الرئيسية » الآداب » قصص قصيرة جداً

قصص قصيرة جداً

قرابين
من خلال زجاج الشاحنة التي يقودها أبصر قرية صغيرة وادعة ومنسية.. تتقدم نحوه باسطة ذراعيها لاحتضانه، فهو بلا شك يحمل لأبنائها بعضاً مما يسهل أمور حياتهم الشاقة، ويطفئ ظمأ حرمانهم.. الملامح بدأت تتضح له شيئاً فشيئاً.. وجوه كالحة متعبة لناس بسطاء.. نساء يتسربلن بالبياض، ورجال بلحايا وشوارب كثة.. أطفال شبه عراة يركضون حفاة باتجاه الشاحنة، لأن عقولهم الساذجة صوّرت لهم إن العربة القادمة من بعيد ناهبةًً الطريق ومخلّفة وراءها زوبعة من التراب قد تحمل لهم ملابس أو لعب وهدايا أو ربما قليل من الحلوى.. النساء يخبئن ابتساماتهن الخجلى متأملات أن تكون السيارة القادمة مليئة بالنفط الأبيض أو على الأقل تحمل لهم ماءاً للشرب والطبخ…
لا احد يعلم من أية أصقاع بعيدة جاء هذا السائق اللعين! ليلهب عواطف وتفكير هؤلاء الفقراء.. تفاجئ ببيوتاتهم الطينية، ولكنه تذكر بغتة الأوامر التي تلقاها: ( هؤلاء الناس كفرة ويجب إبادتهم).. بدء الخدر اللذيذ يسري في أوصاله، والمكافئات التي سيلقاها في الجنة – حوريات، أنهار من الخمر والعسل- كلها أثارت شهيته المريضة للموت.. أبطأ من سرعته، وكلما اقترب أكثر نبتت أمامه أفواج من الصبيان والصبايا..(إنهم كفرة).. تطن هذه الكلمات في أعماقه الخاوية إلا من الشر والانتقام.. ( كفرة.. كفرة) .. يخرج هاتفه النقال.. يتصل برفيقه الذي يقود الشاحنة المتوجهة إلى القرية الأخرى.. نفذ مهمتك بعد خمس دقائق…
يتصاعد الوهج والدخان إلى قلب السماء الداكن.. وتتناثر الأشلاء.

حشرجة
وسط الخراب الهائل.. بين أنقاض كوخهم المهدّم، وفي ظل الجدار الوحيد المتبقي.. كان يجلس بجوار ابنته الصغيرة وبيدها كتاب القراءة.. يقرأ لها بصوت مخنوق بالعبرات:
( دار – دور – وطن)!!.

بقايا
يبحث في جيبه لا يجد علبة السجائر.. في جيبه الآخر لا يجد نظارته.. يفتش في ذاكرته لا يجد شيئاً يقوله.. ينظر إليهم كالمجنون وهم ينبشون الأنقاض – وراء البلدوزر- كدجاج جائع! يخرجون فردة حذاء، لعبة ممزقة، وبقايا بطانية زرقاء طالما غطى بها أولاده الصغار.

سقف
في مثل هذا الوقت من كل عام.. كانوا هو وزوجته يجبلون الطين ويخلطونه بالتبن يرممون به كوخهم المتداعي، ليقيهم من أمطار الشتاء.. وفي كل مرة كانوا يحلمون بمنزل صغير من الأسمنت يأويهم مع أولادهم الستة!.. هذا العام لم يرمموا.. ولم يحلموا.. لم يعد يملكون سقفاً حتى!.. لديهم فقط خيمة أعطتهم إياها لجنة الإغاثة، بعد أن دمّر الإرهابيون قريتهم وحوّلوها إلى ركام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *