنا وما رافقه من تدمير لأثاث المقهى وزجاج شبابيك المعهد كان بأشراف وتحت سمع ونظر الملحقان العسكري (أبو محمد) والثقافي …… والقنصل (عبد المطلب نقيب) والقيادات البعثية الطلابية، والتي كانت تراقب كلابهم كيف تبدع بتنفذ المهمة التي خططت لها أجهزة حزب البعث المخابراتية في السفارة العراقية. وبينما كانت هذه الكلاب المسعورة تنفذ توجيهات قياداتها في المعهد، فأن كلابهم الأخرى أنتشرت في أنحاء مدينة وودج، كمحطة القطار والطرقات وهي الآخرى هاجمت طلبتنا للأعتداء عليهم ومنعتهم من الوصول الى قاعة المؤتمر.
كانت حصيلة الأعتداء إصابة بعض الرفاق والأصدقاء بجروح خطيرة تطلب الأمر نقلهم للمستشفى، وبعضهم أقتضت أصاباتهم البقاء في المستشفى لعدة أيام. ومن طلبتنا الذين تعرضوا للأعتداء الهمجي أذكر بعض الأسماء، الطيب الذكر شاكر الدجيلي، علي الجزائري وقد أصيب أصابات بالغة،كاظم العبودي، يعقوب الخميسي ولم يكتفوا بالأعتداء عليه وأنما سرقوا مايحمله من وثائق بما فيها جواز سفره من حقيبته اليدوية، صباح قدوري، هاتف الجنابي، صالح ياسر، خضر، وعادل الراوي والذي أظهر شجاعة في مقاومتهم والرد عليهم رغم إصاباته، كما أعتدي على أحد الوفود التي وصلت من خارج بولونية. ولم يكتفوا بأعتدائهم وأنما ذهب بعض المسعورين من كلاب البعث، وأحتلوا قاعة المؤتمر للتشويش والتخريب. وقد منح النظام الدكتاتوري المقبور، بعض الشقاوات والساقطين ممن ساهموا بطريقة مسعورة في الأعتداء على طلبتنا، مناصب أدارية ومخابراتية في سفاراتنا إمتنانا لأنجازهم مهمات المخابرات بأحسن وجه، وللأسف أن بعضهم يحتل موقعه في سفاراتنا لغاية اليوم بالرغم من مرور أربعة سنوات على سقوط الصنم!. أن هذا الأعتداء ومن ساهم فيه يبقى وصمة عار تلاحقهم طول حياتهم مادام لم يقدموا أعتذارا لغاية اليوم وهم يحتلون مناصبهم في سفارتنا بوجوههم الكالحة.
لكن خطة حزب البعث في عرقلة عقد المؤتمر فشلت وأصرت إرادة طلبتنا على عقد المؤتمر في نفس اليوم، وتعاطفت جميع القوى الطلابية مع طلبتنا وخاصة رابطة الطلبة البنانيين التي أتخذت قرارا بأول مؤتمر لها بطرد المرتزق أنطوان فرنسيس من الرابطة لعمالته وأرتزاقه من السفارة العراقية كما برر هو سلوكه أمام بعض الطلبة العرب! ووفرت سلطات المدينة مكانا جديدا آمنا لعقد المؤتمر وفي نفس اليوم، حضره معظم الرفاق الذين تعرضوا للأعتداء ماعدا قلة منهم. وفي المؤتمر أستنكرت جميع الوفود العربية والبولونية سلوك وأسلوب منظمة حزب البعث وتنظيمها الطلابي (الأتحاد الوطني). وعلى أثر هذا الأعتداء أستنكرت جميع المنظمات الطلابية والشبابية والحزبية الأسلوب الهمجي لحثالات نكرة أحضرت من العراق للقيام بهذه المهمة القذرة، وقطعت معظم المنظمات الطلابية علاقاتها بالأتحاد الوطني وأزدادت عزلته.
أستمرت سفارة البعث الصدامي ومخابراتها في دفع كلابها السائبة في ممارسة أعتداءاتها على طلبتنا لأرهابهم. ففي نيسان سنة 1981 أعتدت مجموعة من نفس العصابة الطلابية على طلبتنا في معهد اللغة بمدينة لوبلين، مستغلين قلة عدد طلبتنا (لايتجاوز عددهم 5 طلبة) في القسم الداخلي وكثرة عددهم الذي تجاوز 70 طالبا. وأستفردوا بالطالب كريم وأصيب بجروح في رأسه، وحاولوا الأعتداء على حسام لولا تدخل الطالبات البولونيات وتشكيلهن حاجزا لمنعهم من الأعتداء عليه، وهاجموا عائلة أبا ابهى في غرفة سكنه وهشموا زجاج الباب وأيضا حاولوا الأعتداء وتهديدهم ولولا تدخل الطالبات صديقات أم أبهى اللاتي كن حائلا دون دخولهم للغرفة لتنفيذ أعتدائهم.
أستغلت مخابرات النظام ممثلة بالسفارة تساهل السلطات البولونية والعلاقات الديبلوماسية ونجاحهم في شراء بعض ذمم المسؤولين البولون المتنفذين وحاولوا تكرار أعتدائهم على طلبتنا أثناء الأحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي. لكن في هذه المرة كان رفاقنا لهم بالمرصاد فأفشلوا مخططهم.
كانت صورة هذه الأوضاع مسيطرة على تفكيري وانا وعائلتي في طريقنا الى المطار، أضافة لموقف السفارة من منحي تأشيرة الدخول بالرغم من رسالة الرفيق آراخاجادور جعلني أتشائم من أمكانية حل مشكلة أقامة زوجتي . أنتبه أبو يحيى الرجل الطيب لعدم التركيز معه بالحديث، وحاولت أن أجد له عذرا مبررا شرود تفكيري بسبب توديعي لشقيقتاي شذى ونوال وهن وازواجهن في وضع صعب بسبب البطالة.
أقلعت طائرتنا من دمشق بعد منتصف الليل، ووصلنا بولونية صباح اليوم ذاته. كان في أنتظارنا في المطار الزميل شفاء داوود جبر (أبو أبهى). لم تكن لي معرفة سابقة بأبي أبهى غير أن علي غفورر أقترح عليّ الأتصال به مثنيا على شهامته لمساعدتي في الساعات الأولى من وصولي. وفعلا كان الزميل شفاء شهما وطيبا ولن ننسى أنا وزوجتي (دجاج الصبة) الذي كان جزء من وجبة الغداء الشهية التي أعدتها زوجته الفاضلة سلمى. كان لابد من أستغلال المبالغ التي دفعتها مقابل الفيزة السياحية في السكن بأحد فنادق العاصمة وتناول وجبات الطعام في مطاعمها الراقية. كانت أقامتنا في فندق فيرا (Wera) الراقي لعدة أيام ليست بطراً وأنما هي أقامة أضطرارية لصرف المبالغ التي دفعتها في سورية مقابل السفرة السياحية.

يـتـبـع

1- كان طلبة المنحة العراقية يستلمون من الدولة شهريا أكثر من 400$ (هذا ماسمعته من بعضهم) أضافة لما يستلموه من مخصصات المعيشة المخصصة للطلبة، وأن هذا المبلغ أذا ماصرف بالسوق السوداء سيعادل أكثر 25 مرة من مخصصات المعيشة التي كنا نتقاضاها، وعلى القاريء أن يتخيل الفرق الهائل بين حياة الطلبة العادين وطلبة حزب البعث العراقي. 

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية
2007-10-06

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *