الرئيسية » التراث » حكاية شقاوات بغداد .. يونس سعيد وتقاليد الامس

حكاية شقاوات بغداد .. يونس سعيد وتقاليد الامس

يونس سعيد البغدادي صحفي قديم اشتغل محرراً ومصححاً في الكثير من صحف العهود الماضية ابرزها صحيفة الحرية لقاسم حمودي ومجلة (فرندل) لصادق الازدي وغيرها. وقد بدأ يونس سعيد بنشر بعض المقالات في (قرندل) عام 1957 عن سجايا البغداديين وشمائلهم حتى اغلقت المجلة فتولى نشر مقالاته في جريدة (العهد الجديد) واجتمعت لديه بعد هذا مادة كتاب صغير عن (شقاوات بغداد) صدر عن مكتبة النهضة ببغداد عام 1961 في عيد بغداد الالفي الذي نظم في العام نفسه واشرف عليه ثقافياً الدكتور ناجي الاصيل مدير الآثار العامة انذاك ووزير الخارجية الاسبق وتمت احتفالات العيد الالفي برعاية رئيس الوزراء انذاك اللواء الركن عبد الكريم قاسم وشارك في تلك الاحتفالات عدد كبير من الباحثين العراقيين والعرب والاجانب. وقد نشر يونس سعيد كتيبه هذا على هامش العيد وكان ممن كتبوا ونشروا خارج الاحتفالات الرسمية الاستاذ محمود العبطة المحامي الذي نشر كتابيه (رجل الشارع في بغداد) و(الفولكلور في بغداد) وعُد الكتابان بعد هذا من المراجع المهمة عن الفولكلور البغدادي.

وكان من حظ يونس سعيد ان ينشر دراسته هذه خارج المتن الرسمي لتؤرخ لفترة تاريخية من حياة بغداد الشعبية عن اصول الفتوة تاريخياً وتطبيقاتها في المحلة البغدادية منتصف القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وقد عرض فيه لاصول (تقاليد) الشقاوات وبعض ممارساتهم وابرز الشخصيات منهم مثل ابن عبدكه وابراهيم الحوراني وممودي وخماس بن شاله وغيرهم وبذلك يعد هذا الكتيب وثيقة شعبية تاريخية تصور جزءاً من تقاليد مجموعة من الناس هم الاشقياء او الشقاة في نظر البعض وهم الفرسان الذين يتمتعون باخلاق الفروسية في رأي اخرين.
ونختار هنا بعض فصول دراسة المرحوم الاستاذ يونس سعيد البغدادي.
ابو زيد الهلالي والاشقياء
وقد كان لشقاوات بغداد ولع أي ولع بالاصغاء الى ما ينشده (القصه خون) من اخبار تلك المعارك وما يصوره من اشكال تلك البطولات.. ولا غرو في هذا فانهم هم ايضاً من اصحاب المعارك والبطولات، واذا كانت مكارم الاخلاق قد طغت على شخصية أبي زيد او عنترة او غيرهما من ابطال الملاحم، فان الشقاوات انفسهم كانوا لا يجدون مناصاً من التمسك بأهداب الاخلاق وخير مثال نضربه على ذلك ان الشقي (ممودي) اعتزم ذات ليلة الذهاب الى زيارة بعض اصدقائه في محلة باب الشيخ بعد ان اعلن توبته، وعند عودته ووصوله بالقرب من مقابر اليهود داهمه رجلان وقد شهر عليه كل منهما مسدساً ولما ادرك انهما يريدان سلبه خلع عباءته ووضعها على الارض واخذ يخلع ملابسه وهو يقول ضاحكاً: “هذا هو شأن الدنيا يوم الك ويوم عليك، فلما سمعه الرجلان وعرفاه من صوته اخذا يعتذران له ويقبلان يديه، فصفح عنهما بعد ان اخذ عليهما عهداً بان يتركا اعمال السلب وقطع الطرق على السابلة وافهمهما انه عندما كان شقياً فان شقاوته كانت محصورة في مناوأة الحكومة العثمانية وليس في اعمال السلب والنهب، اللهم الا اذا اقتضت الضرورة.. ضرورة الحياة، فانه كان يسطو على دور الموسرين من الاجانب.
وكذلك كان يجد الاشقياء في الاصغاء الى (القصه خون) ما يثير في نفوسهم من غرائز اصيلة في الاحتساب الى المستقبل وهو بيد الله، ولو ان عالماً من علماء النفس قد تطوع وسبر غور أي واحد منهم، لوجد ان جوانحه وهو يصغي الى اشعار (القصه خون) تفيض أبدا وفي كل لمحة من ملامح وجهه التعبيرية بالخير والجمال. ولراعه ان يجد حامل (البشتاوه) هذا او متمنطق (الجلتيانة) ذاك رجلا شهما وحساسا رقيقاً.
و(القصه خون) هو الآخر من بقايا نظام الفتوة، وقد شهدته وانا في الخامسة عشرة من عمري، فرأيته رجلاً قد تخطى العقد الخامس بقليل، وقد عقد على رأسه (جراوية) جعلها في لفتين تشبهاً بـ(الشقاوات) ولكنه كان يمتاز عنهم بالنظارة التي كان يضعها فوق انفه بعد ان يشدها الى اذنيه بخيط رفيع من (السانتيم) فهو بحسابه استاذهم وبحسابهم شاعرهم.. وكان اذا هم بالتلاوة او الانشاد شهر سيفاً خشبياً واخذ بالانشاد على طريقة غنائية خاصة وذات ليلة وقد وصل من القصة الى ان ابا زيد قد قتل في المعركة الحاسمة ألف ألف فارس، استبد به الانفعال بضربة من ضربات سيفه الخشبي حطم المصباح النفطي الذي كان معلقاً فوق رأسه وساد الظلام، فأخذ الحاج عبود صاحب المقهى يبحث عن الشمعة وهو ممسك بتلابيب القصه خون ويحمله مسؤولية تحطيمه المصباح فهو يريد ثمنه.. يجري هذا في كل ليلة وفي كل مرة يتدخل احد الرواد فيدفع ثمن المصباح المحطم وينجو القصه خون.
وذلك ليلة ايضاً صادف ان انشد القصه خون شعراً وقع فيه أبو زيد أسيراً بيد أعدائه فدخل السجن، وأنهى الفصل وأرجأ بقية القصة الى اليوم التالي، غير انه عندما وصل الى البيت راعه ان يجد احد (الشقاوات) الشبان ينتظره وفي يمينه خنجر مرهف الحد ويقول له مهدداً:
-ملا.. راح اتطلع ابو زيد من السجن لو لاع!
وعلى ضوء المصباح النفطي الذي كانت تنير به البلدية شوارع وازقة بغداد فتح القصه خون كتابه ووصل ما انقطع من سياق القصة، واخذ يتلو بصوت خافت كيف ان ابا زيد استطاع ان يثقب سقف (الزنزانة) وكيف حطم باب السجن وفر من سجنه باعجوبة.
وهنا تنفس الشقي الصعداء فقد خرج ابو زيد من السجن وترك الملا الى داره المعتمة في آخر الزقاق وخياله أبداً مع أبي زيد.
“الموال” في حياة الاشقياء
وكما عرف الاشقياء بحياة القوة والبطش واهتبال الفرص المؤاتية في الكفاح من اجل البقاء، فقد عرفوا باصالة تذوقهم للفنون، شأنهم في ذلك شأن البغداديين جميعاً، ولا غرو، فقد كان البغداديون وما فتئوا مضرب المثل في الظرف والميل للطرب والعناية بالنظافة اما ولعهم بالسخاء والاريحية، فذلك امرلا نحتاج الى ما نستدل به عليه. وهذه بلا شك وغيرها من الاوصاف الحسنى تفتح ابواب الازدهار للحياة فيكثر الظرفاء وتكثر بكثرتهم الفنون، وان بلداً يجعل بجماله وحلاله من السقائين في مراتب الاريحية والظرف حري بان يسمو بكبرياء خلوده الى القمم الصاعدة شرفاً ومجداً وقمين بأن يجعل من فتيانه الاشقياء في طليعة الواردين من نمير المكرمات اعذبها واسلسها وابردها على القلب الصادي. وهكذا تولع الاشقياء بالفنون، وأحبوا الموال منها بوجه خاص.
وقد كانت مجالس بغداد في العصر الماضي تعج بطائفة كبيرة من الشعراء والظرفاء الذين تفننوا في نظم الموال غير ان ادبنا الشعبي لم يسجل لاحد انتصاراً في هذا الشأن كمل سجل ذلك للملا جادر الزهيري، فقد كان من فتيان بغداد، وقد توله بحبها فنظم فيها وفي شمائل اهلها الغر من الموالات التي لا تحصى، غير انها تبعثرت مع الاسف المرير، ولم يسعفني الحظ في الوقوف على شخصية هذا الشاعر الفذة وقد يكون من ابناء محلة المهدية في الفضل حيث يسكنها فخذ من عشيرة الزهيرات المعروفة في لواء ديالى، ويا ليت من ينبري من الادباء فيؤرخ لحياة هذا الشاعر الفتى البغدادي الذي جمع خصال الفتوة وآدابها في موال واحد لا يزال يترنم به البغداديون ولا احفظ له شيئاً سواه فهو يقول:
امعادن الود تظهر من معاديني
وحكوك الاصحاب او فيها معاديني
والصاحب اللي كرن دينه معاديني
من غيمة الريب جوى لم يزل صاحبي
واللي شرب كاس خمر امودتي صاحبي
اكره صحيب الذي يحجي كفا صاحبي
واللي يعادي صحيبي هو معاديني
فأي موال زهيري جياش بمعاني الاخوة هذا، واية خصال كريمة من خصال الفتوة العربية تكتنز فيه؟..
فلقد جاء في الأثر الشريف: الناس معادن.. وقد فاخر الملا جادر الزهيري البغدادي بان معادن الود تظهر من معادنه فهو الجوهر.. واذا كان ولابد من اظهار ما يتسم به من سمة الايثار فانه يتطوع بملء ارادته واختياره الى الوفاء بديون اصحابه الى جانب وفائه بالديون التي بذمته الى غيره.. وانه ساع الى ان يجعل الجو الذي يكتنفه وصاحبه في حالة صحو من كل غيوم الريب والشكوك، واعتزازاً بحبه لاصحابه فان كل من يشرب من خمر مودته يصحو به، ولا تعتريه السكرة وهذه كناية عن المغالاة في الحب.. وطبيعي ان نفساً كهذه جياشة بحب صديقها تكره مصاحبة الشخص الذي يغتاب ذلك الصديق، وانه في حالة عداء دائما مع الذين يكنون لصاحبه العداء..
ومن الموالات التي سمعتهم يترنمون بها ما قاله الشاعر الشهير عبد الغني جميل البغدادي وهو جد الاسرة الجميلية المعروفة في بغداد وارومتها في محلة قنبر علي:
انبيك يا صاح روحك بالصبر علها
علّ الليالي تعود وترتشف علها
ان جان طير السعد رفرف ولى علها
وهناك نبني بيوتٍ للمجد وعراف
ونجيد اهل الرده بمشذبات عراف
يا حسرتي كوطروا عني الولف وعراف
واليوم جم عام روحي ما برت علّها
وقول الملا سلمان الشكرجي العبدلي البغدادي:
نار الهجر بالضماير زاد واطيها
واعلى المعالي شمخ بالجور واطيها
دار الجفت خلتي يا رب واطيها
هيهات روحي ترد وتعود لاجنها
ونياب فرك الولف لحشاي لاجنها
لو جان ربعي بهمي تهم لاجنها
ما تحرك النار الا رجل واطيها
وما قاله الشاعر الشهير عبد الغفار الاخرس:
آه على الطيف منك لو يزور بسنه
ويلوح الي من جبينك هلّ وضحى بسنه
لا تظن غيري مسودن مبتلي بسنه
هايم بذكرك واحسب احساب بعدك وعد
واهلّ كثر المدامع من صدودك وعد
واعد وماطل ولا توفي بذاك الوعد
أرضى ولو صار وعدك كل يوم بسنه.
ولا نقول جديدا ان الشاعر الشعبي الشهير الحاج زاير الدويج النجفي قد ابدع أيما ابداع باقتفاء أثر عبد الغفار الاخرس في موال سمعت الاستاذ محمد القبانجي يتغنى به على نغم (الابراهيمي) في احدى المناقب النبوية الشريفة، واصبح على لسان جمهرة المغنين الهواة من اهل بغداد:
من يوم فركاك ما لذن جفوني بسنه
ولكثر شوكي تسعر هل دليل بسنه
يا ترف حسنك يفوك اعلى البدور بسنه
من دون كل الخلك سيفه علي شهر
حين رماني ولا سرار المودة شهر
انت عليك السنه تمضي بحسبة شهر
وآنه عليّ الشهر كل يوم منه بسنه”
ولقد يفتنك ان ترى بين الاشقياء ينظمون الموال والعتابة تأسياً وتشكيا من نائبات الدهر، فهذا عمران الشبلاوي القيسي الذي دوخ العثمانيين أمداً طويلاً من الزمن ومن بعدهم البريطانيين حتى وضعت الحكومة المحتلة جائزة قدرها عشرة آلاف ربية لمن يقبض عليه، فاضطر بعد ان تألبت عليه الايام وبلغ من الكبر عتياً ان يلتحق بابناء عمومته بني قيس (الكروية) الضاربين على سفح جبل حمرين حيث قال وهو على فراش الموت:
لمين جفن سواعيد المجد مني
يقنت بامر الجره واكريت بالمن
ناديت يا منزل السلوى مع المن
والدهر ياما جيوشه بالمراتب عجب
حتى عجبهم من اطريج الموده عجب
يا رفكتي لو متت ما هو عليّ عجب
خلي التكادير تاخذ حكها مني
واننا لنجد القوة والابداع والجناس في هذا الموال، وكأننا نقرأ شعراً فصيحاً، وابدع من هذا تخلصه بعد الاستجارة بربه الكريم (يا منزل السلوى من المن) الى اعترافه الواضح الصريح بصلابته في معارك القدر التي تغلب فيها واعطائه الحق للقدر ان يثأر منه وذلك بقوله: (يا رفكتي لو متت ما هو علي عجب.. خلي التكادير تاخذ حكها مني).
وانه على ما نرى ليس بكلام قيل جزافا.. انه الشعور بالقوة الانسانية التي تتلاشى امام الموت وهي في عنفوانها العظيم، وليس ادل على ذلك من انه بارح الدنيا بعد ايام قليلة من ترنمه بهذا الموال الدافق دماً وحياة.
وقد ذكر لي احد المسنين من ابناء محلتنا ونحن نتحدث عن الموال والغناء ان شقياً كان يدعى ابراهيم الحوراني اوقع الانكليز في مآزق حرجة، فلما قبضوا عليه قرروا اعدامه شنقاً في ساحة الميدان امعانا في اذلال البغادة.. وعندما جيء بابراهيم الحوراني انشد يقول:
شقاوتي ضوجت خلكي وعمري طال
من كثر قطع الجماجم والدما هطال
الحبس لي مرتبه والقيد الي خلخال
والجنبه يا علي مرجوحة الابطال
وفي هذه الخلجات الشاعرية الحارة نستطيع ان نتصور مدى تأثر الحوراني بابي زيد الهلالي، عندما كان يصغي الى اساطيره وهو فتى في المقهى، ومن الانصاف ان نذكر له هذا، فقد قطع في نصف مواله هذا بـ(كثر الجماجم والدما هطال) على انه كان اسطوري النزعة في النظم.. ويؤسفني ان محاولاتي في الوقوف على غير ذلك من منظوماته قد باءت بالفشل، فلم يسعفني الحظ على ان اعثر على غير هذه الاشطر من موال لم تسعفه (الجنّبه) وهي حبل المشنقة على اتمامه، غير ان استجارته بالامام علي بن ابي طالب عليه السلام دليل على ما كان يعمر فؤاده من فتوة اوقفته فتى في وجه الاستعمار، واعتلى خشبة الموت غير هياب ولا وجل لوثوقه من نفسه انه سيتأرجح في ارجوحة كانت على ما بدا له ارجوحة الابطال!
يا من تصلي عالنبي تربح
واذا كان ختام كل حديث مسكاً، فليكن المسك الذي نضوع به اجواء حديثنا هذا، الكلام عن شقاوات جيلنا، فقد كان ذلك الجيل آخر مظهر من مظاهر الحياة الشعبية الشيقة التي تربط الجيل الحاضر بالجيل الماضي، حيث كان ابناؤه آخر من مارس اعمال الفتوة بادابها ورياضتها، فهم اليوم من شذرات المجتمع البغدادي –مثقفين واميين- الذي تقف امامه (الفتوة العربية) فخورة بما انجبت، حيث لم تكن لهم في صدور شبابهم ما للماضين من مواقف تقتضيها المغامرات، سوى ما كانت تقتضيه اسباب التفاخر والمباهاة. وقد شهدتهم وانا صبي ادرج، يمارسون الفروسية، ويلعبون الساس، وكانت فروسيتهم تتجلى بأبهى مظاهرها في الاعياد حيث ينطلقون زرافات ووحدانا الى حلبة السباق بالقرب من الباب الوسطاني ويسمونها بـ(المنظرة) فيستقبلهم هناك اصحاب الجياد، فيستأجر كل واحد منهم جوادا ويشتركون في سباق ودي لطيف حتى ينتهي بهم (الطراد) الى ساحة قريبة من باب المعظم حيث يجلس الوجوه والشيوخ على أرائك شعبية هي الاخرى، تسمى بـ(التخوت) وينبري اعظم الجالسين مقاماً فيمنح الفائز بقصب السبق جائزة نقدية، ولصاحب الجواد جائزة اخرى، وهكذا.. ولما كان الصبيان ممن يتشوقون الى التظاهر بمظاهر الرجال، فقد كانوا يمتطون ظهور الحمير بانواعها والشقي (الوكيح) منهم كان لا يقبل الا الحمار الحساوي المخضب جبينه بالحناء. وقد انقرضت هذه العادة مع الاسف ولم يبق من آثارها شيء اليوم الا في بعض المحلات الشعبية التي لم تزل على سليقتها الاولى في الحياة. ولقد شاهدتهم ايضاً –واقصد بهؤلاء اقراني- يقومون بواجبات الخدمة في المناقب النبوية التي كان يقيمها الموسرون من ابناء المحلات احتفاء بالمولد النبوي الشريف في الثاني عشر من ربيع الاول لكل عام وفي مقدم شهر رمضان المبارك وفي المناسبات السعيدة الاخرى، كذلك لا تخلو مجالس العزاء من وجود هؤلاء الفتيان حيث يضمخون اجواء هذه المجالس بطيب العود والبخور ويتبارون في تقديم واجبات الخدمة للحاضرين من ابناء المحلة وغيرهم من ابناء المحلات الاخرى خصوصاً في المجالس التي تقام احياء لذكرى الحسين عليه السلام.
وكما كان الاقدمون مولعين بالموال وغناء الموال، فكذلك وجدت اقراني مولعين بـ(العتابة) وهو من انواع الشعر الشعبي وبحره من بحور الشعر (الوافر) واشهر الناظمين بها رجلان احدهما يدعى (حمادي الجاسم) من عشيرة الجبور، والثاني: (عبد الله الفاضل) من شيوخ (عنزة) ثم ذاعت وانتشرت في بغداد وفي مدن الشمال والغرب، وقاعدة نظمها على نوعين الاول يتألف من اربعة اشطر ثلاثة منها متحدة القافية. ومجنسة بالجناس التام شأنها في ذلك شأن الموال والشطر الرابع يختم بألف وباء ساكنة وتجيء زائدة على الوزن كقول بعضهم في الرثاء:
تهزهز يالحد وانفض ترابيك
عزيز الروح هل نايم ترابيك
لفانه العيد واعيوني ترابيك
تهنّه يا ترف واحنه بعذاب
اما قاعدة الثاني فهي كقاعدة الاول غير ان الشطر الاخير يختم بالف مقصورة واحياناً بالف ممدودة كقول بعضهم:
ابات الليل جن بحشاي جانون
عفه على حاجبه مجرور جانون
يزرع الكلب ما يرويه جانون
كود آذار بسنين السخا
واكثر ما كانت تغنى العتابة في حفلات الاذكار التي يقيمها المتصوفة والمتشبهون برجال التصوف واصحاب الطرق الصوفية في التكايا او المساجد او البيوت التي ينذر اصحابها باقامة (الذكر) في المناسبات المختلفة، فكان فتيان جيلنا هم الذين يغنون (العتابة) بانخراطهم في حلقة الذكر بعد الاستئذان من شيخ الحلقة. ويقوم اصغرهم سنا بواجبات الخدمة وملاحظة المجلس ، فاذا حدث لغط ما في احدى الزوايا، او ارتفع صوت بعض المتكلمين من الحاضرين ينبرى احد هؤلاء فينادى بصوت جهوري رخيم:
-تربح.. يا من تصلي ع النبي تربح.. اشارة الى ان الكلام قد يؤثر على رجال الحلقة وان المقام محتشم ويوجب السكوت والاصغاء.. وهي طريقة شعبية اخاذة وتقابلها بالمجالس الاخرى عبارة .. صلي ع النبي..
ابراهيم بن عبدكه
لم يجل بخاطر ابراهيم بن عبدكه وهو يعيش ايامه الرتيبة في بساتين وحقول قرية (العواشق) من اعمال قضاء المقدادية، انه سوف يصبح علماً مبرزاً من اعلام الاشقياء ويكسب صيتاً داويا يجعله مضرب الامثال في اعمال البطش والقوة والعنف لولا مقتل اخيه عبد حسن في غضون سنتي 1916-17 في تلك القرية. فوجب عليه ان يثأر له طبقاً للتقاليد العشائرية الموروثة في بعض المدن وفي الارياف بصورة عامة، فان الريف لا يرحم القاتل ولابد من ان يقتل، وهكذا وطد العزم على قتل (جواد) قاتل اخيه عبد، وتأهب للامر.
وظل يتحين الفرص ويبحث عن جواد حتى عثر عليه في احدى محلات باب الشيخ، فصوب على صدره النار وقتله في الحال، ثم امتطى صهوة جواده وفر هارباً الى بعقوبة. ولكنها نهاية لبداية مأساة مروعة فقد جاءت الانباء من بعقوبة تفيد بان ستة من رجال الجندرمة قد قتلوا نتيجة لمقابلة وقعت بينهم وبين ابن عبدكه، ومنذ ذلك الحين اصبح غريماً للحكومة تطارده في أي ملاذ يأوي اليه.. ولكنها كانت في كل مرة لا تظفر منه بطائل.. ثم تعددت جرائم القتل التي كان يقوم بها هذا الشقي البائس، حتى داهمه بعض الاشخاص المتنكرين في قرية العبارة، وكانوا ثلاثة استطاع ان يقتل اثنين منهم بعد ان صوب عليهم النار ولاذ الثالث بأذيال الفرار، وكان احد هذين القتيلين نجم الزهو العزاوي الذي لفظ انفاسه الاخيرة وهو يودع قصة استشهاده الى ولده الصبي سهيل.. وقصة حرمانه من عطف والده، وقد كانت القصة الاولى تتألف من كلمتين لاغير همس بهما في اذن ولده (قتلني ابراهيم) وصعدت روحه الى السماء.
وطبيعي ان السلطة قد تأهبت للامر، اكثر من ذي قبل فان من الاهانة بحقها ان يقتل رجالها الاقوياء على يد هذا الشقي لمغامر الجريء الذي ظل مختفياً عن انظار الجندرمة حتى فاجأه المرض وهو في قرية (خرنابات) فلما علمت السلطة العثمانية بذلك ارسلت قوة كافية من رجالها الاشداء فقبضت عليه والقت به في سجن بعقوبة تمهيداً لمحاكمته.. غير انه وبعد عشرة اشهر استطاع ان يفر من سجنه ليستأنف اعماله الاجرامية حتى سقطت بغداد على يد الانكليز سنة 1918.
وذات يوم قدم قطار كركوك النازل الى بغداد وهو يقل قوة بريطانية ويقل الى جانبها السياسية الانكليزية المعروفة (مس بيل) وعند وصول القطار محطة شهربان داهمه بعض الرجال المدججين بالسلاح وتغلبوا على القوة واسروا المس بيل، وعند ذلك قدم ابن عبدكه فاستقبله الرجال بما يليق من استقبال رئيسهم، فلما شاهدت المس بيل حفاوتهم به احتمت به فحماها واوصلها الى حدود بغداد ثم تغير الامر.
ظل ابن عبدكه يتخفى عن انظار حكومة الاحتلال وهي تلاحقه وتطارده ويشاء القدر ان يأتي اليه بمن يهمس في اذنه بان ابن عمه محمد دارا قد قتل لثار قديم فوقعت الهمسة عليه وقع الصاعقة واعترته حمى شديدة اضطر بسببها وبسبب تضييق الخناق عليه ان يفر الى المحاويل وفي 14 حزيران 1924 وبينما كان طريح فراشه حضر ثمانية من رجال الشرطة واحاطوا به من كل جانب فلم يستطع مقاومتهم واستسلم للامر الواقع فقبض عليه وارسل مخفوراً الى بغداد واجريت محاكمته وصدر عليه الحكم بالاعدام شنقاً حتى الموت، وقبيل تنفيذ الحكم ظهرت مس بيل، وتدخلت حتى خففت الحكم الى الاشغال الشاقة لمدة عشرين عاماً، وخرج من السجن سنة 1936 بعد ان قضى فيه اثنى عشر عاماً.. وعطفت عليه الحكومة فعينته مراقباً للآثار في بابل.
وسلخ في بابل ثمانية عشر عاماً كلها خوف وقلق لا يفهم مما يحرسه من الاثار والكنوز الثمينة الا انها المهمة القفر، لا يكاد يخرج من داره الا ليدخلها فقد وهنت نفسه وطار قلبه شعاعاً، لانه كان ولا شك يعلم بقرارة نفسه انه لا يزال (مطلوباً) وان كان يجهل لمن..؟
وفي 5 ايلول سنة 1954 وقد بلغ سهيل من عمره الثلاثين سنة قضاها يتيماً تشتعل في قلبه قصة ابيه (قتلني ابراهيم) وجد ان الفرصة قد حانت لاطفاء هذه الجذوة اللاهبة في قلبه فذهب الى الحلة حيث يسكن ابن عبدكه واطلق عليه النار ثأرا لابيه واتماماً لقصة يتمه التي طالت ثلاثين عاما.. ولما نقل ابن عبدكه الى المستشفى سأل عن قاتله فقيل له انه سهيل بن نجم الزهور فارتجف وصرخ (ليش احنة ما توافينا بعد؟ اني قتلت ابوه وعمامه قتلوا ابن عمي ثم لفظ انفاسه الاخيرة.
وهكذ اسدل الستار على حياة ابن عبدكه الذي اصبح مضرب الامثال في عالم الاشقياء.
ولم يقع اختيارنا لجعله مثالاً للاشقياء الا لكونه آخر من قتل من اشقياء الجيل الماضي.

هذاالموضوع من موقع جريدة المدى
http://www.almadapaper.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *